حكايات| «الصيف».. إبداع وكسل واستجمام .. من الأدب إلى الفن التشكيلي والموسيقى

«النساء والبحر» للفنان الإسبانى فيسينتس روميرو ريدوندو
«النساء والبحر» للفنان الإسبانى فيسينتس روميرو ريدوندو


أشهر لوحة حملت اسم «الصيف»، رسمها فنان عصر النهضة المتأخر «جوزيبي أرسيمبولدو» وصوره في هيئة رجل بوجه مكون من ثمار فواكه التفاح والكرز والتين وغيرها، ورأسه حافل بالتوت البري وأوراق الأشجار، أما جسده فمكسو بحلة من أعواد القمح وسنابله الناضجة، وكلها علامات حلول الفصل الساخن حيث تنضج الثمار، ويحين الحصاد.

◄ ألوان الصيف بين حصاد فان جوخ .. وفصول فيفالدي

■ الصيف الأمريكي للفنان جريجوري هاريس

وبعد قرابة أربعة قرون رسم «بيكاسو» لوحته «الناس والصيف»، تضم ثلاث فتيات كسولات، ومسترخيات على الشاطئ. وبين اللوحتين وبعدهما عشرات الأعمال التشكيلية والموسيقية والأدبية التي عكست وجوهًا عديدة للصيف، وتناقضاته.

رسم فان جوخ، الصيف في لوحته «الحصاد الذهبي»، واحتلت فيها الطبيعة البطولة، وتضاءل البشر وسط الحقول الشاسعة. الفنان الذي هرب من الشمال، بحثا عن ألوان أكثر وضوحًا وجد ضالته بمنطقة «آرال» جنوب فرنسا عام 1888. وتحامل على نفسه وعمل بشكل يومي تحت حرارة الشمس حتى أنه أنجز عشر لوحات وخمس اسكتشات في أسبوع واحد. وقام بعدها برسم عشرات اللوحات للطبيعة وتقلباتها اللونية. وهو الهاجس الأساسي للانطباعيين المهووسين بتبدل المنظر الواحد ليس فقط على مستوى الفصول، ولكن حتى على مدار اليوم الواحد. وقد أتى صيفه بين الذهبي والأصفر والبرتقالي والأزرق للسماء.

■ الصيف كما رسمه سيف وانلي

◄ عمل وكسل

تذكرنا اللوحة السابقة بلوحة «الحصاد الصيفي»، لفنان العصر الذهبي الهولندي «بيتر بروجل الأكبر». لكنها تمنح البشر وجودًا متوازنًا فيها، وأبطالها من الفلاحين الذين يعمل بعضهم، ويستريح آخرون متكاسلين، ويتناول غيرهم الطعام. وقد رسمها ضمن مشروع عن فصول السنة كان يفترض أن يتمه في 12 لوحة، لكنه أنجز منه ستًا فقط، إحداها مفقودة. وربط فيها بين كل فصل وحياة الناس وأمزجتهم وأعمالهم خلاله، معتنيا بتصوير البسطاء على عكس معاصريه، وبتشجيع من تاجر اللوحات «نيكولاس غونجلنك» منتصف القرن السادس عشر. وضمن اللوحات الخمس لوحة ثانية تتعلق ببداية الصيف، وتحمل عنوان «جمع القش» وتصور العمال يعملون بنشاط.

حرارة الصيف كانت موضوعا للوحة «أقدم لك الشمس» للفنان الفرنسي المعاصر «إيريك مسارات»، ورسمها عام 2001. وتصور الصيف كشخص مهوش الشعر، ويرتدي الأزرق، ويحتضن الشمس.

■ الناس والصيف لبيكاسو

وتعتبر نموذجًا لألوان الصيف الواضحة والقوية والساخنة. ولكن تلك الألوان قد تنمحي تقريبًا تحت شمس المباشرة للظهيرة، ليحل الأبيض محلها كما في بعض لوحات الفنانة «آني كليسيج».

وفي المناطق المعتدلة يمكن لشمس الأصيل الصيفية أن تتسلل من تحت الأقمشة، وأن تلون الوجوه بلمسات من النور الدافئ، كما في لوحات الأمريكي «جريجوري هاريس». ويتراوح البحر بين الزرقة الصيفية، وبين الأخضر المتداخل مع الرمادي الذي يعكس بعض السحب كما في بعض أعمال الفرنسي «كلود مونيه».

