حياة هادئة بعيدا عن صخب المدينة، خضرة وأراض زراعية تلف القرى بالكامل فتمنحها بهاء ووقارا، أناس يقتنصون بهجة الإجازة الصيفية بشتى الطرق، أطفال وفتيات صغار يجدون متعتهم فى اللعب بالشارع وتناول الجيلاتي زهيد الثمن، الترع والمصارف تحتضن أجسادهم لتخفف عنهم حرارة الجو، الكبار يستمتعون بحكاياتهم المتنوعة وحصاد زراعاتهم، يتشبثون بذكرياتهم القديمة، يقهرون فصل الصيف الحار بلطف حديثهم، شباب يهرعون للعب الكرة وألعاب شعبية لا تزال تقاوم أمام غزو الإنترنت، صيف القرى المصرية مازال له طبيعة ونكهة خاصة قلما توجد فى دول أخرى، ولا يمكن مقارنة جماله وسحره بمراسى وأجمل مصايف الساحل..
◄ الهروب من الحر بالسباحة فى الترع والمصارف
◄ الجيلاتي والقصب فى المساء والذرة المشوية تسلية الكبار
◄ «البلي» يصنع بهجة الصغار وكرة القدم بملاعب النجيل الصناعي للشباب

أطفال يسبحون فى الترع المبطنة لا يحملون هموما أو متاعب، ينتظرون ساعات الظهيرة الحارة للاستمتاع ببرودة الماء وعذوبته، يشعرون كأنهم ملكوا الأرض وما عليها، لا يختلف صيفهم عن صيف الأغنياء فى أرقى قرى الساحل الشمالى بحسب اعتقادهم، يتبارون فى السباحة لمسافات طويلة فهم لا يخشون الغرق فتبطين حواف الترع أصبح بمثابة حارس أمين على أرواحهم، يستحثون بعضهم لاستكمال نزهتهم المتواضعة بلعب البلى، إذ تمتلئ جيوبهم به أو يجمعونه فى عبوات كبيرة، ينظمون «دورى» خاصًا للعبة، فما عليهم إلا اختيار مساحة واسعة من الأرض ثم يتم تنظيفها باليد أولا، ويرسمون خط التماس ليقف اللاعبون عند بدايته، يحفرون حفرة صغيرة يوضع فيها البلى ويصطفون عند خط التماس، يبدأ كل لاعب فى توجيه بلية «النيكل» لإصابة باقى البلى فإذا أصاب بعضها يفوز بها أو يردها لأصحابها، فهدفهم المتعة فقط.

◄ ساعة العصاري
لا تنقضى ساعات نهارهم الطويلة عند هذا الحد إذ يتفقون على لعب كرة القدم بساعة العصارى فى واحدة من الأراضى الخالية خارج القرية أو يجمعون مبلغا بسيطا من بعضهم ويسارعون بحجز ساعة فى أحد ملاعب النجيل الصناعى التى غزت القرى والنجوع، يرتدى كل منهم قميصًا يحمل رقم لاعبه المفضل ليتحول الملعب إلى تآلف وخليط من لاعبين صغار ذوى روح رياضية، وبعد انتهاء المباراة يسارعون لأحد محلات العصير ليكافئوا أنفسهم بشرب كوب من عصير القصب زهيد السعر أو مشروب التمر هندى كى يتغلبوا على عطشهم ويبردوا حرارة أجسادهم.

ولا يختلف ليلهم عن نهارهم حيث يتجمعون فى فرق صغيرة ويجوبون شوارع القرية يتبادلون القفشات والنكات أو يجلسون على واحدة من المصاطب الطينية التى بدأت تختفى هذه الأيام ويتحدثون عن أحلامهم بالمستقبل، يطلقون عنان خيالهم فربما تتحقق أحلامهم البسيطة، تلتقط آذانهم صوت زمارة بائع «الجيلاتى» ونداءه المتكرر يستحثهم لشراء بولة منه ترطب على شفاههم وتمنحهم سعادة تدوم طوال الليل، يركض بعضهم إلى عربته الخشبية المتواضعة لشراء بولة من الجيلاتى بألوانه المختلفة، يتشاركون فيها ويقتسمونها مع بعضهم، تتخاطف أيديهم الملاعق البلاستيكية الصغيرة ويلتهمون الجيلاتى فى مرح وود، يتناقشون بينهم ويطرحون خططا مختلفة لكيفية قضائهم اليوم التالى.

