«الموسيقار الحزين» في مرآة صالح جودت

صالح جودت
صالح جودت


عندما كان الموسيقي المعروف «نومي داندو» يعزف على الأرغن في القاهرة، حسبت أن هذا الفنان العالمي يستطيع أن يؤدى أكبر خدمة للموسيقى المصرية عندما يتذوقها، فبالتأكيد سوف يُعجب بها عندما يستحسنها، وسوف يعزفها فى حفلاته التى يقيمها فى العواصم الأوروبية والولايات الأمريكية، وفى هذا أفضل دعاية لمصر، ولهذا رأيت أن أقوم بهذه المهمة، فقدمته إلى كثير من الموسيقيين المصريين، قدمت له كثيراً من ألوان الموسيقى المصرية التى درسها وتدرب عليها وعزفها، ثم قال لى : «ليس عندكم موسیقی تصلح للتصدير إلى الغرب، إلا موسيقى محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش».

ومرت الأيام .. وهنا فى لندن.. سمعت «تومي داندو» يعزف على الأرغن موسيقى عبد الوهاب وفريد الأطرش، والجمهور الإنجليزي، الذى يزن الموسيقى بميزان الذهب يصفق ويطرب، وهذه حكاية واقعية، أحب أن أقولها لجمع كبير لأهل الفن في مصر أعلم أنهم ليسوا على وفاق وود مع الموسيقار الحزين فريد الأطرش، لا يحبون أن يعترفوا به كفنان ملهم !

وحكاية أخرى، أقولها للذين كلما سمعوه، أو سمعوا موسيقاه ضحكوا هازئين على اعتبار أن مقياس النجاح للفنان مرهون بمدى سعة استجابة الجمهور له، وهم على خطأ فيما يروجونه من اعتقاد غير صحيح لأننى أعرف حجم اتساع جماهيرية فريد الأطرش في مصر والدول العربية.. والدليل أنه الأعلى أجراً فى السينما، والأعلى أجراً فى حفلاته بالمنطقة العربية، وعلى الجميع أن يعترف بأن فريد من أحب أهل الفن للجمهور، وجمهوره فى أغلبه من ذوات الخدود الأسيلة والعيون الجميلة، وهذا صنف من الناس مرهف الحس رقيق الشعور، كلامه أنغام فلا بد أن تكون موسيقى فريد الأطرش مرهفة وحساسة ورقيقة وشاعرية. 

عرفت فريد فى أشقى أيامه، وأسعد أيامه، عرفت فيه الإنسان الذي لا تذله النقمة، ولا تغيره النعمة، ففريد الذى كان يغنى فى صالة بديعة مقابل قروش هو نفسه فريد الذى يكسب من السينما آلاف الجنيهات ! وفريد الذى كان فى سنة 1932 يجاهد فى سبیل جنيه واحد يتقاسمه مع أهله وأصدقائه، هو نفسه فريد الذى يكسب هذه الآلاف فى سنة 1952، وأصدقاؤه سنة 1932هم نفس أصدقائه سنة 1952.

◄ اقرأ أيضًا | صالح جودت.. برع في الشعر والأدب وغنى  قصائده الكبار

في نغمات فريد، حسن وحزن، فأما الحسن فأترك تقديره لمحبيه لا لكارهيه.. وأما الحزن، فمصدره أن قصة حياة فريد، قطيعة من الأهل، وفجيعة، سلسلة من المآسى بدأت بمصرع شقيقته أسمهان التى ولت فى عمر الزهور، ووجيعة فى الحب الوحيد الذى كان نور حياته ووحى نغماته، نرى الحزن منقوشاً على وجه فريد، حتى وهو يضحك ! 

ونراه أوضح وهو يغنى، ولو تأملت وجهه لوجدته يتجمد وينبسط، ويتقلص وينفرد، وتكثر هناته وتبرز قسماته، فيخيل لك أنه يبكى، والواقع أن قلبه هو الذى يبكى ويدوب فى حرقة هذه الدموع !

يعيب عليه البعض ضعف صوته، وقد يكون هذا صحيحاً، ولكن میكروفون الإذاعة، وميكروفون السينما، لم يتركا فارقاً كبيراً بين الصوت القوى والضعيف على أن هذا العيب لا يُنقِص من قدره ولا يهبط بمكانته، فالموسيقى فى كل عصرلا يُحاسب على صوته، بل على ألحانه، وفريد فنان من القلائل الذين يؤمنون بأن الموسيقى المصرية يجب أن تتقدم وتتطور وتجارى العصر وتصلح للوصول للعالمية، هو واحد ممن يؤمنون بالهارموني، ومن الذين يؤمنون بالأوركسترا الذى يجعل الأغنية صالحة للعالمية.

صالح جودت  « الكواكب» - 22 يوليو 1952