فى عالم مليء بالتحديات، يولد بعض الأطفال حاملين قلوبًا أقوى من أجسادهم الصغيرة، هؤلاء هم أطفال الشلل الدماغى الذين يواجهون الحياة بشجاعة وإرادة صلبة، ورغم اعتقاد البعض أن إصابتهم تحرمهم من نصيبهم فى الحياة، فإنهم يثبتون كل يوم أن القوة الحقيقية ليست فى القدرة على الحركة، بل فى الصمود والتغلب على الصعاب. هم أبطال يستحقون الحياة والتقدير والدعم المستمر ليتمكنوا من تحقيق أحلامهم والعيش بصحة وسعادة. فى هذا التحقيق، تستعرض آخرساعة قصصًا ملهمة لبعض هؤلاء الأبطال، مع استطلاع آراء الأطباء المختصين حول مفهوم هذا المرض، وكيفية اكتشافه مبكرا، وأفضل الطرق للتعامل معه، لتقديم الدعم والمساعدة لهؤلاء الأطفال وأسرهم.
إياد محمود، طفل من ذوى القدرات الخاصة يعانى الشلل الدماغي، تروى والدته قصته مع المرض قائلة إنه وُلد فى الشهر الثامن، واكتشفت حالته عندما كان فى عمر ستة أشهر، حين بدأت تلاحظ عدم قدرته على الحركة أو الانتباه، فتوجهت به إلى الأطباء، وهناك تلقت صدمة قوية بعد معرفة حقيقة مرضه، حيث لم تكن لديها أى فكرة مسبقة عن الشلل الدماغى، وكانت تعتقد أن مستقبل طفلها سيكون مظلماً، وأنه لن ينجو من هذا المرض.
لكن الأطباء طمأنوها وأخبروها أن إياد يمكنه أن يعيش حياة جيدة، وأنه يحتاج للكثير من الصبر، بالإضافة لجلسات علاج طبيعى وتخاطب وتنمية مهارات لمساعدته فى الاعتماد على نفسه، بدأت رحلتها العلاجية معه عندما أتم عامه الأول، وبدأت بالعلاج الطبيعى. خطوة بخطوة، بدأ إياد يحرك أجزاء من جسده، واستغرقت كل حركة جديدة أكثر من عام لتحقيقها.
حاليًا، يتمكن إياد من الوقوف على قدميه والمشى بمفرده، والتحق مؤخرًا بتدريبات السباحة وأظهر تفوقاً كبيراً، كما أثبت حضوره فى مسارح الأطفال من خلال أدائه الغنائى فى حفلة عيد الأم فى مارس الماضى، وحصل على بطولة الكاراتيه فى استاد القاهرة، ليظهر أنه قادر على التحدى ولديه المزيد من القدرات لمواجهة الحياة.
اختتمت والدة إياد حديثها برسالة مليئة بالأمل لكل الأمهات اللاتى رزقن بطفل مصاب بالشلل الدماغى، حيث أكدت أن عليهن التحلى بالأمل والإيمان بقدرات أطفالهن، حتى إن كانت الخطوات بطيئة وتستغرق وقتاً طويلاً.
بطل رياضى وشاعر
سمير بطل آخر فى مواجهة الشلل الدماغى، اكتشفت والدته حالته عندما كان عمره 10 أشهر، وأخبرها الأطباء حينها أنه يعانى ضمورًا فى خلايا المخ المسئولة عن الحركة والتخاطب، بعدها بدأ سمير رحلته مع جلسات العلاج المختلفة، وبمرور الوقت بدأت تظهر نتائجها.
اليوم، يبلغ سمير 17 عامًا، وقد بدأ ممارسة الرياضة منذ سن السابعة، بما فى ذلك السباحة والتايكوندو والبوتشا، وحصل على العديد من الميداليات الذهبية والفضية والبرونزية، كما شارك فى بطولات الجمهورية وكأس مصر، بالإضافة لنجاحاته الرياضية، يمتلك سمير موهبة إلقاء الشعر، وشارك فى العديد من الحفلات بقصائد مميزة، أما عن ميوله الشخصية، فهو يجيد تحليل مباريات كرة القدم ويحلم بأن يصبح مدرب كرة قدم فى المستقبل، فضلاً عن تفوقه الدراسى.
تحديات وعلاج
من جانبه، يوضح الدكتور محمود أسامة، مدرس قسم الأطفال فى كلية العلاج الطبيعى بجامعة القاهرة، أن الشلل الدماغى إصابة حركية عصبية تصيب الطفل من الولادة وحتى عمر الثلاث سنوات، نتيجة لعدم اكتمال نمو المخ، ويلعب العلاج الطبيعى دورًا حيويًا فى تقييم الحالة بالكامل، حيث يتضمن تقييم الجسم والأطراف، ومتابعة الحركة، ورد الفعل المنعكس حسب عمر الطفل، ومهاراته الحركية الدقيقة، وتوافقها مع عمره، كما يتم تقييم استخدامه ليديه، ومدى تحكمه فى الأشياء، وفحص العضلات والمفاصل ومدى حركتها، وقدرته على الإحساس والتوازن.
ويشير إلى أن العلاج الطبيعى يحتاج فى المتوسط من 3 إلى 6 شهور لتعلم مهارة حركية مثل صلب الرأس أو الجلوس، بينما قد يستغرق الوقوف مدة أطول تصل إلى 9 شهور، ويعتمد ذلك على حجم الإصابة فى المـخ أو الأطراف. فكلما كانت هناك مضاعفات، زادت مدة العلاج. وقد يحتاج الطفل للعلاج الطبيعــى طوال حياته حسب الحالة، أو قد يكون العلاج الطبيعى على فترات زمنية متباعدة، أو إيقافه تماما بعد التأكد من شفاء الحالة.
