لو صادفته في الطريق لمررت به دون أن تلتفت اليه، وإذا وقع عليه بصرك، فستقتحمه بنظراتك كأنه أحد آلاف المخلوقات الفقيرة من عباد الله المحتشدين في الشوارع والأزقة، ولن تدرك ابدأ أن هذا الرجل مليونير واسع الثراء.
ذو لحية طويلة، ثيابه رثة، وشعر متسخ، يرتدي بذلة لا تستطيع أن تميز لونها القديم، هل هو أزرق أم رمادي، أو بني، فقد ضاع لونها وأصبحت نسيجا متآكلا متجمدا، فيه بريق العرق والغبار والقذارة، وقد لبسها لأول مرة منذ ١٥ عاما، وهو ما يزال يلبسها دون أن يغيرها بأخرى مرة واحدة طوال هذه المدة، وقد يغسلها مرة واحد كل عام بالماء والصابون، وينشرها حتى تجف ثم يرتديها من جديد دون أن يبعث بها إلى الكواء..
تقطعت أزرار الصديري، فربطه بدوبارة رفيعة متينة، وتمزقت من تحت أبطيه فحاكها بإبرة وخيط، وبنى لنفسه فلسفة في هذه الحياة حول هذه البدلة وعلاقته بها.
حيث كان يأكل من وجبات طعامه لقمة من الخبز، وقطعة من جبن أبيض ويعلل ذلك لنفسه، فليس له أصدقاء يحدثهم، ويبرر أمامهم تصرفاته، بأن الطعام الخفيف يحافظ على صحته، ويخشى أن تصيبه السمنة والترهل اللذان يصاحبان الإنسان مع تقدمه في السن، مما قد يضطر إلى ترك بدلته العزيزة عليه.
غير أنه كان يمتنع عن ركوب أي من وسائل المواصلات بحجة أن المشي سيعيد إليه شبابه، وسيحرك الدورة الدموية في جسمه، ويحميه من حوادث المواصلات وشرورها، ومن النشالين الذين يندسون، ويمزقون جيوب الركاب بمشارطهم، كما أن الاحتكاك بالناس في الصعود والهبوط سيؤدي إلى الإسراع بتلف البدلة وفقدانها.
لم يكن لديه أسرة، ولا أولاد، أو حتى كلب أو قطة يبادلها عواطفه وأحساسيه، وقد تركزت كل عنايته في شيئ واحد هو البدلة، أما الملايين التي ادخرها، واحتفظ بها في أكبر بنوك القاهرة يتردد عليها في كل صباح ليراجع رصيده، وليطمئن إلى أرباحه، ثم يمشي في الطرقات ساعة أو ساعتين يحدث فيها نفسه كالمجانين ثم يعود إلى البيت لا يغادر حتى صباح اليوم التالي.
فقد ورث أمواله الطائلة عن والده، وكان من المتوقع أن يتصرف كالوارثين، فيبذر التركة وينفقها في اللهو والملذات، لكنه لم يفعل لسوء حظه، لأن أحد من البشر لا يريد أن يموت ميتته.
وعندما ورث تركة أبيه الطائلة، اندفع يبعثرها شأن كل الوارثين، فقامر ولكنه كان يكسب باستمرار حتى مل المقامرة، فضارب في البورصة، فكسب أيضا من كل مضاربة مهما كانت حمقاء لا يقدم عليها إلا متهور أو مجنون، وشارك بأمواله في التجارة مع مغامرين أفاقين التفوا حوله ليسرقوه، ولكن تجارتهم ربحت فتحولوا إلى تجار شرفاء، لأن الشرف كان أربح لهم، وزادت وتضاعفت مكاسبه ولم يخسر يوما في حياته، حتى تحول إلى بخيل، فأحس أن المال يأتيه مصحوبا بعناية إلهية، أحب المكسب، وأحب المال، وكره أن يتغير حظه ويتبدل، فيخسر يوما من الأيام، وبدأ يتحول تدريجيا إلى رجل بخيل، فحظه الحسن كان سبب شقاءه، وشذوذه الذي يجري في دمه.
وفي أحد الأيام عندما كان يسير على الرصيف في طريقه إلى بيته، سقط عليه (دلو) مملوء بالبوية من سلم نقاش يطلي جدار حائط، وتلوثت بدلته بالجير والدهان تلوثا مهلكا، حزن حزنا شديدا، ومضى إلى بيته فخلع البدلة وشرع في تنظيفها بالماء والصابون، ولكن عبثا، فقد كان الدهان قويا والجير حارقا لأنسجة البدلة،ولم يستطيع أن يخرج من داره فليست لديه بدلة أخرى، كما أنه ما كان يفكر في شراء واحدة أخرى، وقبع في داره يحاول غسل بدلته كل يوم، فيفشل في تنظيفها ويتعب، ويرجئ المحاولة إلى اليوم التالي.
واستمرت المحاولة أياما، وأسابيع، وشهورا، حتى مات خلالها، وهو لا يأسف على شيئ في حياته مثل فقده لبدلته!.

«ضيفة غامضة» قصة قصيرة للكاتبة مارا أحمد
«إقرار» قصة قصيرة للكاتب محمد عاطف الجندي
«ورد الجلنار» قصيدة للشاعر عاطف الجندي







