خمسينة

الأفيش أحلى من الفيلم

عبد الصبور بدر
عبد الصبور بدر


مثل أى طفل فقير أحببت السينما، وكأى طفل فقير كان دخول السينما يحتاج إلى مبلغ من المال لا يتوفر أبدا، كانت سينما «آمون» بالأقصر تعرض ثلاثة أفلام بجنيه ونصف، أدخرهم على مدار شهرين أو ثلاثة، من مصروفى، والنقود التى يضعها أقرباؤنا فى يدى حين يزورونا فى البيت، حتى أتمكن فى النهاية من «تحويش» ثمن التذكرة والدخول إلى صالة العرض، ولكن مشاهدة الأفيش على واجهة السينما كانت مجانا.

طفل فقير لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره يقف بمفرده أمام شاشة الأفيش بالساعات يتخيل القصة، والسيناريو، بينما الرسومات على الأفيش تتحرك، والفيلم يبدأ، والطفل منفعل مع الأحداث، والأبطال، فى عرض حصرى لا يوجد إلا فى دماغه. 

تعلقت بالأفيشات أكثر مما تعلقت بالأفلام، وعندما كنت أشاهد الفيلم، وأعقد مقارنة بينه وبين الأفيش، كان الأفيش ينتصر دائمًا.. الأفيش أحلى من الفيلم.. الأفيش فيلم لا يحتاج إلى فيلم، وقصة ليست فى حاجة إلى كاتب، وقصيدة بدون شاعر، وأغنية تبحث عن مطرب، الأفيش عالم غنى وكريم يمنح طفلًا فقيرًا كل ما يريده بدون مقابل.

لكن أفيشات هذه الأيام لم تعد كذلك، أفيشات فقيرة، لا تمنح، وفى حاجة إلى الرثاء، تتملق البطل، وتعطى ظهرها للجمهور، وغير قادرة على إقناع طفل بالوقوف أمامها، أفيشات خرساء لا تحكى ولا تغنى، قعيدة لا تتحرك، خالية من الإبداع، وبلا معنى «إلا ما رحم ربى».