«23 يوليو».. شروق الثورة الفنية| شهدت تحولات كُبرى في السينما والمسرح والغناء

محمد نجيب مع محمد فوزى وعدد من الفنانين
محمد نجيب مع محمد فوزى وعدد من الفنانين


■ كتب: منى سراج

كانت ثورة 23 يوليو 1952، بمثابة حدث تاريخي له أثر عميق على الحياة السياسية وفي المُجتمع بأكمله، بعد أن أدت إلى الإطاحة بالنظام الملكي، وتأسيس نظام جمهوري جديد، وكانت لحظة فارقة في تاريخ مصر، وقد لعبت وقتها الفنون دورًا حيويًا فى تعزيز الوعي، وحشد الجماهير نحو الغايات الوطنية والسياسية لتلك الثورة.

المشهد الثقافي في مصر، شهد تغيرات كبيرة بعد قيام الثورة، تحت رعاية الحكومة الجديدة، وتم دعم الفنون والثقافة بشكل أكبر، مما أدى لازدهار الأدب والسينما والموسيقى، وكانت الثورة مناسبة لتعبير الفنانين عن الآمال والطموحات الجديدة للشعب المصري، وتناول قضايا اجتماعية وسياسية بشكل أكثر جرأة وحرية.

فى عالم الأغانى الوطنية، برزت أغنية «ثوار ثوار» كرمز للتغيير والثورة، وكانت كلمات الأغنية تدعو إلى الوحدة والنضال من أجل وطن حر ومستقبل أفضل، غنتها الفنانة الرائعة أم كلثوم بصوتها القوى والملهم، ورافقت الجماهير فى مسيرتها نحو تحقيق الأمل وإقرار العدالة، بالإضافة إلى ذلك، قدم عبد الحليم حافظ أغانى مثل «حكاية شعب» التى تجسدت فيها مشاعر الفخر بالثورة والإيمان بالتغيير، وأصبحت ألحانه وكلماته تملأ القلوب بالأمل والعزيمة.

أما فى مجال السينما، فقد كانت الأفلام تعكس التغيرات العميقة التى مرت بها مصر بعد الثورة،  فيلم «الناصر صلاح الدين» من إخراج يوسف شاهين، لم يكن مُجرد فيلم تاريخي، بل كان تجسيدًا لرؤية عبد الناصر فى الوحدة العربية، كما قدمت أفلام مثل «باب الحديد» و»النداهة» رؤى جديدة عن الحياة الاجتماعية والسياسية، وفتحت أبواب الحوار حول قضايا جديدة تهم المجتمع المصري.

من خلال هذه الأغانى والأفلام، كانت الفنون أداة قوية لنقل روح الثورة، وتعبير عن طموحات الشعب فى بناء مستقبل مشرق، فقد ساهمت هذه الأعمال فى تشكيل الوعى الوطني، وجعلت من الفن وسيلة للتعبير عن الأحلام والتطلعات.

◄ اقرأ أيضًا | مجلس قيادة ثورة 23 يوليو 1952.. في مكتب رئيس تحرير آخرساعة»!

◄ عامل حشد

يرى الناقد الفني، أحمد سعد، أن السينما لم تكن عامل حشد للثورة، لكنها ساعدت الثورة بعد قيامها، فالحشد السينمائى جاء بعد قيام الثورة، لكن خلال فترة الحكم الملكي، لم تشكل السينما أية حشد أو إرهاصات ولم تقدم أى دعم للثورة، موضحًا أن الفارق هُنا أن الثورة بعد قيامها ساهمت فى تقدم صناعة السينما والمسرح والأغنية، وبعد 7 سنوات، أُنشئ التلفزيون، واليوم نحتفل بعيد ميلاده الـ64، وقد كانت هذه الفترة محورية فى إطلاق مشهد القوى الناعمة، حيث تقدم جيل من الشباب أمثال عبد الحليم حافظ (24 عامًا)، والشاعر الغنائى صلاح جاهين، والكاتب محمد هيكل (29 عامًا)، والذين حققوا تقدمًا هائلاً وتركوا بصمات لا تنسى فى التاريخ، من خلال كتابة أغانى الثورة مثل «ثوار ثوار» التى غنتها الفنانة أم كلثوم، وأفلام مثل «رد قلبي» و«أنى راحلة» للكاتب الروائى يوسف السباعي، وقد عززت هذه الأعمال التعاطف الشعبى مع الثورة ضد النظام الملكي، وأثمرت عن نهضة مسرحية.

