كتب: أحمد عبدالمعطي حجازي
باعتباره احد التلاميذ المقربين من شاعرنا الكبير أحمد عبد المعطي حجازي، والناقد المطلع بعمق على منجزه الإبداعي الشاهق يقدم د. رضا عطية مقترحا من أجواء الاحتفال بتسعينية ميلاد شاعرنا الفذ، ويدعو عبر هذه الصفحة إلى اختيار «حجازي» شخصية لمعرض الكتاب في دورته المقبلة ٢٠٢٥ كبداية لتقليد جديد يحتفي بأفذاذنا الأحياء، وهم على قيد الحياة، ولا نقتصر على الراحلين فقط كما تعودنا أن نفعل، ونحن نضم صوتنا إليه اعتزازا بشاعرنا الكبير، ومسيرته الشعرية الخصبة، وانحيازا إلى فكرة تكريم النوابغ أحياء، وألا ننتظر رحيلهم عن دنيانا حتى نحتفي بهم.
جاء حضور الشاعر المصري الكبير أحمد عبد المعطي حجازي كموضوع السؤال الرئيسى في امتحان البكالوريا فى المغرب هذا العام بأربع عشرة نقطة من إجمالي عشرين نقطة هي درجات الامتحان حدثًا مهمًا ولافتًا ومحركًا لشجون كثيرة ومثيرًا لقضايا مهمة وباعثًا لتساؤلات ضرورية تخص ثقافتنا ونظامنا التعليمى معا، خصوصًا أنها ليست المرة الأولى أن التى يكون فيها حجازى موضوعًا لامتحان البكالوريا المغربية، وحينما نجد أن المغرب تقرر لحجازى اثنتى عشرة قصيدة فى مرحلتى التعليم الإعدادية والثانوية بينما تغيب قصائده وقصائد رفاقه من شعراء الحداثة المصريين الكبار كصلاح عبد الصبور وأمل دنقل، الذين تصدروا المشهد الشعرى والثقافى المصرى والعربى منذ خمسينيات القرن العشرين حتى الآن عن مقرراتنا التعليمية، ومن الغريب أنه بينما تقرر المغرب على طلابها فى مرحلة البكالوريا ثلاث روايات لنجيب محفوظ فإنَّ مقررات التعليم فى مصر تخلو من تدريس رواياته.
ومع ابتعاد برامجنا التعليمية عن نصوص عظماء أدبائنا المعاصرين تبقى المؤسسات الثقافة هى الملاذ الأخير وآخر حائط صد جمالي. نحتاج دورًا أكثر فاعلية للثقافة ومؤسساتها تعويضًا عن قصور برامج التعليم وخصوصًا مقررات اللغة العربية.
كم أن نحتاج أن نستثمر كنوزنا الثقافية ورموزنا الملهمة وأن نفيد من وجودهم بيننا، وأحمد عبد المعطى حجازى كبير شعرائنا المصريين، أحد أبرز أعلام ثقافتنا المصرية والشاعر العلامة، صاحب الاسم الكبير والإسهام الوفير فى نهضة الشعر العربي وتحديث مساراته بما قدمه حجازي من دور ريادى وإنجاز طليعي فى البناء التأسيي لشعر التفعيلة العربية.
أمسى حجازي بشعره حاضرًا برسوخ فى وجدان الثقافة العربية بعد قصائده التي مهما تشعبت أفاقها وتنوعت موضوعاتها إلا أنَّها شكلت سفرًا جماليًّا حالمًا دائمًا وأبدًا بيوتوبيا ينشدها وعالم مثالى يصبو إليه. حجازى الذى أبدع قصائد أضحت أنشودة تتغنى بنضالات الشعوب العربية فى الجزائر كما فى ديوانه «أوراس» والمغرب وفلسطين ولبنان والعراق وسوريا، ما جعل شعره أغنية جمالية للقومية العربية، الشاعر الذي عبَّر جماليًّا عن هموم الإنسان الوجودية، بقصائد خالدة كقصيدته العظيمة «مرثية لاعب سيرك» التى أبدعها فى العام 1966، ويقول فى مطلعها: (فى العالم المملوءِ أخطاءَ/ مُطالبٌ وحدكَ ألا تخطئَا/ لأنَّ جسمَكَ النحيلْ/ لو مَرةً أسرعَ أو أبطأَ/ هوى، وغطى الأرضَ أشلاءَ!) فجمع حجازى بين الرؤية الفلسفية لأزمة الإنسان/ المثقف/ الشاعر ومأزقه الوجودي، والتمثيل الأليجورى فى تشكيل تصويرى يمثِّل للإنسان أو المثقف أو الشاعر بلاعب السيرك في