يأتي العرض المسرحي “مش روميو وجولييت” ليشكل منحنى جديد لحراك مسرحي مصري واع وجريء ومبهر ومدهش ومجدد.
الواقع أنني ذهبت لأرى عمل مسرحي ممتع ربما اعيش فاصل من البهجة ينعش وجداني من حرارة الصيف القاسية، فإذا بوجداني كله يمتلئ انتعاشة من نوع آخر، بمثابة فرحة كبرى بوجود عرض مسرحي قادر على إختراق قضية كبرى بحالة فنية محفزة للفكر، وباعثة على الأمل في طرحها لقضية شائكة، وفي لغة فنية بسيطة وآسرة تضع الجمهور في محرابها مستمتع، وهذه هي قيمة الفن الحقيقي.
في العرض المسرحي المأخوذ عن نص وليام شكسبير، قدم المخرج المبدع عصام السيد والشاعر الموهوب أمين حداد رؤيتهما بروح مختلفة، قوامها اللوحات الغنائية والاستعراضات الشاملة الممتعة التي عبرت عن قضايا ملحة ومهمة نعيشها كل يوم، وهي قضية الوحدة الوطنية.
كان أسلوب الحكي السلس مهم، خاصة إذا كان المتلقي من الأجيال الجديدة التي استحوذت عليهم وسائل التواصل الاجتماعي، ليجد نفسه أمام حالة مراجعة شاملة داخل قاعة المسرح القومي.
قيمة العمل تنبع من مضمونه وأسلوب تقديمه ورؤية المخرج العصرية للنصّ المسرحي.
تستعرض المسرحية برؤية جديدة ومبتكرة أشكالًا متعددة من قيم الحب والنور والأمانة والوعي والسلوك وإعمال العقل والعلم والصداقة والإخلاص والانتماء والخير، في مواجهة الشر والظلام والجهل، عبر ثنائيات مهمة منها “الأستاذ والتلميذ”، “المسلم والمسيحي”، “الرجل والمرأة”، بينما تركز الحبكة الدرامية للمسرحية على كيفية مواجهة الشخصيات صراعاتهم الداخلية والخارجية، وكيفية تحقيق التوازن بين مختلف أنواع الروابط الإنسانية، مما يجعلها تجربة فريدة لا تُنسى لكل من يشاهدها، وهنا يجب الإشادة بالنص المكتوب بحرفية شديدة.
تتسم “مش روميو وجوليت” بالجو المبهج والرسائل الاجتماعية الهادفة والطاقة الإيجابية.
المخرج عصام السيد، يهتم بكل تفصيلة لخروج العرض على أكمل وجه، ويقدم قصته الجميلة التي تدعو بأحداثها للحرية والحب والإنسانية خلال يوميات الحياة في مدرسة ثانوية بحي شبرا العريق، تدعى “مدرسة الوحدة”، حيث تظهر مشكلة تتوغل على المجتمع المصري، تتمثل في بعض الأفكار المتعصبة والمتطرفة، خاصة على المستوى الديني، فيما يتعلق بالنظرة إلى الآخر المختلف في انتمائه وعقيدته، فنحن أمام شخصية “يوسف”، التي يجسدها علي الحجار، وهو مُعلِم محبوب من الجميع، وفجأة يتعرض لظلم بسبب سوء تفاهم في علاقته بزميلته “الأستاذة معلمة زهرة”، التي تجسدها رانيا فريد شوقي، وتتطور الأحداث أمام الجمهور حيث يشاهد “مدرسة الوحدة” التي تضم تلاميذ مسلمين ومسيحيين يحدث بينهم فرقة لقصة تنتشر في المدرسة حول وقوع “الأستاذة زهرة” في حب “أستاذ يوسف”، وهي مسلمة وهو مسيحي، وفي واقع الأمر هناك صداقة نشأت بينهما فقط منذ فترة، لأنهما جيران، ومن هنا تطورت علاقتهما لصداقة قوية،
لتنشأ الحبكة الرئيسية حول الصراع بين الطرفين بالمدرسة والفرقة التي حدثت بسبب هذه الصداقة.
وفي حوار غنائي مدهش وإستعراضات رمزية دخلت أجواء العرض حول تجميع شتات الطلبة الذين حدث بينهم فرقة بسبب إشاعة قصة الحب الممنوع، بداية من اسم المدرسة، “الوحدة”، وحتى تكونيات المجاميع التي أجاد إدارتها المخرج عصام السيد وتوحي برمزيات رسالتها مثلما شاهدنا الطالب المتطرف ومعه أفكاره التي تجسدت في أشخاص يرتدون السواد، ووجودهم حوله في أعلى المسرح، وكأن التكوين يقول أن التطرف لن ينتهي، لكن بيدنا أن نجعله على هامش الصورة بعيدًا.
وأيضا أبدع في توليفة إعادة تمثيل “روميو وجولييت” بين فريقي التلاميذ الذين أنغمسوا بحب، وكأن الفن والحب علاج سحري لاحتواء تلك الظواهر السلبية من تزمت وتعصب، مهما اختلفت العقائد.
قدم علي الحجار أحد أجمل أدواره على المسرح، وكان لسحر أدائه وغنائه دور كبير في وصول الرسالة، مع أحمد شعتوت وشيرين حجازي، وشعتوت وضع الموسيقى والألحان لاستعراضات شيرين حجازي، وأستطاعا المزج بين الألحان والاستعراضات والأحداث لكل الشخصيات بشكل مميز للغاية، بالإضافة إلى تميز ديكور محمد الغرباوي.
كان هناك تألق في أداء الفنانين رانيا فريد شوقي وميدو عادل وعزت زين ودنيا النشار وطارق راغب والمطربة المفاجأة أميرة أحمد.
تحت شعار “بص للعالم بقلبك”، يبقى عرض “مش روميو وجولييت” مغامرة فنية متفردة، خاصة أنه عمل يرسخ القيم الإنسانية، للمساهمة في تطوير المجتمع، وخلق جيل قادر على مواجهة تحديات المستقبل.
تطبيع الذكاء الاصطناعى
خالد محمود يكتب : « الشهود المحترفون » .. كيف صنع النقد صورة سينما نجيب محفوظ ؟
ياسمين صبري والبطولة المطلقة







