خالد محمود يكتب : « مش روميو و جولييت » .. مغامرة مسرحية تحت شعار « بص للعالم بقلبك »

خالد محمود
خالد محمود


يأتي‭ ‬العرض‭ ‬المسرحي‭ ‬“مش‭ ‬روميو‭ ‬وجولييت”‭ ‬ليشكل‭ ‬منحنى‭ ‬جديد‭ ‬لحراك‭ ‬مسرحي‭ ‬مصري‭ ‬واع‭ ‬وجريء‭ ‬ومبهر‭ ‬ومدهش‭ ‬ومجدد‭.‬

الواقع‭ ‬أنني‭ ‬ذهبت‭ ‬لأرى‭ ‬عمل‭ ‬مسرحي‭ ‬ممتع‭ ‬ربما‭ ‬اعيش‭ ‬فاصل‭ ‬من‭ ‬البهجة‭ ‬ينعش‭ ‬وجداني‭ ‬من‭ ‬حرارة‭ ‬الصيف‭ ‬القاسية،‭ ‬فإذا‭ ‬بوجداني‭ ‬كله‭ ‬يمتلئ‭ ‬انتعاشة‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬آخر،‭ ‬بمثابة‭ ‬فرحة‭ ‬كبرى‭ ‬بوجود‭ ‬عرض‭ ‬مسرحي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬إختراق‭ ‬قضية‭ ‬كبرى‭ ‬بحالة‭ ‬فنية‭ ‬محفزة‭ ‬للفكر،‭ ‬وباعثة‭ ‬على‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬طرحها‭ ‬لقضية‭ ‬شائكة،‭ ‬وفي‭ ‬لغة‭ ‬فنية‭ ‬بسيطة‭ ‬وآسرة‭ ‬تضع‭ ‬الجمهور‭ ‬في‭ ‬محرابها‭ ‬مستمتع،‭ ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬قيمة‭ ‬الفن‭ ‬الحقيقي‭.‬

في‭ ‬العرض‭ ‬المسرحي‭ ‬المأخوذ‭ ‬عن‭ ‬نص‭ ‬وليام‭ ‬شكسبير،‮ ‬قدم‭ ‬المخرج‭ ‬المبدع‭ ‬عصام‭ ‬السيد‭ ‬والشاعر‭ ‬الموهوب أمين‭ ‬حداد‭ ‬رؤيتهما‭ ‬بروح‭ ‬مختلفة،‭ ‬قوامها‭ ‬اللوحات‭ ‬الغنائية‭ ‬والاستعراضات‭ ‬الشاملة‭ ‬الممتعة‭ ‬التي‭ ‬عبرت‭ ‬عن‭ ‬قضايا‭ ‬ملحة‭ ‬ومهمة‭ ‬نعيشها‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬وهي‭ ‬قضية‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية‭.‬

كان‭ ‬أسلوب‭ ‬الحكي‭ ‬السلس‭ ‬مهم،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬المتلقي‭ ‬من‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬استحوذت‭ ‬عليهم‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ليجد‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬حالة‭ ‬مراجعة‭ ‬شاملة‭ ‬داخل‭ ‬قاعة‭ ‬المسرح‭ ‬القومي‭.‬

‮ ‬قيمة‭ ‬العمل‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬مضمونه‭ ‬وأسلوب‭ ‬تقديمه‭ ‬ورؤية‭ ‬المخرج‭ ‬العصرية للنصّ‭ ‬المسرحي‭.‬

تستعرض‭ ‬المسرحية‭ ‬برؤية‭ ‬جديدة‭ ‬ومبتكرة‭ ‬أشكالًا‭ ‬متعددة‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬الحب‭ ‬والنور‭ ‬والأمانة‭ ‬والوعي‭ ‬والسلوك‭ ‬وإعمال‭ ‬العقل‭ ‬والعلم‭ ‬والصداقة‭ ‬والإخلاص‭ ‬والانتماء‭ ‬والخير،‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الشر‭ ‬والظلام‭ ‬والجهل،‭ ‬عبر‭ ‬ثنائيات‭ ‬مهمة‭ ‬منها‭ ‬“الأستاذ‭ ‬والتلميذ”،‭ ‬“المسلم‭ ‬والمسيحي”،‭ ‬“الرجل‭ ‬والمرأة”،‭ ‬بينما تركز‭ ‬الحبكة‭ ‬الدرامية‭ ‬للمسرحية‭ ‬على‭ ‬كيفية‭ ‬مواجهة‭ ‬الشخصيات‭ ‬صراعاتهم‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية،‭ ‬وكيفية‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬أنواع‭ ‬الروابط‭ ‬الإنسانية،‭ ‬مما‭ ‬يجعلها‭ ‬تجربة‭ ‬فريدة‭ ‬لا‭ ‬تُنسى‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬يشاهدها،‭ ‬وهنا‭ ‬يجب‭ ‬الإشادة‭ ‬بالنص‭ ‬المكتوب‭ ‬بحرفية‭ ‬شديدة‭.‬