◄ اقرأ أيضًا | بعد اجتياز الثانوية العامة.. 7 أنشطة صيفية مميزة للطلاب
◄ لعب وجد
أما الفتيات الصغيرات فيجدن سعادتهن فى التجمع أمام منزل واحدة منهن للعب الحجلة وإبداء مهارتهن المختلفة، أو نط الحبل، كذلك لعبة «كيكا على العالى» والتى تتطلب الجرى لمسافات طويلة، ومنهن من يقمن بلعب أدوار الأسرة المختلفة فيتقمصن دور الأم والأب ويبدأن فى إلقاء أوامرهم على باقى أفراد العائلة.

وعلى الناحية الأخرى، فإن هناك أطفالا اقتصــرت إجــازتهــم الصـيفية علــى معــاوـــنة أسرتهم فى أعمالها، إذ يستيقظون قبل شروق الشمس ويهرعون إلى الحقل لجمع محصولى البامية والذرة الشامية أو متابعة نمو شتلات الأرز، يرتدون قبعاتهم القماشية ويحملون وجبة بسيطة من ساندوتشات الفول والطعمية كى يتناولوها بعد انتهاء عملهم، يحرصون على الانتهاء قبل اشتداد حرارة الشمس فى الظهيرة، قد يكافئهم الأب بالسماح لهم بالعوم فى حوض ماكينة الرى لترطيب أجسادهم والتخفيف من حرارتها، وفى رحلة عودتهم من الحقل يتسلقون أشجار التوت لجمع مايقدرون عليه من ثمارها، أو يلتقطون ثمار التين الشوكى المتناثرة دون أن يعبأوا بشوكها، فيجمعوها لالتهامها فى باحة المنزل الرطبة.

أما من يحالفه حظه فينجح فى اصطياد كمية لابأس بها من سمك الشبار النيلى أو القرموط من المصارف والترع القريبة، فيقضى يومه بأكمله متلهفا للحصول على وجبة ترضى أمه وتشبع معدته الخاوية.

◄ حكايات
يقول محمود رجب (10 سنوات): فور بدء إجازة الصيف أشعر بسعادة غامرة فألعب مع أصدقائى منذ غروب الشمس وحتى منتصف الليل ألعابا مختلفة مثل كرة القدم والبلى فضلا عن الاستغماية ونط الحبل وبعد غروب الشمس نسارع إلى الترعة الموجودة خارج القرية كى نعوم بها دون أن ينتابنا شعور بالخوف من الغرق إذ إن تبطينها قلل من تلك الحوادث.

ويضيف رجب: وفى الليل نحرص على شراء الجيلاتى والآيس كريم بنكهاته وألوانه المختلفة فيحرص أغلبنا على الاحتفاظ بمصروفه اليومى كى يستطيع شراء بولة كبيرة منه، مشيرا إلى أنهم يجدون المتعة فى السهر والتسامر طوال الليل فى درجة حرارة معتدلة.

أما كريم سميح (15 عاما) فيقول: مع الانتهاء من امتحانات آخر العام تبدأ إجازتنا الصيفية نتفق مع بعضنا على حجز ساعة بأحد ملاعب النجيل الصناعى للعب كرة القدم ويتراوح سعر الساعة الواحدة ما بين 50 و80 جنيها، وبعد الانتهاء من اللعب نتناول عصير القصب أو شطائر الفول والطعمية، مضيفا أن متعتهم تكمن فى مشاركتهم الطعام والضحكات.

ويؤكد أنهم يحرصون أيضا على مساعدة ذويهم فى أعمال الحقل سواء فى نقل شتلات الأرز أو رى الذرة الشامية والقطن وذلك بعد صلاة الفجر مباشرة لمنع تعرضهم لأشعة الشمس شديدة الحرارة.

