نتنياهو يقود المعارك إلى نفق مظلم

العمليات العسكرية ذات التوغل العميق فى مناطق العدو من المهمات الحرجة والصعبة
العمليات العسكرية ذات التوغل العميق فى مناطق العدو من المهمات الحرجة والصعبة


يرى المفكرون العسكريون أن علم الحرب ينطلق من ثلاثة أوجه رئيسة لا غنى عنها وهى أولاً وضع استراتيجية الحرب وثانياً التخطيط العملياتى وثالثاً التخطيط التكتيكى ويشير القائد العسكرى البولندى الشهير كلاوزفتز إلى أن الاستراتيجية هى فن تنظيم الجيوش وتنسيق القوى ووضع الخطط العسكرية فى المعركة لتحقيق أهداف الحرب ويكون التكتيك عادة هو التفصيلات التى يقوم بها الجنود والضباط على أرض المعركة لتحقيق النجاح الاستراتيجى وتتركز الحرب كلها فى الجانب التكتيكي.

وفى كتابه «التكتيك العسكري» يقول جوستاف ميلر إن  «العمليات العسكرية ذات التوغل العميق فى مناطق العدو من المهمات الحرجة والصعبة مما يجعل القائد لهذه العمليات يجتهد لإجرائها بأقل نسبة ممكنة من الخسائر لقواته لتحقيق أهداف الحرب»...السؤال الذى نطرحه هل بعد 300 يوم من العدوان الإسرائيلى على قطاع غزة هل تحققت أهداف الحرب من عملية «السيوف الحديدية»؟!...

قرار الحرب بدأ يوم 8 أكتوبرعندما  وافق المجلس الوزارى الأمنى المصغر فى إسرائيل على قرار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إعلان حالة الحرب ضد غزة بموجب البند 40 من القانون الأساسى للحكومة ويعنى ذلك وضع إسرائيل وسكانها ومرافقها المدنية تحت قانون الطوارئ، وتكليف قيادة الجبهة الداخلية فى الجيش الإسرائيلى بالتصرف وفق متطلبات الحرب كما يعنى استدعاء جنود الاحتياط وفرض تقييدات على النشر فى وسائل الإعلام. وفى اليوم نفسه أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية إرسال حاملتى طائرات إلى الشرق الأوسط لدعم إسرائيل ومنع توسع الحرب كما أعلنت دول أوروبية وغربية دعمها لإسرائيل...

كل المقومات القوية توافرت أمام قوات جيش الاحتلال  الاسرائيلى لتحقيق أهداف الحرب وهى القضاء على حماس وأسلحتها وتحرير الرهائن ومنع أى تهديدات لمستوطنات غلاف غزة وأمن إسرائيل فى المستقبل..

النتيجة بعد تلك الأيام الثلاثمائة باتت واضحة أمام العيان .. حماس مستمرة وقادرة على تنفيذ عمليات والتحامات مباشرة على الأرض وتحقيق خسائر وإصابات بشرية ومادية فى  صفوف جيش الاحتلال ولا يزال أغلب الرهائن محتجزين..

هذا ما أكده اللواء وائل ربيع مستشار مركز الدراسات الاستراتيجية بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية موضحا أن الاستراتيجية والتكتيك العسكرى الإسرائيلى فشلا حتى الآن فى تحقيق أهداف الحرب وذلك لعدة أسباب أهما شخصية نتنياهو رئيس الوزراء حيث يضع كل قواعد اللعبة بين يديه ويسيطر عليها وأدخل دولة الاحتلال فى سلسلة من الفوضى داخليا وخارجيا وانعكست تلك الفوضى على مستوى العمليات العسكرية وتحول الهدف العسكرى الى مجرد تدمير شامل لقطاع غزة  أثار غضب العالم وكشف عورة جيش الاحتلال وافتقاره للاستراتيجيات والتكتيكات العسكرية التى تنفذها وتتدرب عليها الجيوش الكبرى ...

