« الزيارة» قصة قصيرة للأديب الدكتور إيهاب عبدالسلام

الدكتور إيهاب عبدالسلام
الدكتور إيهاب عبدالسلام


لا أظنني سأنسى وجه ذلك الطفل ما حييت...

كنت في زيارة لعائلة بقريتنا ليلة عيد، كان الأب وثلاثة من أبنائه مجتمعين في المندرة، وتغيَّب أكبرهم، رحبوا بي وساد صمت عجيب، بدا الأمر كما لو كانوا في خلاف شديد بينهم قبل وصولي، وسكتوا إكراما لضيافتي، ولكن علامات الغضب والتوتر كانت لا تزال بادية في ملامح وجوههم، فقلت لأكسر الصمت:

فيه إيه يا جماعة... خير... أنتم متخانقين ولا إيه؟

فقال أحد الأبناء:

حضرتك مش غريب خناقة كل سنة وكل موسم.

قلت:

يا ساتر يا رب... حد يتخانق في المواسم والأعياد، ما تصلوا على النبي كده يا جماعة.. فيه إيه؟

فقال أكبر الأبناء الحاضرين بعد أن صلوا على النبي:

الحاج مُصِرّ يلف بكرة على عماتي كلهم في البلاد اللي حوالينا وهو راكب الحمار، مع إن كل واحد فينا عنده عربية واقفة قدام الدار، عشان جدي الله يرحمه وصاه وهو بيموت وقال له: (وصيتي يا ابني ما تنساش خواتك وكل موسم تركب الحمار وتروح لهم تفرحهم وتشرفهم قدام الناس).

وإذا بالأب يرد منفعلا:

أنا مش عارف أنتم بتعارضوا ليه، دي وصية جدكم، وأنا عمري ما أخالفه طول ما أنا عايش، اللي قاله جدكم لازم يتنفذ بالحرف، محدش فيكم بيصرف علَيَّ عشان يزلني...

قال الجملة الأخيرة بانفعال، وصوت على عتبات البكاء، مما جعل أحد أبنائه يحتضنه بسرعة مُقَبِّلًا رأسه، قائلا:

إهدا يابا الله يخليك، إحنا مش ضدك، إحنا بنحبك، وبنحب جدنا الله يرحمه زيك وأكتر، دا كان أحنّ علينا منك وإحنا صغيرين، كل الحكاية يابا إن الدنيا اتْغَيَّرت، والحمد لله ربنا أكرمنا وعندنا عربيات، ممكن تلفّ على عماتي بعربية منهم، مش لازم يعني تركب الحمار.

وإذا بالأب يدفع ابنه بيده غاضبا قائلا:

كلام جدكم أنا حافظه بالنصّ، وأنتم كمان حافظينه، وقلتهولكم كذا مرة، أغيَّره ليه، وأجتهد فيه ليه، أنتم قلبكم قاسي، ولا بتحبوا أبوكم ولا جدكم، ولا حتى عماتكم، أنتم جيل وسخ وعايش لنفسه وبدماغه.

فقال الابن الأوسط: ممكن يابا تسمع مني كلمتين من غير ما تنفعل، وبعدهم اعمل اللي أنت عايزة يا حاج، ولك علي لو ما اقتنعتش، أنا كمان حشوف ركوبة وآجي معاك.

فقال الآب وقد وضع رأسه بين يديه: قول يا خويا أديني بسمعك.

فقال الابن: جدي الله يرحمه قال لحضرتك: «تركب الحمار وتروح لهم تفرحهم وتشرَّفهم قدام الناس» الوصية دي يا حاج فيها حاجتين: «الوسيلة» و«المقصد» المقصد إنك تفرَّح عماتي وتشرفهم قدام الناس، ودا اللي عايزه جدي، والوسيلة إنك تروح لهم راكب الحمار، إحنا لا نجتهد في المقصد، يعني لازم عماتي يفرحوا ويتشرفوا قدام الناس، دي ما فيهاش اجتهاد، إحنا بنجتهد وبنغير في الوسيلة، لأنها خاصة بالمتاح أيام جدي، وبعدين جدي وضَّح قصده من كلامه أهه (تفرَّح عمَّاتِي وتشرَفْهُم قدام الناس) واللي يشرَّفْهُم قدام الناس في زماننا وسائل جديدة، مش إنك تدخل عليهم بالحمار، دا أنت كده ممكن تكون بتحرجهم، وتعرّهم قدام الناس...