أضاف، أن صناعة السينما الآن تعانى مُشكلتين هما الإنتاجية والكتابة السينمائية، ففى الخمسينات، بُنيت مؤسسة السينما التى كانت تدعم المُبدعين وتمنحهم فرصًا جيدة، ولكن اليوم، يقتصر الإنتاج على القطاع الخاص، ويفتقر إلى الأبعاد التثقيفية والتوعوية، مُشددًا على ضرورة أن تتدخل الدولة لإعادة الحياة لهذه الصناعة، وإنتاج أفلام تنافسية قوية، وتعزيز الثقافة وتحفيز المبدعين، كما يجب أن تقوم السينما على مُثلث التثقيف والتوعية والترفيه، ويجب ألا تقتصر على الأفلام الكوميدية والأكشن فقط، وقال إن مصر شهدت فى الخمسينات «الضباط الأحرار المثقفين»، وأُنشأ ثروت عكاشة، أول وزارة للثقافة، وكان لديه فكر نوعى مثل إنشاء أكاديمية الفنون أو معهد السينما والباليه، وجاء بعده الدكتور عبد القادر حاتم، وكان يطبع كتابًا كل 6 ساعات، وترتب عليه شعب وجمهور مثقف، وتم تأسيس أكاديمية الفنون، وطبعت أعمال عظيمة كتبها عباس العقاد ويوسف السباعى وطه حسين، الذين حملوا المسئولية الكبيرة.

واختتم سعد، الآن المسرح الوطنى يعيش حالة من النهضة، ومع ذلك، يجب أن نركز بشكل أكبر على صناعة السينما لأنها العنصر الأساسى فى نشر الثقافة المصرية فى العالم العربي، كما يجب إعادة النظر فى صناعة السينما المصرية وتطويرها لتعزيز الفن والثقافة.

◄ نقطة تحول

من جانبه، قال الناقد الفني، طارق الشناوي، إن ثورة 23 يوليو، شكلت نقطة تحول تاريخية فى مصر، حيث انعكست المشاعر الإيجابية تجاهها بشكل كبير، ووصفت بـ«الثورة البيضاء» بفضل حرصها على تجنب إراقة الدماء، وكان الملك فاروق قد فهم أن الصراعات غير مرغوب فيها، وأنه لا يزال لديه غضب فى الجيش، فقرر التنازل عن العرش ودعا لوداع عسكرى فى الإسكندرية بحضور اللواء محمد نجيب، الذى نوه له كقائد أعلى طبقًا للدستور، وقد استقبل الشعب المصرى الثورة بحماس، حيث كانت الإذاعة المصرية أول من بث بيانها، وقام أنور السادات بإذاعته، وكان المذيع محمد عُمر، مسئولًا عن البث، وبدأت الثورة ببيان من الإذاعة المصرية، وانطلقت الأغانى تحت شعار الوحدة والنظام والعمل، ومنها أغنية قدمها الفنان محمد قنديل تحت عنوان «ع الدوار».

أضاف الشناوى، أنه منذ بدايات الثورة، تبنى الفنانون والمبدعون قضية الثورة بشكل كبير، يقودهم «قطار الثورة» حيث قاموا بجولات استعراضية فى مصر لجمع التبرعات، بمشاركة كبار الفنانين مثل محمد فوزي، شادية، مديحة يسري، كمال الشناوي، وعماد حمدي، ويقال إن علاقة الحب بين عماد حمدى وشادية تأججت خلال هذه الفترة، وبينما كانت الثورة تتجه نحو التوجه الاشتراكي، شهدت صناعة السينما تحولاً كبيراً، حيث تم إنشاء هيئة تعزيز السينما وفقًا لرؤية استراتيجية ووزارة الثقافة تحت قيادة دكتور ثروت عكاشة، هذا النهج أسهم فى بناء بنية تحتية تشمل أكاديمية الفنون، التى تشمل الكونسرفتوار وفنون الباليه والمسرح والسينما، لتعزيز الإبداع الفني.

وقال الناقد الفنى الكبير، إنه أثناء هذه الفترة، كانت صناعة السينما المصرية ليست فقط محليًا، بل تجاوزت الحدود الوطنية لتشمل العالم العربى بأسره، مما أدى إلى إنتاج أفلام تعبر عن روح الثورة، مثل «الله معنا» للمخرج أحمد بدرخان و«رد قلبي» ليوسف السباعى وعز الدين ذو الفقار، و«الأيدى الناعمة» لتوفيق الحكيم ومحمود ذو الفقار، التى تناولت الجوانب الاجتماعية للثورة، وتجسد هذه الأفلام والإبداعات الفنية الأخرى التزام الفنانين بتوثيق وتعزيز تأثيرات الثورة، مما جعلها لحظة فارقة فى تاريخ الفن والسياسة فى مصر، وتركت أثرًا عميقًا على الثقافة العربية بشكل عام.