حالة من العزلة يعيشها «محمود» بعد أن انتهى من امتحانات الثانوية العامة ودخوله فى دوامة تنسيق الجامعات، أما جيداء فقد عادت من المصيف مكتئبة، رغم أنها قضت أجمل أسبوع على البحر، وبعد أن وضعت «سلوى» مولودها الأول الذى تنتظره على أحر من الجمر تعانى من حالة مزاجية سيئة، بينما فقد «جدو سعد» خمسة كيلو جرامات من وزنه بعد أن تقاعد من عمله بستة أسابيع فقط.. ما يربط بين الأربعة أنهم يعيشون حالة من الاكتئاب، يُطلق عليها «اكتئاب ما بعد»، ما بعد الامتحانات، ما بعد الإجازات، ما بعد الولادة، ما بعد المعاش.. فهل هناك ظاهرة بالفعل بهذا الاسم؟ وما هو علاجها؟
«كونسلتو» من خبراء النفس يتناولون الظاهرة بالتفسير والتحليل من خلال هذا التحقيق.
د. فتحى الشرقاوى أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس يقول: إن الحالة المزاجية تتراوح لدى الأفراد ما بين حالة من الانبساطية وانشراح النفس والهدوء والسكينة وفى المقابل حالة من الاكتئاب والحزن ومشاعر الشجن إلى آخره، فعندما يتعرض الإنسان لموقفٍ سار يستجيب له ويُصاب بحالة الانبساطية والعكس صحيح، باستثناء المرضى المصابين بالاكتئاب فهم لا يرون أى بارقة أمل أو سعادة فى أى شيء بسبب خلل فى بنائهم النفسى الداخلى.
وأضاف: هناك بعض الأشخاص غالباً ما يداهمهم شعور بالاكتئاب بعد الأحداث السعيدة كنوع من الإحساس الداخلى واللا شعورى بأنه من الممكن ألا يحصل على تلك السعادة مرة أخرى أو أن الأمر قد انتهى وأن بينه وبين السعادة مراحل طويلة أخرى، ما يحدث للكثير منا عقب انتهاء الإجازات والمصايف وشعورنا بالانطلاق ثم العودة مرة أخرى إلى ما نطلق عليه ضغوط وأحداث الحياة اليومية، والضغوط المهنية والأسرية.. هنا نجد أن الحالة المزاجية بدأت تتحول للنقيض تماماً لتصبح حزناً وفقداً وفتوراً واشتياقاً، وهى حالة من الشعور بالافتقاد لمرحلة عشنا فيها بسعادة من غير المُحتمل أن تستمر لفترة طويلة وغالباً ما تنتهى بدخول الفرد معترك الحياة.. وأوضح: إذا تحدثنا عن الاكتئاب نفسه فهو شعور إنسانى وله 3 أنواع الأول هو الاكتئاب نتيجة موقفٍ ما وغالباً كلنا نمر به ويُطلق عليه الاكتئاب التفاعلى ويحدث نتيجة تفاعل الفرد مع حدثٍ مؤلم مثل: فقد عزيز أو فقد مال أو فشل فى مشروع.
النوع الثانى يُطلق عليه الاكتئاب العصابى أو النفسى ونجد أن الشخص دخل فى مرحلة سوداوية بحيث إنه لا يرى فى العالم الخارجى أى نوع من الفرح أو الشغف أو السعادة وهذا النوع يحتاج لعلاج نفسى لأنه يعانى من صراعاتٍ ويدرك العالم كأنه انعكاس لما بداخله.
أما النوع الأخير فيُطلق عليه الاكتئاب الذهانى وهو الأكثر قوة، والمصاب به قد يتخذ قراراً بإنهاء حياته، ونطلق عليه الموت اختياراً فقد وصل لمرحلة تدمير نفسه نتيجة عدم قدرته على التوافق مع ذاته ولا مع العالم الخارجى ولا يرى أى أمل.
ما بعد الولادة
وتابع: الاكتئاب يرتبط ببعض المواقف مثل: اكتئاب ما بعد الولادة ، فالسيدة فى تلك المرحلة تعانى اضطراباتٍ وتغيرات فى صورة الجسم، وفجأة يصبح كل وقتها للطفل الصغير ويختفى اهتمامها بنفسها، مما يسبب لها نوعاً من الحزن يجبر زوجها ومن حولها على إدخالها فى حالة تأهيل نفسى.
ما بعد المصيف
وعن اكتئاب ما بعد المصيف والإجازات يقول د. فتحي: إن الأمر لا يُصنف على أنه اكتئاب بقدر ما هو قضاء وقت ممتع وفى حالة من السعادة ثم فجأة تنقطع هذه الحالة وينشأ نوع من الترقب والتساؤل هل سنعيش مثل هذه الأجواء مرة أخرى ونحن فى طريقنا للعمل والالتزام والمواعيد المنضبطة، مما يصيب الإنسان بالقلق النسبى ولكنه سرعان ما يزول لانخراط الفرد فى معركة الحياة، ويرى د. فتحى أن السيدات والفتيات هن الأكثر تأثراً والأكثر عرضة للاكتئاب من الرجال بسبب تفكيرهن العاطفى ومواجهتهن لمشكلات الحياة بمعايير عاطفية تجعلهن أكثر حساسية.