◄ على المصطبة
مع بدء غروب الشمس وانخفاض درجة الحرارة يخرج الرجال من منازلهم ويتجمعون على قارعة الطريق أو يجلسون على واحدة من المصاطب الطينية المتربعة أمام المنازل، يتباحثون ويقصون على بعضهم آخر أخبار القرية من حالات وفاة وزواج وطلاق، فتصبح تلك المصطبة أشبه بوكالة أنباء محلية، ومنهم من يستشير الحضور أو يطلب نصيحتهم فى التخلص من آفة أو دودة عصفت بمحصول أرضه فيجد عدة آراء صائبة تهدئ من تشوش أفكاره، وعلى مقربة من هؤلاء الحضور يجلس شابان فى منتصف عمرهما يلعبان «السيجة» وهى واحدة من الألعاب الشعبية التى باتت أقرب للاندثار فى عصر الإنترنت، وهى عبارة عن حفر محفورة فى كمية من الرمل، وتنقسم إما حفر تسعاوية أو سبعاوية والحفرة التى تتوسط السيجة يطلقون عليها عين الديك وتظل خالية، وتتكون أدواتها من قطع الطوب من الطوب اللبنى أو الزلط، يتحلق أصدقاء الغريمين حول بعضهما ليشجع كل منهما صديقه.

◄ ليالي الأنس
وفى المساء وبعد أن تراجع دور المصاطب الطينية التى كانت ملمحًا رئيسيا أمام البيوت قديمًا، ينقلون حديثهم إلى المقهى الوحيد أو الكافيه الموجود خارج القرية حيث يجلس الشباب والمراهقون يتابعون دوريات كرة القدم المختلفة بشاشات التلفزيون الموجودة، أو يثرثرون حول آخر أخبار ذويهم ولعب الدومينو والشطرنج، أما كبار السن فيجدون تسليتهم فى شواء أكواز الذرة الشامية فى الهواء الطلق والاستمتاع برائحته الشهية.

يقول الحاج على فرج ـ50 عاما: تختلف طبيعة القرية المصرية فى قضاء إجازتها الصيفية حيث إن الأطفال يجدون متعتهم فى لعب كرة القدم بالشوارع والحارات حتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالى حيث تساعدهم نسمات الليل المنعشة فى ذلك، كما تشجعهم على لعب ألعاب مختلفة تعتمد على الجرى والحركة كالاستغماية و«كيكا على العالى» وغيرها، مشيرا إلى أن الفتيات يتجمعن أمام باحة أحد المنازل للعب بالعرائس البلاستيكية وألعاب الطبخ المختلفة.

ويشير إلى أن رجال القرى يقضون نهارهم فى أعمالهم بالحقل فالصيف هو موسم زراعة محاصيل مختلفة وأشهرها البامية التى تحتاج لجمع محصولها يوما وراء يوم، كذلك القطن حيث يحتاج متابعة منعا لغزو دودته الخطرة، مشيرا إلى أن ساعة العصارى هى الساعة المحببة للجميع حيث تقل درجة الحرارة المرتفعة ويتجمع أفراد الأسرة لتناول طعام الغداء أو تباحث شئونهم.
أما عبدالله فضل ـ22 عاما فيرى أن الإنترنت والهواتف المحمولة جعلت الجميع لايشعرون بحلاوة الإجازة الصيفية فحتى الأطفال أصبحوا يجدون لذتهم فى متابعة الفيديوهات ولعب الألعاب المختلفة، مؤكدا أن شباب القرى أصبحوا يقضون وقتهم إما فى الجيم الذى غزا القرى أو لعب كرة القدم بالملاعب، مشيرا إلى أن البعض أصبح يفر من حرارة الجو بقضاء إجازته فى إحدى المدن الساحلية.
بعد تحقيقه 213 مليون جنيه.. أزمة «برشامة» تشعل البرلمان
بحجة «موافقة الوزارة».. زيادات كبيرة بمصروفات المدارس الخاصة
السيد زعبوط: أسعى لمحاربة الأورام بإعادة برمجة المناعة







