الليالى الحلوة والشوق والمحبة
من زمان والقلب شايلهم عشانك
أم كلثوم تغنى فى صالة بيتنا القديم بيت العيلة، وفى منتصف الصالة سفرة ضخمة فوقها لوح من الزجاج المحفور عليه بفخر اسم زجاج ياسين، يعلوه مفرش أبيض مُزين بالدانتيل ومطرز بخيوط حرير، على المائدة تورتة متوسطة صنعتها أمى فى مطبخها منذ الصباح ومازالت رائحة الفانيليا متمسكة بالحيطان والصور والمكان حتى المغرب، موعد مناسب لدعوة أصدقاء لإطفاء شمعة عيد ميلادى، شمعة وحيدة مهما تعددت السنوات، وقطع شهية من الكيك والكعك، زجاجات البيبسى وفناجين الشاى، ولا تزال أم كلثوم تغنى، وجودها فى خلفية الاحتفال بعيد ميلاد سبعيناتى يمثل سياجًا من الود والدفء يحمى المناسبة المبهجة رغم بساطتها. حتى اللحظات التى يعلو فيها صوت الحاضرين بالتهنئة، تبقى هى أيضاً حاضرة بصوتها.
يسعدنى أن أتذكر احتفالات أعياد ميلادنا التى استمرت بكل هذه البساطة حتى نهاية الثمانينيات تقريبًا، لكنها كانت مليئة بسعادة لا يمكن وصفها، بساطة الاحتفال تعكس بساطة البيوت وأثاثها وحياتنا ومفردات كل التفاصيل التى كانت تملك سرًا عظيمًا يجعلنا نحلم دائمًا أحلامًا سعيدة.
الحقيقة كانت البيوت بكل بساطتها وتشابه ملامحها مصدرًا حقيقيًا للسعادة والأمان، كان عبور عتبة البيت وإغلاق الباب خلفنا كأننا تركنا كل همومنا فى عالم تانى، البيت للسعادة للكلام الجميل للمة للأسرار الصغيرة للاحتفالات الكبيرة لأم كلثوم وعبد الحليم لشريط الكاسيت والبلكونة المتسعة بالليالى الحلوة للمطبخ الذى يعتبر نقطة الدوران حول روائحه الشهية.
وأفراحنا كانت أيضًا هنا، والجيران لبعضهم، وتفتح الأبواب فى العمارة كأن الفرح واحد، وبسطة السلم تتزين بباقات الورود الواقفة على ساقين من خشب. والزغاريد لا تنقطع عن البيت، زغرودة تسلم زغرودة فى فرح من القلب لا مثيل له اليوم.
هذه الذكريات البعيدة.. قريبة جدًا إلى قلبى، لا يمكن أن تسقط فى النسيان، مازال استعادتها يسر قلبى ويحميه من كل ما نعيشه من بهجة وفرح بدون روح، وما أصعب أن نمثل الفرح والاستمتاع بتفاصيل فقدت روحها.
ويسعدنى اليوم أن يدعونى صديق إلى عيد ميلاد ابنه أو فرح ابنته فى بيته، حول سفرة مغطاة بمفرش أبيض من الدانتيل، مؤكد أن التفاصيل الصغيرة القديمة لم تعد موجودة وأن أم كلثوم لا تغنى لليالى الحلوة والشوق والمحبة، لكن فى الاحتفال بعضًا من رائحة زمان الشهية، إنه البيت، البيت الذى يجب أن يعود نقطة الفرح والبهجة والعائلة والثرثرة والطعام المطبوخ بيدى سيدته، البيت يجب أن يظل مركز كل ما هو مهم وغال وحقيقى ونقى فى حياتنا، وأن يستعيد مكانته من المقاهى وفاترينات المولات، صعب؟ لكن علينا أن نحاول وأن ندرك أن البيت هو النعمة الجميلة فى حياة البشر، وهو أول ما صنعه آدم عليه السلام على الأرض، لكى يحميه من وحشة الحياة وصعوباتها، ولكى ينام فيه آمنًا.

أزمة مضيق هرمز تكشف عجز المجتمع الدولى
واقع جديد
الـ AI ينافس شاكيرا عالميا