النزهات والاستمتاع بالعطلات هي أحد مظاهر الصيف، والتي احتفي بها الفنان «جورج سورا» في لوحته الشهيرة «نزهة يوم أحد..»، ويظهر فيها الباريسيون عام 1884 بأزياء القرن التاسع عشر المتكلفة، والتي كانت تعكس الطبقات الاجتماعية، وهم يتنزهون على شاطئ السين. ورسمها الفنان بأسلوب التنقيط المتفرع عن الأسلوب التأثيري، الذي اعتمد على نقط الألوان المختلفة التي تخلطها عين المتلقي لتكون اللون المطلوب.

■ جزء من لوحة مشهد من حلم ليلة صيف للفنان إدوارد لاندسير

◄ اقرأ أيضًا | ضبط فتاتين ألقتا «شوربة الطماطم» على لوحة لـ «فان كوخ»

◄ أنغام صيفية

ألهم الصيف بأحواله ومشاعره الموسيقيين أيضا، فكان عنوانا للحركة الثانية ضمن «كونشيرتو» «الفصول الأربعة»، أشهر أعمال الباروكي «أنطونيو فيفالدي»، بين القرنين السابع عشر والثامن عشر. وهو من الأعمال البروجرامية المبكرة التي تعالج فيها الموسيقى المجردة موضوعا سرديا، وتقوم بتمثيله نغميا. وهو مكتوب للكمان والأوركسترا، ويعتمد على تعدد التصويت البولوفوني. ويبدأ ببطء ثم يتسارع، ويبطئ مجددا، لتمثيل النص الشعري الذي تقول كلماته: «تحت شمس الصيف التي لا ترحم، يضعف الإنسان والقطيع، وتحترق شجرة الصنوبر. يبدأ الوقواق في الغناء، وعلى الفور تنضم اليمامة وطائر الحسون. النسائم الناعمة تحرك الهواء لكنها تهدد. والرياح الشمالية تهب فجأة. فيرتعش الراعي خوفا على مصيره من العواصف العنيفة». 

■ صيف روسي للفنان ألكسندر إيفرين

أعمال أخرى عديدة عبرت عن الصيف منها مقطوعة «أستورياس» الإيقاعية من طراز الفلامنكو التي كتبها لآلة البيانو الموسيقار الكتالوني «إسحق ألبينيز»، قبل أن تتحول إلى أحد الأعمال الكلاسيكية لآلة الجيتار. كذلك مقطوعة المكسيكي «أرتو ماركيز» تحت عنوان «كونجا ديل فويجو» وهي رقصة محمومة للصيف تتمتع بحيوية استثنائية.

كذلك «الفالس» الذي كتبته الموسيقية الفنزويلية من القرن التاسع عشر «تيريزا كارينيو» تحت عنوان «مي تريزيتا» وأهدته لابنتها. ومقطوعة «الصيف» التي كتبها الأمريكي «جورج جروشوين» للأوبرا مستوحيا إياها من موسيقى الزنوج في ثلاثينيات القرن العشرين، وحيث سافر للجنوب وانعزل في إحدى الجزر بحثا عن الإلهام. وقد أصبحت من أغاني «الرجي» الناجحة قبل أن تتحول إلى نغمة مفضلة لموسيقى الجاز. وكان مؤلفها الأسطوري قد رحل في أواخر الثلاثينيات من عمره بشكل مفاجئ.

■ فيفالدي صاحب الفصول الأربعة

◄ صيف الأدباء

يتباين صيف الأدباء، فيأتي في أغلب أعمال «جابرييل جارثيا ماركيز» باعثا على الضجر، بحكم طقس أمريكا اللاتينية الحار والرطب. فينام أبطاله متعرقين على أسرتهم المعلقة، في أماكن مفتوحة، بتكاسل وسأم.

وكثيرا ما ينهضون ليرتكبوا حماقات غير مبررة، تبدو وكأنها من صنع الطقس. أما في قصته «صيف السيدة فوربس السعيد»، فيبدو عنوانها وكأنه سخرية، فالقصة تدور في جزيرة صقلية، حيث ترك أحد الكتاب طفليه في رعاية مربية، مارست ضدهما عنفا نفسيا، وأبدت تشددا في وعظهما أخلاقيا، بينما كانت تؤتي في الليل كل الموبقات.

وتحت الضغط يفكر الطفلان في قتلها، ويضعان من جرة النبيذ المسموم الذي وجده أبوهما في البحر، في زجاجتها. وعندما يعودان من الشاطئ إلى المنزل، يجدان سيارة الإسعاف والشرطة فيرتعدا ويقدرا حجم الجريمة التي ارتكباها، لكن يكتشفان أنها ماتت بسبع وعشرين طعنة من مجهول. 

