رسالة الصين: محمد المتيَّم
لا كما يشهَر بلطجى (سِنْجَتَهُ) فى وجهك –لا سمح الله!- بل بِرِقَّة شاب صينى يدرس الأدب العربى ويُتقن العربية إلا قليلًا، واصطفى لنفسه اسمًا عربيًا كريمًا، يشْهَر مُرافِقى الشاب الصينى جواد -لنا وقفةٌ مع اسمه- كاميرا هاتفه، ونحن على سور الصين العظيم، ويدعونى لالتقاط صورة لى مع لوحٍ حجرى نُقِشَت عليه –كما أخبرنى- كلمات الزعيم الصينى الأشهر ماو تسى تونج «إذا لم تصعد سور الصين العظيم، فأنت لستَ رجلًا حقيقيًا بعد!».
أسأل نفسى: إننا نقف إزاء إحدى عجائب الدنيا السبع، نقف على تاريخ عظيم، وشاهد على حضارة عريقة، وما يجب أن يُخَطَّ على الألواح الحجرية فى مكان كهذا هو كلام الشعراء أو المفكرين والفلاسفة، لا الزعماء، الزعماء يُشيّدون الدول والممالِك، نعم. لكن الشعراء والفلاسفة هم من ينفخون فيها الروح.
لقد توقَّعتُ أن أجد على هذا اللوح عبارةً لفيلسوف أو شاعر صينى قديم تقول مثلًا: «هذا السور عظيم، لكن إرادة العامل الصينى أعظم»، أن أجد أى معنى من هذا القبيل يرفع اليد البشرية فوق صَنْعَتِها، أى معنى يرفع النَّحَّات على أعناق التماثيل...! ولمّا لم أجد؛ تساءلتُ فى سرِّى: لماذا ينفون بصمة الشعر عن جسد الحضارة، رغم أنه فى حقيقة الأمر أقرب ما يكون لاستغفار الحضارة عن آثامها؟!
على أية حال، ثمة كاميرا مسلولة على وجْهِك، وثمة كلمات لزعيم راحل أنت ضيفٌ على بلاده، وثمة شاب مُوَلَّهٌ بزعيمِه –يجب احترام هذا- مثلما أنا مُولَّهٌ بزعيمى الذى تمرُّ اليوم –كانت صبيحة 23 يوليو 2024- الذكرى الثانية والسبعين لثورته المباركة. كانت الضيافة تقتضى اللياقة، ولا ينبغى لجَواد أن يشعر بالريبة تجاهى، وعلى هذا قررتُ أن أفتح أنا بدورى هاتفى لأريَهُ صورة لى التقطتُها مع أحد تماثيل ماو التى تحتشد بها كل بؤرة ندخلها فى الصين.
قبل أن أسمح له بتصويرى مع عبارة ماو كما طلب، سارَع جواد بمناداة قائدة الوفد وبقية زملائه الصينيين، لقد أسعدتهم الصورة فى هاتفى جدًا. إن سعادة جواد ورفاقه بأننى سَبَقَ والتقطتُ صورةً مع أحد تماثيل ماو دون دعوة من أحد، مرَّرَتْ إلى شعورهم بالنجاح فى مهمة فوق شعرية، ولطالما شعرتُ من الفتيان والصبايا الصينيين المرافقين أنهم فى مهمة بالفعل فوق شعرية، مهمة أكثر أهميةً بالنسبة إليهم من التطوع كمترجمين فى مهرجان شعرى، مهمة ربما يعتبرونها «وطنية» بالدرجة الأولى.
شعرتُ أن خلاصة تفاعلاتهم معنا تصبُّ فى معنى «انتبِه.. أنت فى الصين، لا بد أن تمضى من هنا محمَّلًا بأكبر قدر من الذكريات الطيبة والانطباعات الإيجابية والصور المشرقة، لا بد أن تعود وتقول: رأيت فى الصين كذا...، وعرفت فى الصين كذا...، وتعلمت من الصين كذا...».
وفى الحقيقة كانوا يتكئون على حضارة عريقة، ولغة ضاربة الجذور، ونَفَسٍ روحانى عتيق، كل هذا كان يُسهِّل من مهمتهم، وفوق كل هذا يقفون على حاضر شديد الجدية والحماسة والدأب، فعلى مدار أسبوع كان البرنامج مكتظًا بفاعليات متتابعة، لا أتذكر أن إحداها تأخرت عن موعدها دقيقتين. لا أتذكر أن الحافلة وصلت بعد موعدها –مثلًا- بدقيقتين. والأهم، لا أتذكَّر أن فاعليةً امتدَّت بعد موعدها المقرر ولو لدقائق، فثقافة الوقت المفتوح لا محل لها فى القاموس الصينى!
