وحى القلم

ولدوا أمواتًا

صالح الصالحى
صالح الصالحى


منذ بداية حرب الإبادة التى يمارسها الاحتلال الإسرائيلى على قطاع غزة فى أكتوبر الماضى، لا يمر يوم دون أن ترتكب إسرائيل المذابح والمجازر الجماعية فى حق المدنيين العزل.. لا تفرق بين عجوز وشاب وسيدة ورجل وكهل وطفل.. ترتكب المجازر الجماعية ليل نهار تحت مرأى ومسمع العالم كله.. تستهدف المدارس والمنازل والمصلين والمستشفيات. تقتل وتغتصب دون رحمة أو إنسانية.

وأصبح المشهد اليومى المتكرر فى غزة دمارًا شاملًا للحياة، وجثثًا محترقة وأشلاءً متناثرة فى كل مكان وركام وحطام، وأحياء مرضى محرومين من العلاج، ومستشفيات بلا دواء.. وآخرين جوعًا وعطشًا.

ووسط كل هذا نجد قصصًا تتوقف عندها طويلًا.. تتأمل وتتبصر فيها.. تصيبك بالحزن والألم والحسرة.. قصص تحرك المشاعر الإنسانية فى عالم فقد الإنسانية، وتصيب القلوب بالاكتئاب، فى عالم تحجرت فيه القلوب.. قصص تحرك الضمائر فى عالم ماتت فيه الضمائر.. ورغم كل ذلك تجد إسرائيل من يساندها ويقف معها ويدعمها وبالمال والسلاح، والتصفيق لما ترتكبه.. ولم لا فهناك بشر يعشقون الدم ويتنفسون هواء يحمل رائحة الموت ويستمتعون بمنظر الجثث والأشلاء..

من بين هذه القصص المروعة، قصة الشاب محمد أبو القمصان الذى ذهب فرحًا سعيدًا لاستخراج شهادتى ميلاد لطفليه «التوءم»، «آسر وأيسل»، البالغين من العمر ٤ أيام.. وفور أن تسلم الشهادتين رن جرس التليفون. ليخبره أحد جيرانه أن زوجته وطفليه نقلوا إلى المستشفى، عقب استهداف منزله من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلى.. لم يتمالك نفسه حمل الشهادتين وتوجه مسرعًا إلى المستشفى وهناك أبلغه أحد المسئولين بخبر وفاة زوجته وطفليه.. ارتجف، توقف نفسه، تجمدت عيناه، ارتعشت يداه، وسقطت الشهادتان على الأرض..

لم يستوعب الصدمة سقط على الأرض مغشيًا عليه من هول الفاجعة.. وبعد لحظات ومحاولات المحيطين استفاق.. صرخ فى وجه المسئولين بالمستشفى دعونى آراهم..

زوجتى لم تفرح بهما والطفلان مالحقوش يطلوا على الدنيا.. ثم حمل شهادتى الميلاد من الأرض ولسان حاله يقول لم أفرح بهما، والآن سوف استخرج لهما شهادتى وفاة.. هذه الحالة ليست الوحيدة لأطفال يستشهدون عقب ولادتهم بقطاع غزة.. فهناك ما يقرب من ١١٥ رضيعًا قتلوا فور ولادتهم منذ اندلاع العدوان على غزة!!.. متى يستفيق ضمير الإنسان، وتتحرك المشاعر الإنسانية لإنقاذ ما تبقى من غزة؟!