أتوموبيل الفن

مدحت عبدالدايم يكتب: النابلسي صحفي خطفته السينما وسيارته بـ 3عجلات

مدحت عبدالدايم
مدحت عبدالدايم


■ بقلم: مدحت عبدالدايم

تشبه شخصية "يونس" المصور الصحفى بجريدة "أخبار اليوم" في فيلم "يوم من عمري" إلى حد كبير شخصية ممثلها البارع، نجم الكوميديا العربية "عبد السلام إبراهيم عبد الغني النابلسي" الشهير بـ "عبد السلام النابلسي" فهو ذلك الإنسان البسيط الطيب المغامر المَرِح الفوضوى، وعلى الرغم من مولده بمنطقة "عكار" اللبنانية فى 23 أغسطس 1898، إلا أن جذور عائلته تعود إلى "نابلس" بفلسطين، لأسرة تحملت عبء رسالة القضاء، إذ كان جده قاضيها وخلفه من بعده ابنه الشيخ إبراهيم الذى عرف بتدينه ورغبته فى تعليم ابنه القرآن واللغة العربية فى الأزهر الشريف، وهو ما كان إلى جانب إتقانه الإنجليزية، فضلًا عن الفرنسية التى تعلمها فى بيروت، لذا فإنه كثيرًا ما كان يردد: "أنا لحم أكتافى من خير مصر وأفضالها عليّ لا تعد ولا تحصى".

جذبه العمل بالصحافة والتحق ببعض الصحف والمجلات فى موطنه لبنان وفى مصر عام 1925، أبرزها: "مصر الجديدة، الصباح، اللطائف المصورة" وجذبه العمل فى السينما على يد المنتجة الكبيرة "آسيا داغر" فشارك بفيلم "غادة الصحراء" عام 1929، وتأكدت موهبته خلال فيلم "وخز الضمير" 1931، والتقى الفنان يوسف وهبى وفتحت له السينما أبوابها وتفرغ للعمل الفنى بعد أن منع عنه والده المصروف لعدم رضاه عن عمله كممثل، وحاز إعجاب المخرجين بعد نجاح فيلمه "القناع الأحمر" وتميز بأداء دور الفتى الارستقراطى، وسطع نجمه مع تحول السينما إلى الكوميديا، ومن أبرز أفلامه فى حقبة الثلاثينيات: "عيون ساحرة، نفوس حائرة، العزيمة" أما أبرز أفلامه فى الأربعينيات فهي: "ليلى بنت الريف، انتصار الشباب، ما أقدرش، ليلى فى الظلام، فاطمة وماريكا وراشيل، عفريتة هانم، أحبك أنت" وبلغت أفلامه فى حقبة الخمسينيات 83 فيلمًا، واستهل حقبة الستينيات بفيلم "يوم من عمري" وشهد عام 1968 آخر أفلامه "الحب الكبير".    

وكما كانت سيارته "عزيزة" أو "والتر جونيور" موضع سخرية الجماهير نظرًا لتهالكها - موديل 1934، كابورليه ذات بابين وأربعة مقاعد، من إنتاج شركة "فيات"- فإن سيارة النابلسى الحقيقية تميزت بصغر حجمها، وبكونها موفرة للطاقة، ألمانية الصنع من طراز Messerschmitt KR-200، "مسرشميت" وتم إنتاجها عام 1955 بمودلين فقط، صممها مهندس الطائرات "فريتز فيند" بإطارين أماميين وواحد خلفى، وبباب علوى، ومقعدين أمامى وخلفى، وظهرت بفيلم "علمونى الحب" عام 1957، أما سيارته الأولى "أودي" طراز 1950 فألمانية الصنع ذات بابين وأربعة مقاعد، ولم تدم بحوزته طويلًا.

