«محمد صبري».. أستاذ الواقعية التأثيرية

بصرة - ١٩٥٠ ألوان زيتية على توال
بصرة - ١٩٥٠ ألوان زيتية على توال


امتزجت أفكاره ومشاعره بنظراته العابرة للطبيعة بمختلف مكوناتها وجمالياتها التى لا تنضب، فقد كان يتمتع بإطلالة التأمل والتبصر لينقل لنا بإحساسه ورِقَّة أنامله ورشاقة أدواته جهامة الجبال وحجارة مآذن مساجد أحياء القاهرة الفاطمية وحواريها وأزقتها وأبوابها وبواباتها الشاهقة، وعناق طمى النيل ب المراكب الشراعية على شواطئ المحروسة، لوحات وإبداعات عديدة رسمها «أستاذ الباستيل» كما أطلقوا عليه فى أوربا.. الفنان محمد محمد صبرى الشهير بـ محمد صبرى (1917 - 2018).

النحاسين
من خلال رؤيتى لمشوار هذا الفنان القدير أراه صائدًا للجمال، يبحث عنه فى كل مكان يذهب إليه، وينقله إلى مسطح لوحاته التصويرى بمهارة وبصمة تعكس تفرده، وخاصة تمكنه فى الرسم بألوان الباستيل.. تلك الخامة التي تحتاج إلى مهارة خاصة.

ولد صبرى فى 21 ديسمبر 1917 بالقرب من مسجد السلطان أبو العلا بحى بولاق ونشأ فيه قبل أن يلتحق بمدرسة الفنون التطبيقية ويتخرج فى قسم الزخرفة على قمة دفعته عام 1937، وعقب تخرجه بسنوات قليلة أقام معرضه الشخصى الأول عام 1943 بقاعة جولنبرج بشارع قصر النيل، وهذا المعرض كان سببًا لعودته للدراسة، ولكن فى القسم الحر بكلية الفنون الجميلة، حيث زار معرضه الفنان أحمد صبرى والفنان بيكار، وأظهرا إعجابهما بلوحاته وعرضا عليه الانضمام للدراسة فى الفنون الجميلة تحت إشرافهما، فرحب صبرى وانضم للقسم الحر، وحصل على المركز الأول فى نهاية دراسته من خلال مسابقة أطلقتها الكلية، وكان العمل الذى تقدم به عن «النحاسين»، ومن ثم ذهب فى بعثة داخلية إلى مرسم الأقصر كمكافأة له.

اقرأ أيضًا | السينما الأمريكية تهيمن على دورته الـ٨١ .. نجوم العالم فى افتتاح مهرجان فينيسيا

رحلة إسبانيا
عام 1948 حصل صبرى على الميدالية الذهبية فى المهرجان الفنى الذى أقامته وزارة المعارف العمومية، وفى عام 1950 أقام معرضًا لأعماله التى رسمها أثناء رحلة الأقصر حيث المعابد الفرعونية وعظمتها، فضلا عن أعماله التى رسمها عن الحياة الشعبية فى القاهرة، وزاره فى هذا المعرض مدير مكتب وزير المعارف د. طه حسين آنذاك، ومن ثم تم ترشيحه للسفر فى بعثة إلى إسبانيا عضوًا فى المعهد المصرى فى مدريد، ورافقه فى تلك الرحلة د. أحمد هيكل وزير الثقافة الأسبق.

التحق صبرى بكلية «سان فرناندو» للدراسة، وحصل على درجة الأستاذية ليعود ويعين مدرسًا فى كلية الفنون التطبيقية فى الفترة من 1953 حتى عام 1959.

«بصرة» و«لاعبو الورق»
رسم صبرى لوحته «بصرة» عام 1950 بمقاس 60x80 سم مستخدمًا الألوان الزيتية على توال، جسد فيها مشهدا للاعبي الكوتشينة على أحد المقاهى الشعبية، وبتأمل اللوحة ومغزاها نرى مهارة صبرى ودقته فى إظهار عنصر وسحر الظل والنور، وكيفية انعكاس ضوء المصباح غير المرئى وظله على وجوه أبطال اللوحة الأربعة.

ينتمى هذا العمل إلى المدرسة الانطباعية والواقعية والتأثيرية فى آن واحد.. هنا قرر الفنان أن يصف ما يراه وصفًا دقيقًا، فهو ينقل ويقلد الضوء عندما ينعكس على الأشياء والعناصر، وهو ما كان يهتم به الانطباعيون بنقل الواقع وانطباعهم الأول عن المنظر أو الحدث الذى أمامهم دون تخيل مع التركيز على درجة الضوء، وهذا ما أبدعه صبرى فى تلك اللوحة مع اهتمامه بالحركة واللون.

نرى أحدهم يرفع ورقة الكوتشينة وتعبيرات وجهه تترجم ذلك، والآخر يترقب ممعنًا النظر فى الأوراق التى بين يديه.. وقد ركز صبرى على الأهمية البنائية واللونية لكل أركان ومكونات اللوحة، مع وجود خلفية مناسبة بفعل العناصر والملمس ومزج وخلط الألوان.

هذا العمل يضاهى فى المعنى أعمالا عالمية مثل لوحة «لاعبو الورق» للفنان الفرنسى بول سيزان ( 1839-1906)، إذ تعد هذه اللوحة فى نظر النقاد من أهم لوحات المدرسة الانطباعية، كما أنها واحدة من أثمن اللوحات الفنية فى العالم، ولوحة «كش ملك» للفنان الألمانى موريتز ريتش (1779-1857) وهى لوحة تجسد حرب الخير والشر من خلال لعبة الشطرنج، ولوحة ثالثة بعنوان «فتاتان تلعبان الكوتشينة» للفنان الروسى أليكسى جافريلوفيتش (1780-1847).