تل أبيب ترتبك.. والمستوطنون يفقدون الثقة

أحد المخابئ المجهزة لإقامة الإسرائيليين فى حالة الهجوم العسكرى
أحد المخابئ المجهزة لإقامة الإسرائيليين فى حالة الهجوم العسكرى


لامس رعب الإسرائيليين حد السماء، وانطوت التقديرات على «خراب هيكل ثالث» حال رد إيرانى أو آخر ينطلق من الجنوب اللبنانى على اغتيال الموساد للقيادى الحمساوى إسماعيل هنية، أو رئيس أركان «حزب الله» فؤاد شكر، ولا تكل الدوائر المعنية فى تل أبيب بحثًا عن خروج من نفق مظلم، وصلت تحسباته إلى لجوء إيران لسلاح «يوم القيامة».

وعلى خلفية الإرهاصات الإسرائيلية، بالغ وزير المالية بيتسلئيل سيموتريتش فى تقديرات موقفه، مشيرًا خلال اجتماع تحت عنوان «المؤتمر النووى الثانى لصمود المجتمع الإسرائيلى» إلى سعى إيران لتفعيل مظلة دفاعية نووية تمنحها مساحة من الحصانة، تهدد برنامج الإبادة الإسرائيلى التقليدى، وهو ما يحفز حكومة طهران على قصف إسرائيل بمزيج من الضربات الضخمة، وربما يصل الأمر إلى احتلالها أو أجزاء منها. وبينما لا يتجاهل الوزير المتطرف امتلاك إسرائيل لعشرات الرؤوس النووية، ووصفها بـ«جزء من الصمود الوطنى»، أبدى انزعاجًا من وصول المواجهة الوشيكة إلى هذا المستوى، مؤكدًا اطلاعه على تقديرات سريَّة تصف حجم الدمار الذى ينتظر إسرائيل حال إقدام إيران أو وكلائها على الخطوة.

اقرأ أيضًَا | صواريخ ألمانيا.. أزمة جديدة بين روسيا والغرب

وفيما تتضارب التقديرات حول الجهة التى تشتعل منها شرارة الحرب المتوقعة، أكدت دراسة نشرها «معهد دراسات الأمن القومى» الإسرائيلى أن ارتباك الواقع الأمنى لدى الدولة العبرية يأتى نتيجة تعدد الجبهات الإيرانية المرشحة لفتح نيران البداية، فإذا تمكن الرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان من إقناع المرشد العام على خامنئى بتفادى الرد على إسرائيل من الأراضى الإيرانية، فالجبهات الإقليمية المرشحة لن تتردد فى إطلاق نيران البداية، وفى هذه الحالة تشير البوصلة العسكرية إلى «حزب الله» مدعومًا بميليشيات شيعية موالية لإيران فى العراق وسوريا، فضلًا عن الحوثيين فى اليمن.

وتنضم تقديرات استخباراتية ألمانية إلى تلك المؤشرات، مؤكدة عزم «حزب الله» على الرد بطريقة «غير مسبوقة» حال تلقيه «ضوءا أخضر» من إيران، وربما يدعم ذلك شهادة نائب مدير الاستخبارات الخارجية الألمانية أولى ديار، الذى تواصل خلال الساعات الأخيرة مع كبار مسئولى «حزب الله» لتخفيف حدة التوترات، وتلقيه ردودًا من رجال نصر الله، تؤكد أن الحل الوحيد لامتصاص حالة الغليان هو وقف الحرب الدائرة فى قطاع غزة.

ولا يكترث المستوطنون وجبهة إسرائيل الداخلية بـ«رسائل التطمين» التى تروج لها المؤسسات العسكرية الإسرائيلية من وقت لآخر، فتأهيل المستشفيات والمخابئ وإعلان حالة الاستنفار العام، تشى بإقبال إسرائيل على «جهنم مستعرة»، حسب تعبير موقع «سيحا مكوميت» المحسوب على تيار اليسار الإسرائيلي، وينقل الموقع عن مستوطنين فى الشمال نزحوا خلال الآونة الأخيرة إلى وسط وجنوب إسرائيل: «حكومة نتنياهو تقدمنا قرابين لعملية عسكرية غير مسبوقة أمام إيران و«حزب الله». لا نجد مكانًا يحمينا من الرعب، بعضنا هرب إلى إيلات، فاكتشف تهديدات الحوثيين التى وصلت إلى العمق الإسرائيلى وتحديدًا فى تل أبيب».

وتشمل تطمينات المستوى العسكرى الإسرائيلى البائسة استعراضًا لإمكانيات تكنولوجية فى مجال المسيَّرات، مشيرة إلى امتلاك إسرائيل طائرات بدون طيار من طراز «هيرون»، قادرة على الطيران لأكثر من 30 ساعة، وهو ما يكفى لشن عمليات عسكرية عن بعد، بالإضافة إلى صواريخ كروز موجهة جو - أرض، وأرض - أرض من طراز «دليلة»، يقدر مداها بـ250 كيلومترًا.

لكن استعراض الإمكانات العسكرية لا يحظى برضا الشارع الإسرائيلى، الذى يرى فى تحقيق موسع لصحيفة «هاآرتس» أن حكومة نتنياهو ورطت إسرائيل فى أكثر من جبهة إقليمية، وفتحت على المستوطنين فى الشمال والجنوب والوسط «ألسنة لهب الإبادة»، ما حدا بقاعدة عريضة للتفكير فى هجرة بلا رجعة من إسرائيل، فلم تعد إسرائيل بالنسبة لموجات الهجرة اليهودية التراثية «أرض الخلاص»، وإنما عكست كل معانى «الخراب والدمار»، ولن يفلح «مقلاع داوود»، ولا حتى «القبة الحديدية» فى تسكين ذعر المستوطنين.

وربما يضاهى ذعر المستوطنين حالة الهلع التى خيمت على مؤسسات الخدمات العامة، لا سيما المستشفيات وشبكات الكهرباء وغيرها، فرغم تراجع إسرائيل حتى الآن عن إصدار تعليمات محددة إزاء حرب شاملة ضد إيران أو «حزب الله»، يؤشر مستوى التأهب إلى انتظار «كارثة هائلة»، إذ اعتمدت وزارة الصحة الإسرائيلية سيناريو: انفصال كامل مستشفيات إسرائيل خاصة الشمال عن شبكة الكهرباء، وأطلقت على السيناريو «الجزر المنعزلة»،أما مدير مركز الجليل الطبى، فرفض قبول أية إجازات بقوله: «ننتظر وقوع كارثة دون سابق إنذار».

من جانبه، اعترف شاؤول جولدشتاين الرئيس التنفيذى لشركة إدارة شبكة الكهرباء الإسرائيلية Nega بأنه لا يستطيع ضمان توفير الكهرباء خلال حرب مستقبلية، وقال فى سياق محاضرة بمؤتمر «معهد دراسات الأمن القومى» إن إسرائيل تعيش الخيال، إذ يستطيع حسن نصر الله عبر اتصال هاتفى بأحد مهندسيه إصابة شبكة الكهرباء الإسرائيلية بالشلل التام، وأضاف: «كل شيء أصبح متاحًا عبر شبكة الإنترنت وعالم السايبر». ولم يجد مدير شركة الكهرباء الإسرائيلية مئير شبيجلر ردًا على اعترافات جولدشتاين إلا بـ«التحذير من إرباك الجبهة الداخلية أكثر من ذلك»، لكن الأخير رد عليه بقوله: «تنعدم الحياة فى إسرائيل تمامًا إذا انقطعت الكهرباء لمدة 72 ساعة فقط».