مغامرته الخطيرة التي قد يدفع ثمنًا فادحًا لها، فشعر حجازي يلامس جوهر النفس الإنسانية ما يكفل له نضارة فنية وطزاجة متجددة تتجاوز الموقف الذى ارتبط به وانطلق منه كما في قصيدته الفارقة عن معركة شدوان أثناء حرب الاستنزاف التي قول في أحد مقاطعها: (يتشبّث الدمُ بالترابِ، وتنشبُ الأعضاءُ صورتها على صدرِ الحُفرْ/ يتزواجُ الدمُ والوعورةْ/ يتزواجُ الدمُ والخطرْ!) في لوحة ترسم استمساك الدم بتراب الأرض، حتى ينتقل من التعبير عن بسالة المقاتل المصرى إلى تشريح أزمة الذات الجماعية التى أفضت إلى النكسة: (لا!/ نحن لم نعشقْ، ولم نعرفْ سوى الحبِّ الضرورة/ والعيشِ والموتِ الضرورة/ ننزو بلا شغفٍ،/ كما تنزو الثعالبُ فى البرارى والأرانبُ فى الحظيرةْ/ وننام فى أعضائنا المرضى الكسيرة/ ونموت، نسرق غفلةً، دون اختيارْ/ فاثبت على أرض الجزيرةْ/ اثبت على الأرضِ التى منحتْكَ مملكةً، وجرّب لفظة الرفض النبيل/ قل «لا» هنا،/ لتقولها فى كلِّ مملكةٍ سواها). فما بين لا نافية تكشف عوارًا فى الشخصية الجمعية ولا أخرى استنهاضية رافضة، يشخص الخطاب الشعرى الحجازى أزمة الذات الجمعية التى أفضت إلى هذه النكسة من سطحية المشاعر واستهلاكيتها والانزواء من مواجهة نقائصنا، لتكون هذه الـ«لا» منهجًا تصحيحيًّا لإعادة بناء ممالك قائمة على أساس سليم.
كان حجازى وبقى الشاعر العلامة والمثقف الملتزم بقضايا وطنه، مدافعًا عن مصريتنا ضد اجتياح الظلاميين للمجتمع، وكم تعبِّر قصيدته عن المفكر التنويرى فرج فودة عن القيمة التنويرية لشعر حجازي، فيقول فى مطلعها: (دمُه الذى أُهْرِيقَ فى أقصى المدينةِ، وردةٌ/ قامت من الرملِ الذى مَطَرَ البلادْ/ دمُه دمُ الطَّمْيِ المعَذَّبِ تحت عصفِ الريحِ،/ صرختُنا الأخيرةُ،/ جرحُنا المفتوحُ فى هذا السوادْ/ دمُه من الشمسِ الأسيرةِ خُصلةٌ من شَعْرِهَا/ شفقٌ على سورِ المدينةِ راعفٌ قانٍ/ يردُّ ظلامَ يأجوجٍ ومأجوجٍ،/ تألُّقُ جمرةٍ ياقوتةٍ/ ستظلُّ تشهقُ فى الرمادْ/ إلى نهايةِ ما يكونُ من الخرابِ،/ إلى القيامةِ والمعادْ!) فتضع الصياغة التصويرية الحجازية الدم المشبَّه بوردة فى مواجهة الرمل رمز البداوة والتخلف الفكرى والرجعية، وتربط الدم رمز الخصوبة والنماء فى مواجهة عصف الريح الذى يرمز لاجتياح الخراب وفعل الهدم.
كم تحتاج ثقافتنا المصرية أن تستثمر كنزًا إبداعيًّا بقيمة أحمد عبد المعطى حجازى بمثل التقدير العربى الكبير له، لذا أجد من الوجاهة أن تختار الدورة القادمة لمعرض القاهرة الدولى للكتاب 2025 أحمد عبد المعطى حجازى ليكون شخصية المعرض الرئيسية بمناسبة بلوغه التسعين العام القادم بإذن الله، خصوصًا أن اختيارات شخصيات معرض القاهرة تقع على الراحلين دونما استثمار لمن بقى من رموزنا الفكرية وأعلام ثقافتنا على قيد الحياة، ومع تسنم الوزير الدكتور أحمد هنو قيادة الثقافة المصرية الذى نعقد عليه كثيرًا من الآمال فى تجديد دماء الجسد المؤسسى للثقافة المصرية وإطلاق مبادرات تنعش العمل الثقافي، نتمنى منه أن يكون من أولويات وزارة الثقافة أن تستثمر وجود كبار مبدعينا ومفكرينا فى أحداثها الكبرى.
فاشون| كوليكشن «أميرة» لصيف ٢٠٢٦.. جرأة وبهجة
فاشون| بيوت تحت «الضغط» وصفة لمواجهة «بعبع» الامتحانات
منة شلبى وحمزة العيلى.. محمد سامى ويسرا







