حزنت لمناقشة رسالتى فى صمت فأكرمنى الله بـ«ترند عالمى»
بينما كان طالب الدكتوراة فى الجامعة الماليزية للعلوم أنس القانوع على بعد شهور من السفر إلى ماليزيا لمناقشة أطروحة الدكتوراة فى الفيزياء، اندلعت الحرب فى قطاع غزة، لتحرمه من فرصة السفر، والاستمتاع بالأجواء التقليدية لاحتفال الباحثين بحصاد ثمار مجهود استمر لسنوات.
بقى أنس بين أهله يشاركهم أتراحهم ومعاناتهم، لكنه أبى، رغم ذلك، أن يسلبه المحتل الإسرائيلى حلمه، فأصر على استكمال كتابة أطروحته للدكتوراة أثناء تلك الظروف التى يمر بها القطاع، وتواصل مع الجامعة الماليزية التى منحته استثناء بمناقشة الدكتوراة عن بعد من داخل غرفة منزله التى طالتها قذائف المحتل، وباتت مهددة بالانهيار، لتجوب صور تلك المناقشة العالم وتصبح عنوانًا للصمود والتحدى.
عشرات الأسئلة قفزت إلى ذهنى، وأنا أشاهد تلك الصور التى اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعى، وكنت أسعى للحصول على إجابة عليها من بطل القصة نفسه، وبعد رحلة من البحث، توصلت إلى حسابه الشخصى على موقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك»، وأرسلت له طلبًا بالحوار.
أصبحت مصدر إلهام لشباب الباحثين.. ورسالتى لهم: أنتم أقوى من أى ظروف
بعد فترة ليست بالقصيرة، كدت أن أفقد معها الأمل فى إمكانية تجاوبه، بسبب الظروف التى يمر بها القطاع، جاءنى الرد بالموافقة، ليدور بيننا حوار مطول استهله القانوع بابتسامة مطمئنة متبوعة باعتذار على تأخره فى الرد، بسبب عدم توافر خدمة الإنترنت.
دخول سريع فى الأجواء
أدخلنى اعتذاره سريعا فى أجواء الحوار، إذ كان سؤالى التالى مباشرة عن كيفية التغلب على مشكلة الإنترنت عند مناقشة الرسالة عن بعد، فقال إن إجابته على هذا السؤال تحتاج إلى خلفيات مهمة حتى يدرك القارئ، كيف وصلنا إلى مشهد مناقشة أطروحة الدكتوراة.
يقول بعد أن أطلق تنهيدة عميقة: «حصلت على البكالوريوس من الجامعة الإسلامية بغزة فى 2009 بتقدير ممتاز، وعينت معيدا بها، ومنحت درجة الماجستير فى 2011، ونشرت 20 بحثا خلال دراسات الماجستير، وبسبب الظروف المادية، لم أتمكن من المضى فى تنفيذ أطروحة الدكتوراة، حتى تمكنت من الحصول على منحة لإعدادها فى الجامعة الماليزية للعلوم، وكان ذلك فى عام 2021».
ووفق نظام تلك المنحة، سافر القانوع إلى ماليزيا لتنفيذ الجزء العملى الخاص بأطروحة الدكتوراة، ثم عاد إلى قطاع غزة لكتابة الجزء النظرى، وكان من المقرر عودته إلى ماليزيا مجددا لمناقشة أطروحة الدكتوراة فى شهر يناير 2024.
ويتابع بعد توقف لبرهة: «لكن عندما قامت الحرب فى أكتوبر 2023، توقفت عن كتابة أطروحة الدكتوراة، من أكتوبر حتى يناير، ومع استمرار أمد الحرب، قررت ألا يسلبنى المحتل الإسرائيلى حلمى، فاستكملت الكتابة، وكانت عملية مرهقة للغاية، لكنها اكتملت، واستطعت بعدها الحصول على استثناء من الجامعة الماليزية للعلوم بمناقشة أطروحة الدكتوراة عن بعد، والحمد لله حدث ذلك فى 10 يوليو الماضى».
ويجبرنى القانوع مرة أخرى على تأجيل سؤالى عن كيفية توفير خدمة الإنترنت لإجراء المناقشة عن بعد، إذ كان سؤالى التالى عن كيفية كتابة أطروحة الدكتوراة فى ظل الظروف التى يمر بها القطاع، فيثير السؤال مشاعر الفخر على وجهة متبوعة بنبرة صوت متحمسة وهو يقول: «كتابة رسالة دكتوراة، وفى تخصص دقيق مثل فيزياء النانو، ليس بالأمر الهين فى الظروف العادية، ويزداد الأمر صعوبة فى ظل الظروف التى يمر بها القطاع، لكن رغم التحديات والصعاب، كان بداخلى تحد كبير وإصرار على استكمال هذه المهمة بنجاح».
تجهيز البنية التحتية
استمرت قصة الصمود والتحدى فى تجهيز البنية التحتية اللازمة لإجراء المناقشة عن بعد، ففى ظل الغياب التام للكهرباء والإنترنت، وغياب الأمان فى غرفة طالتها آثار القصف وصارت مهددة بالانهيار، خاض القانوع معركة إعادة تأهيل المكان لإجراء المناقشة.
