أنيس منصور: الدنيا ملاهي وتلاهي !

أنيس منصور
أنيس منصور


جاءني سعيدًا ولكن فى سعادته شيء من الخجل، والخجل واضح في أنه يحاول أن يجد مكاناً لنظراته تحت الأرض، فهو لا يكاد يقول عبارة حتى ينظر إلى الأرض كأنه يريد أن يدفنها.

روى لي تاريخ حياته، وليست له حياة، ولذلك فليس له تاريخ، وإنما هو واحد من ملايين يزحفون على بطونهم، من أجل لقمة العيش، وليس عملاً بطولياً أن يعمل الإنسان ويتعب فالحياة تعب، سواء كان فيها عمل، أو تعب أكثر إذا لم يكن فيها عمل. 

ولكن الجديد في قصة هذا الشاب السكندري أنه كان فتاة، ثم أجُريت له عملية فأصبح فتى ويريد أن يكون رجلاً، فترك شعر رأسه على راحته وهو يطمع فى أن ينتقل شعر رأسه إلى الشفة العليا لعل شارباً ينبت هناك أو لعل اللحية تظهر!

وعنده مشكلة - طبعًا - إنه يريد أن يكون رجلاً ككل الرجال ولكن الناس لا يتركونه فى حاله، أو هكذا يتوهم.

أقرب الحوادث أنه ذهب إلى أحد المقاهى وطلب فنجان قهوة، وجاءت القهوة متأخرة، فاستعجل الجرسون، فما كان من الشاب والمحدث الرجولة إلا أن شخط فى الجرسون، فوضع الجرسون الصينية التى معه ووضع يده فى وسطه وقال له: «اسمع يا أخ.. أنا راجل .. ولا أحب أن أسمع كلمة من واحد زيك»، ومن المؤكد أن الجرسون لا يعرف ماذا حدث لهذا الشاب، ومن الممكن أن يقول الجرسون مثل هذه العبارة وأقسى منها لأى إنسان، ولكن هذا الشاب لأنه كما نعرف - أحس أن الجرسون يقصد أنه كان فتاة قبل ذلك.. الخ !

◄ اقرأ أيضًا | في ذكرى وفاة الأديب أنيس منصور.. وجع في قلب إسرائيل

والذى أضحكنى أن هذا الشاب جاءنى وهو سعيد جداً لأنه أصبح رجلاً يريد أن يعمل كرجل وأن يعيش كرجل، تماماً كأنما قد قام بعمل عظيم وأنه يستحق المكافأة على ذلك ؟

وهو سعيد برجولته، ولكنه ينسى أن هناك ملايين سبقوه الى التعاسة لأنهم رجال، وملايين سبقوه الى التعاسة لأنهن نساء فلا هو كسب للرجال ولا هو خسارة على النساء وإنما هو واحدة .. أو «واحد كانت له صورتان.. تلاشت واحدة وظهرت الأخرى، وسوف يلقى من الناس ما يلقاه الناس من الناس : منتهى التعذيب، وأن أحداً لن يستطيع أن يساعده لأن أحداً لا يساعد أحداً فالدنيا ملاهى ودواهي»! 

وعليه هو وحده أن يختار الصورة التي تعجبه، وأن يدافع عنها، وهذا الدفاع هو المعنى الوحيد للحياة، لحياته أو حياتها ؟

أنيس منصور
من كتاب «من نفسي»