ويشير إلى أن هناك عوامل تؤثر فى تحقيق العلاج أعلى نسب للشفاء، فدائما الأمل موجود حتى وإن طالت المدة، فالشلل الدماغى ليس من الأمراض التى تؤدى إلى الوفاة، وفى كل فترة يتم تطوير العلاجات والأدوات والعمليات التى تساعد على الشفاء. كما أن التغذية تلعب دورًا مهمًا فى دعم العلاج، حيث يجب أن تكون تغذية صحية متوازنة تعتمد على توافر العديد من الفيتامينات مثل الكالسيوم والحديد والبوتاسيوم، مؤكدا أن هناك الكثير من الحالات التى حققت نسب شفاء عالية عندما بدأ العلاج فى الستة أشهر الأولى من العمر.
تحذيرات
فيما يقدم الدكتور محمود سمير، أستاذ مساعد العلاج الطبيعى للأطفال بجامعة القاهرة، حزمة من التحذيرات والنصائح التى يجب على الأهل مراعاتها لتجنب ولادة طفل مصاب بالشلل الدماغى، إذ ينصح بالابتعاد عن زواج الأقارب قدر الإمكان، خاصةً إذا كان هناك تاريخ عائلى بالإصابات بالتشوهات الجينية.
وخلال فترة الحمل، يجب متابعة الحالة الصحية للأم والطفل بانتظام مع طبيب النساء والتوليد، والتأكد من متابعة قياسات الطفل فى الشهور المختلفة من الحمل لتجنب أى مضاعفات، والقدرة على التدخل والطفل مازال جنينا، كما يجب التأكد من أن مكان الولادة مجهز بكافة التجهيزات اللازمة للعناية بصحة الأم والطفل، بما فى ذلك توافر حضانة لإدخال الطفل مباشرة فى حال حدوث أى نقص فى الأكسجين لتفادى حدوث مشاكل فى المخ.. وبعد الولادة، من الضرورى متابعة حالة الطفل مع طبيب الأطفال لتجنب الإصابة بالصفراء، حيث يمكن أن تؤدى إلى مشاكل كبيرة فى المخ إذا تخطت الحاجز المخى مما يؤثر على النمو الحركى.
وينصح الأم بضرورة توخى الحذر من تعرض الطفل لأى عدوى أو نزلات برد، وأن تحافظ على الجهاز التنفسى للطفل، كما يجب مراقبة درجة حرارة جسمه بانتظام والتأكــــــد مــــن مــــواعيـد الأدويــــة خاصـــة أدويــــة التشنجات، لتجـنب تأثير التشنجات السلبى على التطور الحركى.
نسب الشفاء
ويؤكـــــد الدكتــــور ســــــمير أن الســــنـة الأولـــــى مـــــن عــمــــر الطفل المصاب بالشلل الدماغى هى الأهم، حيث توجد حركات تطور حركى طبيعى فى الشهور الأولى مثل حركة الرأس والجلوس. فى حال تأخر أى منها، يجب التوجه لطبيب المخ والأعصاب لإجراء أشعة رنين على المخ لاكتشاف أى مشكلة والتعامل معها، مؤكدا على أن التأهيل والعلاج الطبيعى فى أول عامين من عمر الطفل يمكن أن يساعد فى تحقيق نسبة شفاء تصل إلى 90-95%.
ويضيف: فى مراحل العلاج الطبيعى، يتم وصف جبائر للأطفال لمساعدتهم على الحركة وتقليل تيبسات القدم واليد، ومن المهم الالتزام بارتدائها، كما ينصح بضرورة متابعة الطفل مع مختلف التخصصات التى تساعده على الشفاء مثل العلاج الطبيعى والعلاج الوظيفى والتخاطب وتنمية المهارات.
علاوة على ذلك، يجب على الأم تجنب أن ينام الطفل على ظهره لفترات طويلة وكذلك تواجده أمام الشاشات، وتدريبه على تحريك أعضائه لتفادى الأمراض التنفسية وهشاشة العظام وتشوهات القدم، وأيضا خلع مفصل الفخذ. لذا، من المهم أن يقف الطفل على قدميه بعد إكمال الشهر الثامن أو التاسع حتى وإن كان ذلك بوسائل مساعدة، ليساعد على ترسيب الكالسيوم فى العظام.
ويمكن للأم اللجوء إلى عمليات تقويم العظام إذا لزم الأمر، ولكن يجب أن يتم التقييم المتكامل بين الجراح وطبيب العلاج الطبيعى وطبيب التخدير وطبيب المخ والأعصاب للوصول إلى القرار السليم.
نشر الوعى
من جانبه، يقول مصطفى الليثى، رئيس مجلس إدارة جمعية انور الحياةب لتأهيل أطفال الشلل الدماغى، إن توعية المواطنين بطبيعة المرض وكيفية التعامل معه من أهم خطوات الوقاية والعلاج، خاصة أن كثيرا من الأهل ليس لديهم المعرفة الكافية بأن هناك علاجا لمرض الشلل الدماغى، ولهذا السبب تطلق الجمعية حملة توعوية تحت اسم اأنا هاعيشب فى 29 أغسطــس الجـــارى ولمــدة 13 يومـــا، ليجـــوب أتوبيــس الخـــير شـــــوارع مصر فى عدد من المحافظات بهدف نشر الوعى من خلال تقديم فقرات للأطفال ودعم للمرضى وإثبات أن طفل الشلل الدماغى له حق فى الحياة وعلينا إعطاؤه الفرصة والأمل فى ذلك، وحتى يستطيعوا الاندماج مع المجتمع بشكل طبيعى.
اقرأ أيضا : بشفاهها.. منيرة تغزل آيات الإنجيل على النول

«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







