سحر الموجى
الساعة الآن الرابعة وسبع عشرة دقيقة بعد ظهر يوم الثلاثاء ٢٠ أغسطس ٢٠٢٤.
منذ الصباح الباكر وموجات المشاعر فى مد وجزر متسارع. صدمة ورفض للتصديق وأسئلة بلا إجابات، حزن خاطف مفاجئ يَغْرق فجأة فى ضباب كثيف يبتلع مشاعرى فأعجز عن تبينها.
كيف أكتب عن سمية وعقلى لم يستوعب بعد رحيلها!
كيف أكتب وعقلى ليس معي.
عقلى يراها فى زيارة لأبى عام ٢٠٠٦ فى قسم الرعاية الحرجة فى مستشفى قصر العيني، إنها تنظر نحوه بعينين مبتسمتين ووعد أن تزوره فى البيت عندما يخرج. عقلى يعود إلى ١٩٩٩ وورشة الكتابة الشهرية فى «مؤسسة المرأة والذاكرة» حيث كنا نأكل البيتزا فى الشرفة ونرتشف الشاى ونقضى يوم السبت ونحن نعيد كتابة بعض حكايات ألف ليلة وليلة والحكايات الشعبية. فى كتاب »قالت الراوية: حكايات من وجهة نظر المرأة من وحى نصوص شعبية عربية» الذى ضم جزءا من نتاج الورشة، أعادت سمية كتابة القصة الإطار لألف ليلة ولعبت أنا مع بعض الحكايات داخل النص.
عقلى هناك فى بيتها فى أول طريق إسكندرية الصحراوي، فى يوم شتوى ربما كان فى عام ١٩٩٣ أو ١٩٩٤. أجلس معها على الأرض فى الشرفة الزجاجية الطويلة التى تطل من فوق على أشجار البيوت المجاورة، أختبئ هناك من العالم، من نفسى وحيرتى وضياعي.
يدور بيننا الكلام عن مدينة دبلن التى عاشت فيها سنوات، عن باتريك كافانا الذى تحبه كثيرا، عن إدوارد سعيد طبعا، وتعلو ضحكتها إذ تخبرني: «لقد جعلتِ من تد هيوز متصوفا. إذن بإمكانك أن تفعلى أى شيء».

فى تلك الشرفة تشاركنا أسرارا، وسألنا أسئلة دون أن ننتظر إجابات قاطعة، وأطلعنا بعضنا البعض على نصوص لم نكن نعرف كيف نصنفها وماذا نسميها.
«فى الصحراء لا تمطر السماء. ولكن قرب الفجر كل يوم تتجمع حبات الندى عند أطراف النباتات المنشورة هنا وهناك. تتلقفها يد امرأة عجوز معروقة قلقة كل فجر وكأنها فرصتها الأخيرة».
فتحت كتابها الأول «خشب ونحاس» بعد أن توقفت كثيرا أمام ابتسامتها على الغلاف الخلفى لطبعة شرقيات (١٩٩٥)، ثم عدت إلى لوحة محيى الدين اللباد على الغلاف، تستوقفنى المرأة التى ترتدى جلبابا له طابع شعبى وتمتطى حصانا أزرق يتحرك إلى الأمام.
لا أعرف لمَ توقفت عند حكاية »البئر» تحديدا.
عندما يمتلئ بحبات الندى الكوز الصفيح تجرى تفرغه فى البئر. صنعتها يداها. حفرتها وأدارت فتحتها وعمقتها وأقسمت أن تملأها حتى تفيض. ولكن هنا فى هذه الصحراء لا تمن الأرض بماء وإن اخترقت حتى الجوف السحيق. يوم اكتشفت ذلك أقسمت وكانت شابة جميلة وقتها أن تملأ البئر لو كلفها ذلك عمرها».
أستجيب للنداء وأعيد قراءة النص وأتساءل: هل أنتِ هى تلك المرأة يا سمية؟
البئر التى حفرتها بيديكِ وعمقتها، ماذا وضعتِ فيها؟ كتبا قرأتها؟ أشعارا أحببتها؟ الكتب والأشعار والأفكار والفلسفة والأحلام والعثرات والجروح التى شكلت وعيا مرهفا بالعالم، وعى مرهف إلى حد الألم.
هل هذه هى البئر التى أقسمت أن تملئيه كل يوم بحبات الندى؟
ما كان يؤرقها إلا خاطر واحد يلح عليها أحيانا نهارا بأكمله: «ماذا لو أنها ماتت قبل أن تملأ البئر؟» أحيانا كانت تستولى عليها الفكرة فلا تطيق انتظار الفجر فتقضى ليلتها فى محاولات يائسة لجمع الندى قبل أن يتجمع. وأحيانا كانت تستسلم لخاطر يهد من عزيمتها ويوهنها: إن كل جهدها لن يغير شيئا، وإن أحدا لن يلحظه وإنها بعد أن تموت لن يتذكر بئرها أحد ولن يروى بئرها أحد».