توزَّع برنامج المهرجان إلى فترتين، الأيام الثلاثة الأولى فى مقاطعة هانغتشو، وبقية الأيام قضيناها فى بكين. فى هانغتشو كنت أصحو فى الخامسة صباحًا لأملأ عينى -قبل شروق الشمس- من خضرة الغابات التى تكتنف الفندق الذى كنا نقيم فيه -ما أشدَّ احتياج الشاعر للشجرة!- لأُفاجأ فى بهو الفندق بالفريق الصينى المرافق يُعِدون العدة لبرنامج اليوم، ثم يتوجَّهون لتناول فطورهم فى السادسة، ثم يهمّون لإيقاظ الضيوف فى السابعة، ليتناولوا -بدورهم- الفطور قبل تحرك الحافلات فى الثامنة بالضبط. إن الشخصية الصينية تتمتع بالانضباط الشديد، إلى الحدّ المُفضى لإزعاج الفوضوية الكامنة فى الشاعر العربىّ!
هل قلتُ إنَّ مرافقى الصينى اسمه جواد؟ لم يكن جواد وحده الذى اصطفى لنفسه اسمًا عربيًا، بل كانت هناك فاطمة ومنيرة وليلى وغيرهم...! عندما سألتهم؛ قالوا إنهم عند التحاقهم بقسم اللغة العربية، كان على كل منهم أن ينتقى لنفسه اسمًا عربيًا يُدعى به.
إنَّ جدِّية الدراسة تفرض عليهم حالة من التلبُّس التام بروح اللغة التى يدرسونها، ولكيلا تنفصل نفسيًا عنها فلا شىء يربطك بها قدر أن تحمل اسمًا من هذه اللغة، فمن اليوم أنت لست مجرد مُتقِن للغة ثانية، بل أنت سفير الصين فى اللغة الثانية، أنت يد الصين المُدرَّبة على الغوص فى الهويّات الأخرى.
أشرد ببصرى قليلًا من نافذة الحافلة، وأتصوَّر أن يُطلب من الطلاب فى أحد أقسام اللغات الأجنبية عندنا أن يحملوا أسماء من اللغة قيد الدراسة، سيصرخ الصارخ لا شك بضياع الهوية!
الحق أقول: قلَّما شاهدت شعبًا يعتز بهويَّته وحضارته كالصينيين، ومع هذا فالاعتزاز بالمعرفة محرِّض أكبر على التنازل عن الاسم الحقيقى، لصالح الاسم الحركى، لعدة ساعات داخل قاعة الدرس. فى الحقيقة لم أستطع رؤيتهم إلا كمتبرِّعين بأسمائهم –طواعيةً- لصالح بنك المعرفة الصينىّ!
لم تكن رحلة الصين فقط لحضور فعاليات مهرجان الشعر العالمى، بل واكَبَهُ أيضًا المنتدى الأكاديمى حول الابتكار فى الشعر، وكلاهما -ضمن البرنامج- انعقدا تحت رعاية اتحاد الكتّاب الصينيين، بمشاركة قرابة خمسة وسبعين شاعرًا وباحثًا من دول مجموعة «بريكس» الاقتصادية.
إن هذا يردُّنى بالطبع لدور الفاعلية الأدبية المتجاوِز للسياق الشعرى، فأنت بصدد ظهير ثقافى تعتدُّ الدولة بوجوده لإسناد حضورها السياسى على الساحة الدولية، ومن هنا تأتى مسألة العناية بكون الضيوف -بصورةٍ ما- سفراء كلِمَة ينقلون مشاهداتهم فى الصين، وهى المشاهدات التى تستحق أن تُروى، فليست الحضارة الصينية بحضارة لقيطة أو وليدة الأمس، والمُعوَّل على صدق الرواية على كل حال.
فى الشرود الثانى أسأل نفسي: ماذا نفعل نحن فى مهرجاناتنا؟ وكيف نُفعِّل من خلالها دورنا الريادى كأُمَّة؟ وهل نجتهد فى إعادة البريق لإرث حضارى يوشِك أن ينعق فوقَهُ البُوم؟!
أذكر أننى قبل أعوام التقيتُ شاعرًا عربيًا على هامش ملتقى الشعر العربى بالقاهرة، فسألنى: إننى منذ قرابة 14 عامًا أُدعى لهذا المهرجان، وفى كل دورة أجد وجوه الشعراء المصريين المشاركين نفسها، ألا يوجد فى مصر شعراء جدد؟!
