جلس أحمد على مقعد أسفل شجرة كبيرة في حديقة مدرسته، أزعجه صوت الغراب، فزعق بصوت عال :
أيها الغراب..اغرب عن وجهي، إنني أذاكر؛ فلدي غدا اختبار الشهر، وصوت نعيقك يزعجني؛ فهو مصدر للشؤم .
حزن الغراب، ونزل من على الشجرة، وجلس بجوار أحمد على المقعد، وقال له:
كيف أزعجتك؟ هذا صوتي واسمه نعيق، ولا ذنب لي في ذلك، لقد خلقني الله سبحانه وتعالى كما خلق الكروان، لكنه منح الكروان صوتا جميلا يسعد الناس عند سماعه.
اقرأ أيضا| «السابع عشر من مارس».. قصة قصيرة للكاتبة منال رضوان
أحمد:
حتى لون ريشك الأسود مُقْبِض، وتقول أمي عنك أنك فأل شؤم، وأن اليوم الذي تسمع فيه صوتك، يكون مليئا بالمصائب أو بالمشاكل على أقل تقدير. فمشاكلها مع والدي سببها أنت، ومشاكلها في العمل مشاكلها أنت.
الغراب:
وما ذنبي أنا فيما يحدث لها؟!!!
نظر أحمد إلى الغراب ولم يجد إجابة لسؤاله.
الغراب:
لا تحكم على شيء دون أن تكون على خبرة به، سواء جيدة أم سيئة؛ حتى تكون عقلانيا.
هز أحمد رأسه بالإيجاب، ويبدو أن كلام الغراب راق له.
الغراب: هل تعرف شيئا عن مملكتنا؟
أحمد:أي مملكة؟
الغراب:مملكة الغربان
أحمد :لا ..لا أعرف أي شيء عنها البتة
الغراب:هل تسمح لي بأن أتحدث معك عن مملكتنا؟
أحمد: بكل سرور يا عزيزي
الغراب: بداية، هل تعلم أن الله عز وجل سرد قصتي في القرآن الكريم ؟
أحمد: حقيقي؟
الغراب: نعم، وردت حكايتي في سورة المائدة يقول الله عز وجل: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27). سأشرحها لك ببساطة: كان هناك أخوين، قابيل وهابيل، وهما ابني سيدنا آدم، قدَّم كل منهما صدقة ليتقربا بها إلى الله سبحانه وتعالى، فتقبل الله صدقة هابيل؛ لصدقه وإخلاصه، ولم يتقبل صدقة قابيل؛ لسوء نيته، وعدم تقواه، فقال قابيل - على سبيل الحسد- لأخيه هابيل: (لأقتلنك) بسبب قبول صدقتك، ورفض قبول صدقتي، فكان رد هابيل على أخيه: (إنما يتقبل الله من المتقين).
فزع أحمد وأحدق بعينيه وقال:
يقتل أخاه؟!!! تقصد أن ينهي حياة أخيه؟ ولا يراه مرة أخرى؟
الغراب: نعم
أحمد: كيف؟!!! أنا أحب أخي الصغير جدا وأدافع عنه إن ضربه أحد، وأتقاسم معه الحلوى.
الغراب: أنت ولد طيب وجميل
أحمد: أشكرك، أكمل، ماذا حدث بعد ذلك
الغراب: كان ردُّ هابيل على أخيه قابيل ردًّا فيه نصح وإرشاد؛ حيث بيَّن له الوسيلة التي تجعل صدقته مقبولة عند الله، ألا وهي التقوى، وصيانة النفس عن كل ما لا يرضاه الله سبحانه.
ثم انتقل هابيل إلى تذكيره بما تتطلبه الأخوة من تسامح، فقال لأخيه: (لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين)، أي أنه إن اعتدى عليه بالقتل ظلماً وحسداً، فإنه لن يقابله بالفعل نفسه؛ خوفاً من الله، وكراهية أن يراه سبحانه قاتلاً لأخيه؛ إذ القتل جريمة نكراء شنعاء، ولا سيما إذا كانت من أخ لأخيه!
أحمد: ياله من أخ ناصح وطيب!!! ثم ماذا؟ أكمل
الغراب: ثم أخذ هابيل يحذره من سوء المصير إن هو أقبل على تنفيذ فعلته السوداء (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين) . إلا أن قابيل لم يستمع لنصائح أخيه، وضرب بها عرْض الحائط، وانساق وراء وسوسة الشيطان، وزينت له نفسه الإقدام على تلك الفعلة الشنعاء، فقتل أخاه حسداً وظلماً، فخسر دنياه؛ لأنه قتل أخاه أقرب الناس إليه رحمًا، والأخ سند لأخيه وعون له، وخسر أخراه؛ لأنه ارتكب جريمة من أبشع الجرائم وأفظعها.