ويبدو أن كلمة (تِعِرّهم) فلتت من الابن، وكانت شديدة على الأب، فانتفض واقفًا، وقد بدا أن ضغطه ارتفع، وكأنَّه لم يعد يشعر بوجودي ضيفا بينهم، وصرخ بأعلى صوته:

شوف يا ابن الكلب يا نجس منك له، أنا داخل أنَام، والحمار يتعلف الليلة كويس، والبردعة تتحضّر، ومن الفجر حَلِفّ على عماتكم، وقسمًا عَظَمًا، ما أسمع الكلام دا تاني، لأركبكم كلكم حمير وألففكم معايا.... الله يرحمك يابا... الله يرحمك يابا... الله يرحمك.. إن شالله أموت لو جه اليوم اللي معرفش أنفذ فيه وصيتك يابا...

قال كلامه الأخير وهو متوجه لحجرته، وقد تركناه جميعا لإدراكنا أنه فَضَّلَ الانصراف لا لينام، وإنما لئلا يبكي أمامَنَا، فقد آلمته كلمة (تِعِرّهُم) وغلبته العاطفة وهو يترحم على أبيه... ثم ساد صمت وكآبة شديدة علينا، خاصة وقد استمعنا إلى نهنهات الحريم وهي تبكي داخل الدار، وقد رأت الحاج وهو في سِنِّه يدخل حجرته ماسحا دموعه...

كنت أنا في غاية الإحراج، وقلت في نفسي: «أنا إيه اللي جابني هنا في الليلة السودة دي، هو أنا ناقص يا ربي...؟» لم يقطع صمتنا إلا الابن الأصغر - وهو أحن الأبناء على أبيه- إذ انفجر فجأة وهو قاعد في بكاء شديد، وأخذ يقول بصوت متكسر يحاول مزاحمة بكائه:

لو أبويا جراله حاجة الليلة مش حسامح حد منكم، أنتم عايزين تموتوه، راجل في السن دي، كل موسم وكل عيد، تنكدوا عليه وعلى البيت كله، حرام عليكم، والله العظيم لو أبويا جراله حاجة ما أنا مسامحكم عمري...

كان الموقف عصيبًا حقًّا، وكان لا بد لي أن أقول شيئا، أي شيء، فقد بدوت كأنني تسببت في إشعال الحريق بسؤالي عندما دخلت: (ما لكم يا جماعة)، وقاعد أشاهد وأتفرَّج وأنا ساكت، فقلت بحدة:

يا جماعة فعلا أخوكم عنده حق، وعناد الحاج مالوش أي لازمة، دا راجل في آخر رحلته، وربنا يديله الصحة، ولازم كلكم تراضوه، يللا خشوا بوسوا دماغه ورجليه، وهاتوه لو ما نامش، وأنا مش حسيبه غير لما ينام من الضحك... فقال الأكبر منهم:

أنت ما تعرفش حاجة يا دكتور إيهاب، أبونا موصي أخونا الكبير إنه لو مات يعمل اللي بيعمله، وأخونا وعده إنه ما يخالفش وصيته، ومقتنع بكلامه، حتى - سبحان الله- هو اللي واخد شبهه في الملامح بالظبط كأنه هو... تصدق بالله يا دكتور إيهاب؟

قلت: لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله.

فقال: أصغر عماتي متجوزة في بلد بعيدة عننا شوية، كفر النور لو تعرفها، عارف أبونا بيعمل إيه..؟

فقلت: أيوه صحيح بيعمل إيه، وكفر النور على بُعْدِ عشرين كيلو؟

فقال: بِيْحَمِّل الحمار على عربية نقل، وبيركب قدام، وفي أول البلد بينزله ويدخل على عمتي راكبه، زي أبوه ما قال بالظبط... يمكن الناس في بلدنا عارفين طبعه ومقدّرين، لكن كل البلاد حوالينا بتضحك علينا يا دكتور إيهاب.

لم أجد ما أقوله وكانت الساعة دخلت على الواحدة بعد منتصف الليل، فاستأذنتهم وانصرفت، ولا أظنني سأنسى وجه ذلك الطفل من أحفاده، الذي خرج مسرعا ورائي كأنه يبحث عن أمل يتشبث به، كان وجهه مضيئا كالقمر، وعيناه تلمعان بأمل قلوق، سألني وهو يلتقط صورة بهاتفه المحمول (سيلفي) معي:

تفتكر يا عمو فيه أمل إن جدي وعمي يقتنعوا؟

فقلت وأنا أخفي عنه دموعا غلبتني: إن شاء الله يا حبيبي فيه أمل.

فقال: إمته بس يا عمو؟

قلت: لما الحمير تنقرض.