الخاطر المقلق، الهاجس، هل ظل يلاحقك؟ هل وصلتِ أبدا إلى لحظة طمأنينة أن شخصا ما سيعثر على البئر، وسيرتوى من الماء الذى تجمع من الندى، قد يكون صديقة مثلى التقتك وهى تتهجى أبجدية ذاتها فبقيتِ معها، دون وعظ أو نصيحة أو ادعاء معرفة الخطوة التالية، كنتِ شاهدة عطوف على الرحلة، ولم يكن هذا بالقليل. قد يكون أحد تلاميذك وهو/هى تلمح الندى فى التماع عينيك وأنت تتكلمين فى الأدب والفن وكيف نقرأ نصا. وربما هو قارئ/ة سيمر بإحدى حكاياتك فيتوقف مفكرا فى نفسه/ا، فى معنى الحياة (لو كان ثمة معنى) وفى الرحيل الذى يؤدى إلى رحيل، فى طبقات الذاكرة المتراكمة فوق بعضها البعض، فيما يمكن أن نقبل فى هذا العالم وما يمكن أن نغير، أو على الأقل نحاول.
«ظلت على حالها سنين طويلة لا تعرف عددها، إلى أن كان يوم ذهبت تفرغ الكوز الصفيح فى بئرها وذهلت. كان الماء قد ارتفع حتى أنها رأت صورتها تتراقص أمامها على صفحة المياه، وأفزعها ما رأت.
وجه عجوز حفر عليه قانون الحياة والموت طلاسم التحول. حياة جف رحيقها وذبلت، لم يبق لها إلا لحظة ينفخ فيها فتتنهد وتتبعثر وتذوب وسط ذرات رمال الصحراء. وشمل كيانها جنون يندفع فى موجات يخبط صفحة الماء بالكوز الصفيح ويفرغ ماءه على الرمال حول البئر. ولكن الماء لا ينحسر ولا تبتل حبات الرمال».
أتأمل نهاية الحكاية ولا أصدق أنكِ قد فزعت لامتلاء البئر، أو أنكِ أصلا قد رأيته ممتلئا!
منذ عامين حكيتِ لى عن البيت الذى شيدته على ضفاف نيل أسوان. كان صوتك مبتهجا وأنتِ تحكين عن الموقع وعن مراحل البناء المختلفة ومن ساعدوك فى تلك المهمة، عن شجرة الجميز التى تشكل حاجزا طبيعيا بينك وبين الفندق المجاور، عن الغرفة التى تخصك وحدك، وعن بناء بضعة غرف جديدة، وكيف أن طموحك هو أن تجعلى من هذا المكان ملاذا لكتاب وفنانين يرغبون فى التفرغ من أجل استكمال مشاريع لهم.
أرسلت لى صورا للبيت الراقد فوق تبة صغيرة بجدرانه البيضاء، أبوابه ونوافذه الزرقاء، والشرفة الواسعة ذات المصاطب والكليم القطنى المزركش. فكرت معك فى سبل لتنفيذ الفكرة، قلتُ إن وجود إنترنت هو أمر لا غنى عنه، وطرحتُ عليكِ أسئلة عن الطريقة التى سيدخل بها البيت بعض المال من أجل تغطية مصاريفه. وعدتنى بإرسال ملف كبير عن البيت، ثم اختفيتِ، اختفينا عن بعضنا البعض، دخلت كل منا إلى شرنقتها، كعادتنا.
هذا الحلم الذى يضم إليه آخرين، هذا القدر من الحضور مع الحياة، من أجل الحياة، كيف يمكن أن أصفه بالحياة التى جف رحيقها وذبلت يا سمية!
هكذا تتركيننى مع أسئلة بلا إجابات.
كما تتركيننى مع صوت ضحكتك المفعمة بالطفولة والدهشة وهى تتردد فى أذنيّ، مع رنين الحنان فى صوتك، وهمس الألم وأبيات من الشعر ووميض صور متناثرة فى الزمن.
رحلتى معكِ لم تنته، بل إنها تبدأ.
وجزء من جمال هذا العالم أنك كنتِ- وسوف تبقين- جزءا منه.
اختتام مؤتمر دولى حول تاريخ القبيلة فى كازاخستان
عشرون عامًا على تأسيس «الكتب خان»
كيف تنجو الحكايات فى «ملتقى القاهرة الأدبى»