قلتُ له: «إنها وكالتُنا التى بلا بوّاب»، واكتفيتُ بابتسامة أظن أن مُحدِّثى فهِمَ مغزاها الظاهر. لكن المغزى الباطن -الذى أسأل الله ألا يكون قد فهِمَه- هو من الذى دعاك أنت نفسك أربع أو خمس مرات متتالية؟! إنه الشخص نفسه الذى يقبع فى المجلس/اللجنة/الهيئة (الفلانية)، ويدعو نفسَهُ بنفسِهِ منذ خلق الله الشعر وألقى الشعراء يهيمون فى الأودية والقاعات!
السؤال الذى رافقنى على طائرة العودة، هل سيأتى يومٌ يكون لدينا فيه مهرجان شعرى، يُعَدُّ برنامجه بوعى ونزاهة وروح وطنية ليعكس الإرث الحضارى والتاريخى لمصر؟! فى مهرجان الشعر العالمى كنا بصدد فعالية شعرية واحدة فى اليوم، وبقية اليوم نتردد على مزارات ومقاهٍ تاريخية ومتاحف وأماكن عدة تستطيع أن تستشِف منها روح البلد، حتى لو تطلَّب هذا منهم أن يقطعوا بنا مسافة 1700 كم بالقطار من هونغاتشو لبكين فى سبيل أن تعرف الصين كما يجب أن تُعرَف!
الجدير بالذكر بصدد مهرجان الشعر الدولى الأول أن عشر دول حضرت شعريًا، هى: مصر، إثيوبيا، الإمارات، السعودية، إيران، البرازيل، روسيا، الهند، جنوب إفريقيا، وبالطبع جمهورية الصين الشعبية.
ومثَّل المجموعة المصرية الشعراء: أحمد يمانى ونجاة على وشريف الشافعى وحسن عامر وأحمد زكريا وآلاء فودة ومحمد المتيم. بينما شملت المجموعة الإماراتية: شيخة المطيرى وحسن النجار وأمل السهلاوى وفاطمة بدر. ومثَّل المجموعة السعودية: سلطان الضيط وحاتم الشهرى وهدى المبارك وروان طلال.
وعنايةً من مُنَظِّمى المهرجان باستكشاف انطباعات الشعراء عن زيارتهم للصين، كان على كل وفدٍ أن يُنيبَ شاعرًا لإلقاء كلمة فى حفل ختام المهرجان، وقد شرفتُ بإلقاء كلمة موجزة نيابةً عن الوفد المصرى، تحت عنوان: «الشعر.. استغفار الحضارة عن آثامها»، جاء فيها:
«... ستة أيام بالطبع ليست كافية للإلمام بجوانب الحضارة الصينية كافة، لكنها كانت كافية جدًا ليقترب الإنسان من الإنسان، عبر جسر من الشعر. إن عيوننا مَدينة بالامتنان للأيام الأولى التى قضيناها فى مقاطعة هونغاتشو، لقد أعادت الاعتبار لولائنا الروحى القديم والأصيل للطبيعة.. للشجر.. للأنهار.
أمس تذكرت عبارة الشاعر الصينى رين هانغتشو واسعة الانتشار بالعربية، والتى تقول:
«الطيور تعيش فى المدينة، فلماذا يُصِرُّ الإنسان
على عدم العيش فى الغابة؟!».
أعترف أننى وأصدقائى نمضى من هنا وقد عقدنا هدنةً فى قلوبنا بين الغابة والصحراء.
إننا، قبل كل شىء، مدينون بالشكر للشعر، الذى برهن مهرجان الشعر الدولى على أنه يمكن أن يكون نقطة التقاء مضيئة بين شعوب وثقافات ودول متناحرة حينًا ومتلاقحة أحيانًا، وليس أدل على هذا من طاولة واحدة تجمع السعودى والإيرانى والمصرى والإثيوبى على العشاء ذاته.
سنرجع إلى مصر ممتلئين تقديرًا لمنظِّمى هذه الفعالية، وقد غمرتنا ألفةٌ ما طوال مدة إقامتنا، ربما يكون هذا بسببٍ من الميراث الحضارى المشترك بين مصر والصين.».
محطات فى تاريخ الإذاعة المصرية
صدر له مؤخرًا «بدايات المسرح فى صعيد مصر»
برشلونة تفتتح أول مكتبة فى العالم مخصصة لفلسطين