■ لوحة الصيف للفناني جوزيبي أركمبولدو من القرن السادس عشر

◄ صيف نجيب محفوظ «استجمام» وإيزابيل الليندى «سفر»

«نجيب محفوظ» أيضًا لا يبدو محبا للصيف، وفق ما يظهر على لسان أبطاله من كارهي الحر والغبار، في «ثرثرة فوق النيل» و«اللص والكلاب» وغيرها.

وعلى المستوى الشخصي كان يهرب إلى الإسكندرية، ويتوقف غالبا عن الكتابة. الكاتبة «إيزابيل الليندي» هي الأخرى لم تكن تكتب في الصيف، وتخصصه للسفر وحفلات التوقيع، على عكس الكاتبة البريطانية «دوريس ليسنج» التي كانت تفضل الكتابة في الصيف، حيث بعض من الشمس في عاصمة الضباب.

ويبدو الصيف كوقت للمرح إلى حد العبث في مسرحية «حلم ليلة منتصف صيف» لـ«وليام شكسبير»، حيث يتشاجر ملك الجن مع زوجته، فيضع زهرة على عينها وهي نائمة، لتحب أول من تقع عينها عليه.

ويقوم تابعه الجني بوضع رأس حمار لمهرج، تحبه الملكة فور استيقاظها. وتدور الأحداث ضمن مجموعة من الأحلام وقصص الحب غير المتبادلة والعبثية أحيانا. ويبدو الصيف كفضاء للخيالات والرغبات، والتي تجد متنفسها في غابة «أثينا». وهو ما تعبر عنه مقولة البطلة «تيتانيا»: «أنا على استعداد لمشاركة كل متع الصيف معك». كما عبرت في مكان آخر بقولها: «أنا لا أعيش حالة صيفية»، بمعنى أنها ليست سعيدة. فالصيف هنا هو الحب والسعادة والانطلاق والتحرر.

■ لوحة بعد ظهر يوم أحد على جزيرة لا جراند جات للفنان جورج سورات

◄ البنات والصيف من بيكاسو إلى إحسان عبد القدوس

وهو قريب من مفهوم الصيف عند إحسان عبدالقدوس في روايته «البنات والصيف»، وإن كان فضاء الانطلاق والحرية والحب والاكتشاف هو شاطئ البحر هنا. وعلى عكس كل ذلك يأتي الصيف في رواية «الغريب» لـ«ألبير كامي»، والتي تدور أحداثها في الجزائر، وفيها يقوم «ميرسو» الشاب الهامشي غريب الأطوار غير المبالي حتى بموت أمه بجريمة قتل لشاب جزائري دون سبب. وفي المحاكمة يبدو غير مبال بمصيره، وليس لديه حتى سبب منطقي لجريمته، فيقول إنها الشمس، وأنه كان ضجرا من حرارة الصيف. 

◄ لغو وجد

ولطه حسين كتاب بعنوان «من لغو الصيف» يقول في مقدمته «إن حرارة الصيف تجعل الناس يخلدون إلى الدعة والكسل، يحيون الليالي بالملهيات، ويتوافدون على وجهات الاصطياف».

ويمهد لسلسلة من المقالات يعتبرها ضمن لغو الصيف، كموضوعات خفيفة، رغم عمق الكثير منها. أما الروائي «إبراهيم عبدالمجيد» فعنون روايته الأولى بـ«الصيف السابع والستين»، في إشارة إلى صيف النكسة، وآثارها الساخنة التي تماهت مع حرارة الصيف وغباره. وقبل الجميع كتب شاعر اليونان القديم «هسيود» بين القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد، عن الصيف في قصيدته الشهيرة «الأعمال والأيام» واصفا إياه بأنه شاق ولا متعة فيه. 

ورغم اختلاف المبدعين في تصويره، وعلاقتهم به والتي ترجع أحيانا إلى طبيعته واختلافه من بلد إلى آخر، فإن علم النفس يرى أن حرارته تثبط القدرة على الإبداع، وفق دراسة للعالمين «بوران» و«ريتشاردسون».

وقد يدفع لارتكاب الحماقات، كما ترتفع فيه معدلات الإصابة بالاضطرابات النفسية، والقابلية للتوتر، واحتمال ممارسة العنف. ووفق دراسة للعالم «جيل فانيوالي» من جامعة «لييج» في بلجيكا، فإن نشاط الدماغ البشري يتغير ما بين فصلي الصيف والشتاء، حتى أن الجهد الذي يبذله الدماغ للحفاظ على الانتباه يبلغ قمته في شهر «يونيو» قرب التحول الصيفي، فتكون التكلفة العصبية كبيرة، بينما تنخفض إلى أدنى مستوى في ديسمبر حول الانقلاب الشتوي.