اقرأ أيضا| حزب الله يستهدف تجمعات لجنود الاحتلال في مواقع حدودية

لكن ما فعله نتنياهو هو الدفع بقواته لارتكاب المجازر والتدمير الشامل لمبانى ومدارس وجامعات ومساجد قطاع غزة وممارسة سياسة القتل العشوائى مما أدى إلى استشهاد ما يقرب من 40 ألف شهيد فلسطينى من المدنيين العزل وأغلبهم من الأطفال وبعد مسح أرض القطاع من الحياة  انتقل الى استراتيجية «جز العشب» تقودها الوحدة 8200 وهى وحدة تنصت وجمع معلومات استخباراتية وتهدف الى اغتيال أى قيادات تتبع حماس أو الفصائل الفلسطينية ومعرفة أماكن الرهائن وساهمت فى تنفيذ عمليات لا يمكن وصفها بالناجحة لأنها تسببت فى قتل جنود وضباط اسرائليين ووقوع خسائر بشرية كبيرة فى صفوف المدنيين تسببت فى سخط عالمى ودولى واسعين ولأول مرة نرى قرارات من محكمة العدل الدولية ومن الأمم المتحدة و من دول أوروبية تدين بشدة وتدعم وتعترف بالدولة الفلسطينية. ويمكننا القول إنه اما اذا تضاربت الخطط التكتيكية مع الاهداف الاستراتيجية العامة للحرب فهنا يتخبط القادة العسكريون وجنودهم  ويبدؤون فى الارتباك والتوتر وهو ما ظهر بعد أسابيع من حرب الإبادة على غزة.

لكن هل تستطيع دولة الاحتلال الاسرائيلى شن حرب أخرى على لبنان وفتح جبهتى قتال فى نفس التوقيت ...

يرى ربيع أن ذلك غير ممكن بحسابات الورقة والقلم وذلك لأن رئيس هيئة الاركان الإسرائيلى أعلن أن قواته فى حاجة ماسة لتجنيد  3 آلاف  جندى ولمعاونته قررت الحكومة تجنيد المتطرفين «الحريدم» وهؤلاء بلا تدريب وبلا رغبة فى الانضمام لصفوف الجيش، ووسط هذه الفوضى كيف تستطيع تل أبيب فتح جبهة ثانية ضد عدو مختلف هذه المرة وهو «حزب الله» الذى يمتلك من القوة العسكرية ما يستطيع بها استهداف مناطق استراتيجية وحيوية وقتل واصابة المئات ودفع الآلاف من المستوطين لترك منازلهم مع مزيد من الضغوط الاقتصادية ومزيد من هجمات الحوثيين.

لكن البعض يعول على انتهاء الحرب فى غزة  بتولى رئيس أمريكى جديد يأتى فى نوفمبر القادم خاصة وأن التوقعات تشير لعودة دونالد ترامب ..

يرفض مستشار الاكاديمية العسكرية هذا التوقع لأن ترامب هو الرئيس الذى فعل المستحيل من أجل تل أبيب وأدخل سفارة الولايات المتحدة إلى قلب القدس ونتنياهو يدرك جيدا أن قواعد اللعبة بين يديه وليست بيد الولايات المتحدة وقد أدخل الحرب والمفاوضات فى قطاع غزة إلى نفق مظلم منع فيه أى وحدة بين السلطة الفلسطينية وضرب أى كيانات يمكن أن تعمل على توحيد صفوف الشعب الفلسطيني، وهو يريد أن تستمر المعركة لسنوات مع السماح له  بتحرير الرهائن دون أى قيود عليه بوقف الحرب أو استمرارها متى شاء، وهو أمر لن توافق عليه حماس أو الفصائل الفلسطينية، وهنا يصعب التنبؤ إذا ما كان هناك أمل فى القريب العاجل يلوح فى الأفق.