أحمد: وما هو دورك في هذه القصة؟ لم تذكر لي حتى الآن.
الغراب: تمهل قليلا، سأقص عليك حالا.
لم يكتف قابيل القاتل بفعل تلك الجريمة البشعة، بل ترك أخاه ملقى في العراء، معرضاً للحشرات والحيوانات المتوحشة، مما يدل على قساوة قلبه، وفظاعة فعله، إلا أن الله سبحانه لا ينسى عباده الصالحين، فهو يرعاهم بعنايته ورعايته، فقد بعثني كي أحفر في الأرض حفرة لأدفن غراباً آخر ؛ كي يراني فيقلدني، فلما رأى قابيل ذلك المشهد، تحركت فيه عواطف الإنسانية، وأخذ يلوم نفسه على ما فعل، وعاتب نفسه كيف يكون هذا الغراب، وهو من أخس أنواع الطيور، (يقصدني) أهدى منه سبيلاً؟، فعضَّ أصابع الندامة، وندم ندماً شديداً.
اختنقت عينا أحمد بالدموع، لمِا صدر من سلوك سيء من قابيل تجاه أخيه هابيل، مد يده ومسحها، ثم نظر إلى الغراب معتذرا، وقال: سامحني ياعزيزي فقد أسأت الظن بك، فهل أطمع أن تُعَرِّفُني على مملكتك عن كَثَبْ؟
الغراب: وأنا قبلت اعتذارك يا عزيزي، سأحكي لك عن مملكتي.
على الرغم من ابتعاد معظم البشر عن الغراب واعتبار صوته نذير شؤم، إلّا أنه يُعد من أذكى الطيور؛ حيث يملك الغراب أكبر حجم دماغ نسبة إلى حجم جسمه مقارنةً بالطيور جميعها. ومن أهم ما يميز مملكة الغربان، هو المحاكم المعروفة بمحاكم الغربان، والتي تُعَدُّ من أكثر محاكم الأرض عدلاً، إذ أن أحكامها واجبة النفاذ.
وتقوم مجموعة الغربان في تلك المحاكم بمحاكمة الغراب الخارج عن قوانين العدالة الفطرية التي خُلق هذا الطائر عليها، حيث إنّ لكل جريمة يقوم بها أحد الغربان عقوبة خاصة تنفذ فور اتخاذ القرار من قبل الجماعة.
انبهر أحمد مما سمع من الغراب وظهرت عليه علامات الدهشة، وقال سبحان الله العظيم، أكمل يا عزيزي.
استطرد الغراب قائلا: أما عن جريمة اغتصاب طعام الفراخ الصغار، فيعاقب مغتصب طعام الفراخ بنتف ريشه كاملاً ليصبح عاجزاً عن الطيران، كما الفراخ الصغيرة التي لم يكتمل نموّها بعد.
وأما بخصوص جريمة هدم العشّ، فتُلزم محكمة الغربان هادم العشّ بأن يبني عشّاً بديلاً لصاحب العشّ المهدوم.
وتجتمع هيئة المحكمة في بقعة واسعة من الحقول، يؤتى بالغراب المتهم تحت حراسة مشددة، وتبدأ محاكمته فينكس رأسه كما هي الحال في محاكم بني آدم ومن ثمة يخفض جناحيه مستكينا، ويكف عن النعيق اعترافا بذنبه. فإذا صدر حكم هيئة المحكمة عليه بالإعدام، يتم تطبيق الحكم على الفور، عندئذ تنتفض الجماعة بأسرها على المذنب وتوسعه ضربا مبرحا بمناقيرها الحادة حتى الموت وبعدئذ يتم حمله من قبل أقوياء الغربان ليدفن في قبر أو حفرة بحجم جسده فيوضع داخلها القتيل ومن ثمة تهيل الجماعة عليه التراب احتراما لحرمة الموت.
أحمد: محاكمة عادلة، أكمل
الغراب: إن مملكة الغربان مملكة لها قوانينها الدقيقة ومنها الرادعة، ومن الأشياء الطريفة أن لكل زوج (ذكر وأنثى) من الغربان منطقة مختصة به (كالمملكة) يحكمان فيها سويا حتى الممات كما يبقيان على العهد طيلة العمر بعد الاقتران.
أحمد: سعدت كثيرا بالمعلومات التي قدمتها لي صديقي الغراب، أشكرك، وسأبحث عن معلومات إضافية عن مملكتكم وأصنع منها فيديو أنشره على صفحتي على الفيسبوك ليفيد منها باقي الزملاء، وأعرفهم بك ياصديقي العزيز.

«ضيفة غامضة» قصة قصيرة للكاتبة مارا أحمد
«إقرار» قصة قصيرة للكاتب محمد عاطف الجندي
«ورد الجلنار» قصيدة للشاعر عاطف الجندي