ويقول، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة: «كل شيء استعرته من أقرانى وأقاربى، فقد استعرت «لاب توب» عالى الكفاءة، وبطارية احتياطية لاستخدامها عند نفاد البطارية الأصلية، وهاتف «آيفون» مزود بشريحة إنترنت، لتوصيل خدمة الإنترنت من خلاله إلى اللاب توب، ومحول كهرباء صغير، من إجل إضاءة بسيطة للغرفة، حتى يتمكن المناقشون من رؤية وجهى على الأقل، وكان يعترينى الخوف من انقطاع خدمة الإنترنت، ولكن الحمد لله، كانت الأمور ميسرة، وتمكنت من المناقشة بنجاح».
وبينما كانت المناقشة تجرى فى الرابعة فجرا لفرق التوقيت بين قطاع غزة وماليزيا، كان القانوع يواجه من وجهة نظرنا تحديا آخر، وهو أصوات القذائف التى كانت قريبة من محيط المكان، لكنها بالنسبة له «أمر عادى»، وقال بابتسامة راضية: «تعودنا على ذلك، فنحن لا نخشى الموت، فلن تموت نفس إلا بإذن الله».
عودة للخيام من جديد
ولا يعتبر القانوع الحصول على درجة الدكتوراة نهاية لرحلة الصمود والتحدى، والبحث بعد هدوء الأوضاع عن فرصة عمل مناسبة خارج القطاع، إذ قال بلهجة حاسمة: «إذا غادرت وغادر غيرى، فمن سيبنى الجامعة الإسلامية، التى كانت منارة للعلم فى غزة».. ودمرت آلة الحرب الإسرائيلية الجامعة الإسلامية تماما، لكن القانوع وغيره من أبناء الجامعة عازمون على استئناف نشاطها ولو من الخيام، وأضاف: «كما بدأت الجامعة فى عام 1978 من الخيام، سنستأنف نشاطها من الخيام، ولن نيأس، وسنظل نقاوم بالعلم، لأن ما يريده المحتل هو طمس العملية التعلمية».
ولا يرى القانوع أن ذلك صعب، عندما تهدأ الأوضاع، وحافظ على لهجته المتحمسة وهو يقول: «لو فكرت فى المعوقات فلن تفعل شيئا، فكن مع الله، سيعطك القوة والإرادة التى تجعلك أقوى من أى ظروف».
ويتابع: «كتابة أطروحة علمية فى ظروف الحرب، وتجهيز الغرفة شبه المهدمة لمناقشة الأطروحة عن بعد، هى مشاهد ختامية لقصة كانت فصولها مؤلمة ومليئة بالمعوقات، لكن نجحت فى التغلب على كل الظروف، فيكفى أن أقول لك، أنى بدأت الكتابة فى ذروة المجاعة التى كان يعانى منها القطاع، ونام أطفالى الأربعة جياعا، وبكيت فى إحدى الليالى من هذا المشهد، وكنا نشرب مياه البحر المالحة، لكن ذلك لم يثننى عن هدفى الذى تحقق والحمد لله».
اختلاط الفرحة مع الحزن
واختطلت مشاعر الفرحة والحزن عند القانوع يوم نجاحه فى تحقيق هدفه، إذ يقول: «فرحت بحصولى على الدرجة العلمية فى هذه الظروف، وحزنت لأن ذلك حدث فى صمت، فيوم المناقشة يكون عادة مناسبة للاحتفال، وحصاد ثمار التعب والجهد».
لكنه عاد، وقال بعد أن ارتسمت على وجهه ابتسامة راضية: «لكن الحمد الله لم تمر سوى ساعات، وأصبحت قصتى حديث العالم وتحولت إلى «ترند عالمى» بعد أن نشر ابن خالى صورتى وأنا أناقش الأطروحة عن بعد من داخل غرفتى شبه المهدمة».
ولا ينكر القانوع سعادته بردود الأفعال التى استقبلها من مجتمع البحث العربى بعد نشر الصور، وقال: «كثير من الباحثين أرسلوا لى رسائل أكدوا خلالها أنى أصبحت مصدر إلهام لهم، ودافعا للتغلب على أى ظروف، لأن أى معوقات تواجههم تتضاءل أمام ما واجهته من معوقات».
وقبل أن اختم معه، طلبت منه ملخصا لأطروحة الدكتوراة، فقال إنه «تمكن من إنتاج أسلاك الفضة النانوية بنقاء عال، يجعلها مفيدة فى العديد من التطبيقات مثل استخدامها فى أجهزة الكواشف عن الأشعة فوق البنفسجية وفى أجهزة الجوال، لتؤدى نفس الوظائف التى تؤديها مواد مرتفعة القيمة».. ولم ينس أن يوجه الشكر لمشرفه فى الدكتوراة بجامعة العلوم الماليزية البروفيسور ناصر العراقى، والذى كان بمثابة الأب الروحى له، وقال: «كان بيننا تقارب فكرى، ساعدنى على إنجاز أطروحة متميزة ونشر 4 أبحاث تحت إشرافه».
حوافز لجذب استثمارات البترول
وزير الخارجية يدين العنف فى الأراضى الفلسطينية
مشروع مربح فى المساحات المفتوحة| نحــل يــدر ذهبــًا






