كل صباح يجتاز آلاف الأمتار بقدميه الكليلتين... هناك يمكث؛ قريبًا من السور الخرسانى الشاهق... يحصى بسبابته أبراج الحراسة المبثوثة على متنه... يرنو إلى أسلاكه الشائكة الملتفة كثعابين سحرة فرعون... يستعر الغضب فى صدره... تختنق فى عينيه دمعات عصية... يتفلت من بين جوانحه أنين مكتوم... دون أن يحنى رأسه يلتقط من تحت حذائه حجرًا؛ أكبر حجر يملأ كفه الصغير... بغيظ يقذفه ناحية السور... يهوى الحجر قريبًا منه؛ على بُعد أمتار... فتجفل رؤوسهم المطلة بخوذها، فترتطم يُمْنة ويُسْرة بفتحات برج الحراسة... بعد أن يلتقطوا أنفاسهم وتسكن رجفة بقلوبهم... ينظر بعضهم إلى بعض ويضحكون... بترقب يخرجون أيديهم من البرج، ويقذفونه بقشر الموز وقنينات الفودكا الفارغة... يتراجع خطوات... بتحدٍ يحدق فى أعينهم، ثم يعصفهم بوابل آخر من الحجارة... تتعالى ضحكاتهم مختلطة بكلامهم
- ههههههه... جوييم... جوييم...........
بعد كل إياب يؤكدون لبعضهم أنها مرة (كنعان) الأخيرة... حتما سييأس فيكُف عن عبثه اليومى.......
-2-
سبع سنوات منذ أن غيبوا أمه... شاهدهم يجرجرونها... رأى فزعها... عويلها ما زال يئز فى أذنيه. قبلها بسبع أخريات اختطفوا أباه؛ نفس الوجوه البائسة بذات الملابس الباذخة والمركبات الباطشة. لكنه لا يعى ملامحه... صوته... ضحكه. يسأل جدته
من يشبهه؟
تنتزع العجوز ابتسامة من زمانها الحلو، ثم تنقر صدره بطرف أصبعها نقرات متتالية.
ومَنْ غيرك يا روح الأسرى؟!
-3-
كلما عاد قبالتهم شامخًا بجسده الضئيل ينكفئون على الجدار فيريقون جام غضبهم عليه؛ صفعًا وركلاً... يصرخون... تتناهى إليه أصواتهم فينتشى... لا يريدون تصديق أنه رجع مرة أخرى. عقب كل انصراف يجزمون بعدم عودته؛ نداء داخلى يهتف بهم، يؤكد استحالة إيابه. لكم مقتوا إصراره، وحَجَره الذى يقترب منهم كل يوم عن سابقه... كرهوا قبضة يده التى يلكم بها الهواء بعنف، أصبعيه الاثنين اللذين يرفعهما ويلوح بهما بين الحين والآخر، صياحه عند كل انصراف (غدًا ستطولكم، سأرشقها فى أعينكم وأخرج أبوي).
لكنهم اليوم تنفسوا الصعداء، أخيرًا أشرقت الشمس على خواءٍ لا كنعان فيه، لا حجارته، لا نظراته المفترسة... لا ريب يساورهم بأنهم سينعمون بيوم هادئ، رغم هبات الحرور المنفلتة من ربوع القدس... الأهم لا وجود لكنعان... راحوا يحتفلون؛ أطلقوا موسيقاهم، أخذوا يتمايلون ويهزون رؤوسهم على صخبها. انتبه أحدهم وطفق يلطم وجهه تارة، ويغمض عينيه فيحدق تارة أخرى... أومأ لرفاقه على مدى البصر. كانت عجوز تتوكأ، بالكاد تنقل قدميها، إحدى يديها تتعلق بسجادة مطوية فوق رأسها، وبالأخرى تتدلى حقيبة منتفخة. جعل يقفز بهلع، ويشير لمن يتبعها صارخًا
- هو هو!
كانا يسيران نحوهم؛ باتجاه السور ولفائف السلك الشائك، وهناك حطت العجوز رحالها، وشرع (كنعان) بغرس شتلتى تين وزيتون.
الديوان| يس النحايفة يكتب: سيما أونطة
الديوان| محمد جابر يكتب: حافلة الثانية ظهراً
الديوان| كاتبة إماراتية أسماء الزرعوني تكتب: قتلت ذبابة






