«دينا واللص».. قصة قصيرة للكاتب علاء عبدالعظيم

علاء عبدالعظيم
علاء عبدالعظيم


كانت ساعة متأخرة من الليل، عندما تسلق اللص ماسورة المياه وهبط من نافذة الحمام إلى شقة جارنا، ولم يكن هناك أحد في الشقة غير الكلبة "دينا" التي أحست بأن هناك غريب قد دخل البيت، فأقبلت عليه مسرعة تريد استطلاع أمره، ولتحسن استقباله، فهي لا تعرف الشراسة، ولا تحب العنف، وتعتقد أن كل البشر طيبون رقيقو المشاعر، مرهفو الحس، وهي على عكس الكلاب الضالة الجائعة، والقطط المشردة في الطريق التي اعتادت الركل بالأقدام والطرد من كل مكان تشم فيه رائحة طعام.

فهذه الحيوانات الضالة تلقى يد الاضطهاد والمطاردة ما يدفعها إلى أن تجري فزعا ورعبا كلما أقترب منها انسان.

أما "دينا" فقد عاشت طوال حياتها التي لا تعدو السنتين في البيت، وقد تعودت أن ترى من حولها يعطفون عليها ويقدمون إليها الطعام والشراب، بل ويعتنون بنظافتها ويرشون البودرة على جسمها حتى لا تهبط عليه ضيوف ثقيلة من البراغيث، وما شابهها من الحشرات.

"دينا" كلبة مترفة لا تعرف خشونة العيش ولا تعاسة الجوع أو التشرد والضياع، لذلك لديها متسع من الوقت لكي تحب، وتألف، وتؤلف، ولكي تحسن الظن بالحياة، وتنظر اليها بمنظور بهيج.. هذه كانت نفسية "دينا" وعقليتها.

وهكذا كانت تنظر إلى الحياة، وعندما دخل عليها اللص يبحث عن شيئ يسرقه.

اقرأ أيضا|  «ايفيتا تأبى الرحيل!» قصة قصيرة للكاتب محمد نبيل

هزت "دينا" ذيلها مرحبة باللص الذي انتابه الخوف والفزع أول الأمر، عندما رآها تقبل عليه في حجمها الكبير وجسمها الملون بلونين الأبيض والأسود، تراجع اللص خشية أن تهجم عليه فتمزقه بأنيابها، وعاد بظهره إلى النافذة يوشك أن يقفز منها من جديد.

لكن "دينا" هزت ذيلها بطريقة لبقة وهي تحرك ذيلها كما تدير المرأة الذكية لسانها في فمها، وبدأ اللص يشعر بأنه مرغوب فيه وأن هذه الكلبة أو لعله يظنها كلبا، قد بدأت تشده في رفق إلى داخل البيت، وبدأ الارتباك يستولي على اللص، أن تصرفات "دينا" محيرة فهو لم يعتد أن يعامل هكذا من الكلاب، إنه يعرف نوعا واحدا منها يأتي به رجال الشرطة ثم يوقفونه والبعض في صف طويل ثم يأمرونهم بأن يجلسوا القرفصاء، ويطلقون الكلب الذي يتشممهم ويدور حولهم ثم يهجم على واحد منهم فجأة، ويشرع في نهشه بأنيابه ممزقا ملابسه حتى يتدخل مدرب الكلب ويخلص الضحية من براثنه، ثم يحدث غالبا أن يلقى بهذا الرجل الذي نهشه الكلب في السجن لأمد طويل.

وهذه هي الأفكار التي كانت راودته وهو يتبع "دينا" في حذر وهي تطوف به خلال حجرات البيت، وكان اللص يفكر بسرعة في طريقة ليتخلص بها من "دينا" فانتهز فرصة تقدمها إلى حجرة المكتب، وكان قد ألقى نظرة فاحصة سريعة في البيت، فوجد أنه لا يوجد فيه ما يستحق الاهتمام، وأغلق الباب بسرعة على "دينا" التي التفتت خلفها في دهشة وهي تسأل نفسها عن السبب في تصرفات هذا الرجل غير المهذب!

اتجه اللص بسرعة إلى حجرة النوم، وانتزع ملاءة السرير وفرشها على الأرض ثم فتح الدولاب وحمل البدل والقمصان وأربطة العنق، وألقى بها وسط الملاءة، ثم لفها صرة كبيرة، وفي تلك اللحظة أحست دينا بقدوم صاحب الشقة يدير المفتاح في الباب، فنبحت بشدة تريد أن تخرج من حجرة المكتب، أما اللص فقد أسرع في فزعه وقفز من نافذة الحمام وجرت "دينا" نحو حجرة النوم يسبقها صاحب البيت الذي وجد الصرة الكبيرة، وقد كوم بها كل الملابس بعد أن تركها اللص في هربه السريع، التفت صاحب الشقة إلى "دينا" ضاحكا من سذاجتها وعدم معرفتها بشرور الحياة، وفي تلك اللحظة انطلق صوت ضجيج هرول على إثره صاحب الشقة إلى النافذة ورأى جمهرة كبيرة من الناس ملتفة حول شاب يرتدي بنطلون جينز وقميصا متسخا لا لون له، وكانت الصفعات تنهال على وجهه، وكل واحد من المتجمعين يقوم بدوره ليصفعه أو يركله بقدمه وهم يصيحون حرامي.. حرامي.. حيث يبدو أن اللص كان قد دخل بيتا آخر فصادفه لحظه السيئ آدمي لا يرحم، لا حيوان عطوف شفوق كالكلبة "دينا"!