تتسم‮ ‬“مش‭ ‬روميو‭ ‬وجوليت”‮ ‬بالجو‭ ‬المبهج‭ ‬والرسائل‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الهادفة‭ ‬والطاقة‭ ‬الإيجابية‭.‬

المخرج‭ ‬عصام‭ ‬السيد،‮ ‬يهتم‭ ‬بكل‭ ‬تفصيلة‭ ‬لخروج‭ ‬العرض‭ ‬على‭ ‬أكمل‭ ‬وجه،‭ ‬ويقدم‭ ‬قصته‭ ‬الجميلة‭ ‬التي‭ ‬تدعو‭ ‬بأحداثها‭ ‬للحرية‭ ‬والحب‭ ‬والإنسانية‭ ‬خلال‭ ‬يوميات‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬ثانوية‭ ‬بحي‭ ‬شبرا‭ ‬العريق،‭ ‬تدعى‭ ‬“مدرسة‭ ‬الوحدة”،‭ ‬حيث‭ ‬تظهر‭ ‬مشكلة‭ ‬تتوغل على‭ ‬المجتمع‭ ‬المصري،‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأفكار‭ ‬المتعصبة‭ ‬والمتطرفة،‭ ‬خاصة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الديني،‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالنظرة‭ ‬إلى‭ ‬الآخر‭ ‬المختلف‭ ‬في‭ ‬انتمائه‭ ‬وعقيدته،‭ ‬فنحن‭ ‬أمام‭ ‬شخصية‮ ‬“يوسف”،‭ ‬التي‭ ‬يجسدها‭ ‬علي‭ ‬الحجار،‭ ‬وهو‭ ‬مُعلِم‭ ‬محبوب‭ ‬من‭ ‬الجميع،‭ ‬وفجأة‭ ‬يتعرض‭ ‬لظلم‭ ‬بسبب‭ ‬سوء‭ ‬تفاهم‭ ‬في‭ ‬علاقته‭ ‬بزميلته‭ ‬“الأستاذة‭ ‬معلمة‭ ‬زهرة”،‭ ‬التي‭ ‬تجسدها‭ ‬رانيا‭ ‬فريد‭ ‬شوقي،‭ ‬وتتطور‭ ‬الأحداث‭ ‬أمام‭ ‬الجمهور‭ ‬حيث‭ ‬يشاهد‭ ‬“مدرسة‭ ‬الوحدة”‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬تلاميذ‭ ‬مسلمين‭ ‬ومسيحيين‭ ‬يحدث‭ ‬بينهم‭ ‬فرقة‭ ‬لقصة‭ ‬تنتشر‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬حول‭ ‬وقوع‭ ‬“الأستاذة‭ ‬زهرة”‭ ‬في‭ ‬حب‭ ‬“أستاذ‭ ‬يوسف”،‭ ‬وهي‭ ‬مسلمة‭ ‬وهو‭ ‬مسيحي،‭ ‬وفي‭ ‬واقع‭ ‬الأمر‭ ‬هناك‭ ‬صداقة‭ ‬نشأت‭ ‬بينهما‭ ‬فقط‭ ‬منذ‭ ‬فترة،‭ ‬لأنهما‭ ‬جيران،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تطورت‭ ‬علاقتهما‭ ‬لصداقة‭ ‬قوية،

لتنشأ‭ ‬الحبكة‭ ‬الرئيسية‭ ‬حول‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬بالمدرسة‭ ‬والفرقة‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬بسبب‭ ‬هذه‭ ‬الصداقة‭.‬