"كنت أود أكون صحفيًا" هكذا تحدث حسب الله السادس عشر، وكان بالفعل من أوائل محررى السينما والنقد الفنى بجريدة "الأهرام" فى حقبة الأربعينات، وفى عام 1966 عاد لممارسة العمل الصحفى بمجلة "الشبكة" اللبنانية، فقدم مجموعة من المقالات تحت عنوان "نجوم على الأرض" ليعيد تقديم زملائه الفنانين للجمهور، من ذلك ما كتبه عن كوكب الشرق: "تقف للغناء وكأنها تقف للتاريخ، وعندما تشدو فهى حدث من الأحداث ومعجزة من المعجزات، عقلها على لسانها ولسانها شهد وظرف وإيناس" لقبَّه الفنان يوسف وهبى بـ "الكونت دى نابلوس" نظرًا لمظهره الارستقراطى وطريقة كلامه المميزة، فيما كتب هو عنه: "ليس فى قلبه غلظة، وليست فى كلماته كلمة فظة، نبيل عن أصالة" ولخص حياة إسماعيل يس فى كلمات دالة: "كافح وجاهد وصبر ومشى على مثل الإبر، حتى ظفر وانتصر، وتكاثرت عليه الأعباء وأضناه الإرهاق والإعياء، واستمر فى العمل وكأنه فى خلية نحل، النحل يجنى عسلاً أما هو فما الذى جناه؟ فن.. مرحى يا فن، إنه قد فقد صحته وخارت قوته وأصبح لا فن يجديه ولا مجد يشفيه ولا مال عنده للعلاج والحياة يكفيه" وجسَّد محنة الموسيقار محمد فوزى فى بضعة سطور: "هذا الفارس الفنان هوت به فرسه،  وعضه الداء وافترسه، كان قد أشرق وشاع وذاع فى كل البقاع، يقضى نهاره فى هم ليله، ويقضى ليله فى هم نهاره، أدبرت عنه أيامه وتفاقمت آلامه، وأنشب الداء فيه مخلبه ونابه، فعسى ينيله الله ثوابه" وتعد كلماته عن محمد عبد الوهاب من أروع ما كُتب عن موسيقار الأجيال: "يفهمك بكلمة ولا تفهمه بقاموس، محيط المحيط، لا يسبر له غور ولا يحد له مدى، يبتسم ما حول عينيه ومن خلال جفونه نصف المغمضة يراك عارياً كالقدح، يشبعك ويرويك ويأخذ منك ما يريد، ويقنعك بأنك أنت الذى أشبعته وأرويته وأخذت منه ما تريد، جليس شعر وأدب وحكمة، يعرف متى يأخذ ويعرف ماذا يعطى، ويعرف متى يكشف ومتى يغطى، أذنه اليمين تطرب لسيد درويش وأذنه اليسرى تطرب لفردى وبتهوفن وشوبان، وأذنه الباطنية الروحانية يسمع بها إلهام نفسه، وهى التى صنعت أمجاده الخالدة وقممه العالية".

تزوج النابلسى بعد أن جاوز الأربعين من جورجيت ثابت بعد أن صرح بكبرياء "لا توجد امرأة تستحقني" فهاتفته وقالت "أنت لا تستحق حب أى امراة" وحينما التقاها وقع فى غرامها وتزوجها رغم اختلاف الديانة، وبارك زواجهما صديقه فيلمون وهبى، وزاره العندليب بعد الزواج، وجمعتهما السينما فى خمسة أفلام هي: "ليالى الحب، فتى أحلامى، شارع الحب، حكاية حب، يوم من عمري" وبإصرار من العندليب شاركه الغناء فى أغنية "ضحك ولعب" بقوله "وليالى زمان" لذا نجده يصف العندليب بما يشبه الشعر: "سبحان من وهب، حنجرة من ذهب، صوت تصدح الموسيقى فى نبراته، وتترنح الألحان فى نغماته، وتذوب العذوبة فى طياته، الطرب والتطريب صفوة صفاته، والحنين الولوع سمة سماته، والأنين من أناته، والآه من آهاته، بل قل إنه مثل باقة من زهور، يختار من ألوانها ألحانًا، ويشدوها حبًا وغرامًا وأشجانًا، إنه دمعة بل هو شمعة، تراه دق ورق حتى لتحسبه خيالًا، يكاد من شفافيته لا يبين، وتسمعه روحًا وتراه حينًا بعد حين، لا يعرف الاعتدال إلا فى قامته، دائم الحرب بين نفسه وعافيته، يهمل الطب والطبيب، ويحفل بالحب والحبيب، يجمح أحيانا جموحًا، ويأبى إلا طموحًا، ولكن صداقته صداقة صدق، ووفاءه وفاءَ رِق" وفى عام 1958 اكتشف النابلسى مرضه بالقلب وأخفى ذلك عن أقرب الناس إليه إلا صديقه فريد الأطرش الذى مثل معه 16 فيلمًا ونعته بالإحساس المرهف "كالسيف ذى الحدين، وهو دائمًا يجرح نفسه بالحديث ولا يجرحك، كلمة منك تسعده وكلمة منك تشقيه، ليس فى صدره قلب، فقلبه على وجهه، وليس فى جيبه مال فماله للناس" وتشاء الأقدار أن يشهر البنك اللبنانى الذى أودع النابلسى فيه أمواله إفلاسه، فيصاب بصدمة كبيرة وتزداد حالته سوءًا، ويلقى ربه بسيارة الإسعاف قبل نقله إلى المستشفى فى 5 يوليو 1968 وتعجز زوجته عن تدبير مصروفات جنازته، فيتكفل فريد الأطرش بمهام ونفقات الدفن والعزاء.