ثورة الشك
توضح د. إيمان النبوى استشارى الصحة النفسية أن ما يحدث للطلاب عقب امتحانات الثانوية العامة هو حالة من الفرحة العارمة يعقبها نوع من الاكتئاب البسيط وتصيبهم حالة من اللا مبالاة أثناء انتظارهم لظهور النتيجة ومعرفة التنسيق وتحديد الرغبات واختيار الكليات، وحالهم يكون من حال أسرهم فإذا قام الأهل باتهامهم بالتقصير وأشعروهم بالذنب لأنهم لم يؤدوا ما عليهم يصابون بحالة من الشك فيما قاموا به، ويعزف الواحد منهم عن طلب مصروفٍ نتيجة للقهر الأسرى فينعزل ويشعر أن قيمته من خلال الدراسة فقط، وهناك بعض الطلبة يصابون بحالة نفسية سيئة نتيجة اهتمام أسرتهم بهم بشكل مبالغ فيه أثناء فترة الامتحانات والإهمال الشديد بعد الانتهاء واعتباره كأنه غير موجود وأن قيمته فى المجموع الذى سيحصل عليه، فالطالب عندما يفقد اهتمام الأسرة ما بعد الثانوية العامة يُصاب بنوع من الاكتئاب لشعوره بأن ليس له قيمة، وعلى الأهل أن يدركوا تماماً أن حق الابن عليهم الرعاية والإنفاق والاهتمام والطعام والملابس، والاهتمام بأبنائنا ما بعد انتهاء الامتحانات له دور كبير فى عدم إصابتهم باكتئاب .. ومن الضرورة منحهم حقهم فى الفسح والخروج والترفيه عن أنفسهم وشكرهم على مجهودهم ومكافأتهم عليه.
ما بعد المعاش
حالة اكتئاب بعد سن المعاش للشخص المعتاد على النزول يومياً، غالباً ما تحدث بعد مرور أسبوعين دون خروجه من المنزل وعدم ممارسة أى نشاط، ينام ويصحو فى توقيتات غريبة، عازف عن الطعام، ويعانى هزالاً فى جسده، وعدم الاهتمام بمظهره وتراوده أفكار بأن حياته قد انتهت بخروجه على المعاش، ولابد من وضع خطة لملء الفراغ بعد وصوله للمعاش، والرجال يعانون من تلك المشكلة أكثر من النساء، وهى حالة يُصاب بها كل شخص خرج على المعاش ولم تتوافر له خطة بديلة وتمهيد نفسى للوصول لتلك المرحلة.. فالأمر يبدأ باللا مبالاة ثم تكرار للأفكار السلبية حتى يصل فى النهاية إلى الاكتئاب، وللحد منه يجب التمهيد للشخص قبل خروجه على المعاش بعدة سنوات ووضع خطط يومية بديلة له وتواجد أفراد عائلته حوله يدعمونه وإشراكه فى حياتهم للاستفادة من خبراته الحياتية، بالإضافة إلى تأمين نفسه مادياً تماماً.
اعتلال المزاج
ويفرق د. عمرو سليمان استشارى الطب النفسى بين الاكتئاب واعتلال المزاج، فالاكتئاب مرضياً هو الأعراض التى وصفها العلم فيما يخص النوبات التى تتفاوت درجاتها وفقاً لشدة الأعراض أو استمراريتها أو حدتها من قليلة الشدة أو متوسطة الشدة أو ذات التأثير الشديد كنوبة الاكتئاب، لذلك حينما نصف أعراض الاكتئاب فهى تنقسم ما بين نفسية وجسدية وأخرى تخص الوظائف العليا للمخ.
أما اعتلال المزاج فهو الميل إلى أن يكون الشخص حزيناً، غير قادر على التحدث، رافضاً للتعامل مع الآخرين ولكن هذا لا يستمر لأكثر من يومين أو ثلاثة كحد أقصى.
ويقول: «ما بعد الامتحانات يرغب المخ فى الحصول على الهدوء وهو لا يندرج تحت بند اعتلال المزاج بقدر ما هو رغبة فى منح قسط من الراحة للمخ وهو من ضمن الأشياء التى لا يفهمها الكثيرون ويصفوها على أنها حالة اكتئاب يصاب بها الطلبة بعد الامتحانات ولكن الفكرة أن الطالب استغل كل قدرات عقله فى الامتحانات وبعد الانتهاء منها يريد أن «يفصل».
وهناك اكتئابات متعارف عليها مثل: اكتئاب ما بعد الصدمة وهو يصيب من يتعرضون لصدمات حياتية شديدة يصاحبها اكتئاب، وهناك اكتئاب ما بعد العمليات الجراحية الكبيرة، والاكتئابات العضوية التى تصاحب بعض الأمراض، واكتئاب ما بعد الولادة.. كلها أنواع حقيقية من الاكتئاب تحدث لنا ولكن للأسف الكثير منا لا يستطيعون وصف حالتهم فى هذا التوقيت على أنها اكتئاب .

روبوتات تحضر القهوة وكلاب عسكرية ذكية.. تقنيات خطفت الأنظار في تايوان
دراسة: 35 مليون إصابة بالسرطان سنويا و100 مليون وظيفة شاغرة بحلول 2050
بآلاف الأصداف البحرية.. أمريكية تحول سيارتها إلى عمل إبداعي خطف أنظار الملايين