وفي‭ ‬حوار‭ ‬غنائي‭ ‬مدهش‭ ‬وإستعراضات‭ ‬رمزية‭ ‬دخلت‭ ‬أجواء‭ ‬العرض‭ ‬حول‭ ‬تجميع‭ ‬شتات‭ ‬الطلبة‭ ‬الذين‭ ‬حدث‭ ‬بينهم‭ ‬فرقة‭ ‬بسبب‭ ‬إشاعة‭ ‬قصة‭ ‬الحب‭ ‬الممنوع،‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬اسم‭ ‬المدرسة،‭ ‬“الوحدة”،‭ ‬وحتى‭ ‬تكونيات‭ ‬المجاميع‭ ‬التي‭ ‬أجاد‭ ‬إدارتها‭ ‬المخرج‭ ‬عصام‭ ‬السيد‭ ‬وتوحي‭ ‬برمزيات‭ ‬رسالتها‭ ‬مثلما‭ ‬شاهدنا‭ ‬الطالب‭ ‬المتطرف‭ ‬ومعه‭ ‬أفكاره‭ ‬التي‭ ‬تجسدت‭ ‬في‭ ‬أشخاص‭ ‬يرتدون‭ ‬السواد،‭ ‬ووجودهم‭ ‬حوله‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬المسرح،‭ ‬وكأن‭ ‬التكوين‭ ‬يقول‭ ‬أن‭ ‬التطرف‭ ‬لن‭ ‬ينتهي،‭ ‬لكن‭ ‬بيدنا‭ ‬أن‭ ‬نجعله‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬الصورة‭ ‬بعيدًا‭.‬

وأيضا‭ ‬أبدع‭ ‬في‭ ‬توليفة‭ ‬إعادة‭ ‬تمثيل‭ ‬“روميو‭ ‬وجولييت”‭ ‬بين‭ ‬فريقي‭ ‬التلاميذ‭ ‬الذين‭ ‬أنغمسوا‭ ‬بحب،‭ ‬وكأن‭ ‬الفن‭ ‬والحب‭ ‬علاج‭ ‬سحري‭ ‬لاحتواء‭ ‬تلك‭ ‬الظواهر‭ ‬السلبية‭ ‬من‭ ‬تزمت‭ ‬وتعصب،‭ ‬مهما‭ ‬اختلفت‭ ‬العقائد‭.‬

قدم‭ ‬علي‭ ‬الحجار‭ ‬أحد‭ ‬أجمل‭ ‬أدواره‭ ‬على‭ ‬المسرح،‭ ‬وكان‭ ‬لسحر‭ ‬أدائه‭ ‬وغنائه‭ ‬دور‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬وصول‭ ‬الرسالة،‭ ‬مع‭ ‬أحمد‭ ‬شعتوت‭ ‬وشيرين‭ ‬حجازي،‭ ‬وشعتوت‭ ‬وضع‭ ‬الموسيقى‭ ‬والألحان‭ ‬لاستعراضات‭ ‬شيرين‭ ‬حجازي،‭ ‬وأستطاعا‭ ‬المزج‭ ‬بين‭ ‬الألحان‭ ‬والاستعراضات‭ ‬والأحداث‭ ‬لكل‭ ‬الشخصيات‭ ‬بشكل‭ ‬مميز‭ ‬للغاية،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬تميز‭ ‬ديكور‭ ‬محمد‭ ‬الغرباوي‭.‬

كان‭ ‬هناك‭ ‬تألق‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬الفنانين‭ ‬رانيا‭ ‬فريد‭ ‬شوقي‭ ‬وميدو‭ ‬عادل‭ ‬وعزت‭ ‬زين‭ ‬ودنيا‭ ‬النشار‭ ‬وطارق‭ ‬راغب‭ ‬والمطربة‭ ‬المفاجأة أميرة‭ ‬أحمد‭.‬

تحت‭ ‬شعار‭ ‬“بص‭ ‬للعالم‭ ‬بقلبك”،‭ ‬يبقى‭ ‬عرض‭ ‬“مش‭ ‬روميو‭ ‬وجولييت”‭ ‬مغامرة‭ ‬فنية‭ ‬متفردة،‭ ‬خاصة‭ ‬أنه‭ ‬عمل‭ ‬يرسخ‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية،‭ ‬للمساهمة‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬المجتمع،‭ ‬وخلق‭ ‬جيل‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬تحديات المستقبل‭.‬

;