حكايات| عملاق الفكر مع القرد والثعلب وفرس النهر.. حديقة حيوانات في منزل «العقاد»!

عباس العقاد
عباس العقاد


■ قراءة: أحمد الجمَّال

قبل نحو 62 عامًا حدثت واقعة طريفة كان بطلها المفكر الكبير عباس العقاد (1889-1964)، وعشرين من تلاميذه، حين قرّر فى عام 1928 أن ينقل ندوته من «جزيرة الشاي» فى حديقة الحيوانات بالجيزة إلى منزله، بسبب إقبال الكثيرين إلى مكانه فى الحديقة، وتحوُّل الجلسة إلى خلية نحل من كثرة المتحدثين، لكن تلامذة الأستاذ انتقلوا وراءه إلى بيته، فرأى العقاد أن يجعلوا من أنفسهم حيوانات حديقة، وبالفعل تم اختيار اسم «حيوان» لكل واحد منهم يشبهه فى الشكل والطباع.. الحكاية بتفاصيلها نشرها الكاتب الصحفى محمد نصر فى «آخرساعة» عام 1962، وبمناسبة الذكرى 135 لميلاد العقاد التي حلت قبل أيام نعيد نشرها في السطور التالية بتصرف محدود:

بعد العام الثاني والسبعين من عمر العقاد، وقبل أن ينتهى الشهر الأول من عامه الثالث والسبعين، أصدر أربعون من تلاميذه كتابًا عنه.

أربعون من رواد الفكر الحديث كرموه فى كتاب.. أربعون شاعرًا وأديبًا وفيلسوفًا اجتمعوا منذ عام أو أكثر واتفق رأيهم على إقامة حفلة تكريم لأستاذهم.. حفلة تكريم من نوع جديد، ليس فيها تورتة ولا جاتو ولا شاى، وإنما فيها اعترافات صريحة بفضل أستاذية عملاق الفكر عليهم، وابتهالاتهم بأن يطيل الله فى عمره.

ماذا يرى التلاميذ فى أستاذهم؟ وما رأى الأستاذ فى تلاميذه؟ إن الكتاب الذى يقع فى أكثر من ثلاثمائة صفحة يعترف فيه التلاميذ والكبار بأنهم ينظرون إليه بعيون الولاء.. وفى الناحية المقابلة كثيرون ينظرون إليه بعيون العداء.. أما هؤلاء الأولياء فإنهم سرعان ما يكشفون عن مبررات حبهم له.

وحينما يتناول الدكتور زكي نجيب محمود، العقاد كشاعر نراه يتناول الموضوع من زاوية فلسفية عميقة، ويكفى أن نقرأ له هذه العبارة: «البصر الموحى إلى البصيرة، والحس المحرّك لقوة الخيال، والمحدود الذى ينتهى إلى اللا محدود.. ذلك هو شعر العقاد، بل ذلك هو الشعر العظيم كائنًا منْ كان صاحبه».

ويستشهد على ذلك بقول العقاد: «والشعر من نفس الرحمن مقتبس.. والشاعر الفذ بين الناس رحمن».

ويتصوّر العقاد بأنه يحمل فى يده قلمًا يشبه أزميل النحات، يصوع به من الصوان أفكارًا عميقة ليس من السهل تشكيل مبادئها لعمقها وسمو فكرتها.

ويعرض الدكتور عثمان أمين للحيوانية فى أدب العقاد، ومن بعدهما عبدالرحمن صدقى، وكامل الشناوى، وأنيس منصور، وعزيز أباظة، والعوضى الوكيل، والتونسى، ويمضى الطابور الطويل من التلاميذ يروى طرفًا من تجاربه الخاصة مع أستاذه.

◄ في حديقة الحيوانات

وعندما نسأل العقاد الرأى فى تلاميذه القدامى، الذين شهدوا معه معارك الشباب واشتركوا فيها، تعرف أنه قبل ثلاثة وثلاثين عامًا، فى عام 1928 كان العقاد يترّدد على «جزيرة الشاى» فى حديقة حيوانات الجيزة، وكان يصاحبه فى ذلك الحين بعض أصدقائه من الأدباء والفنانين.. كان لكل منهم شأن كبير فى فنه.. فى أدبه.. منهم الموسيقى والرسام والمصوّر والممثل والشاعر.

◄ خلية نحل

أيامها عرف الكثيرون مكانه المفضل في الحديقة، فبدأوا يترددون عليه، وتوافد على الندوة عشاق الأدب، ثم يحدث كل شىء فجأة.. العقاد يكتشف أن الندوة تحوّلت إلى خلية نحل لكثرة المتحدثين فيها.

آثر العقاد يومها أن ينتقل إلى منزله.. أن يحتجب.. ولكن أعضاء الندوة لم يعجبهم الموقف، فقرروا أن يجتمعوا فى منزله بدلًا من حديقة الحيوان، وعندما أخذ بعضهم يقارن بين الاجتماع فى المنزل والاجتماع فى الحديقة، ورأى العقاد أن يجعلوا من أنفسهم حديقة حيوانات، وكان على المرحوم الفنان أحمد صبرى أن يضع كلًا من أعضاء الندوة فى قفص، وضع نفسه فى قفص واحد مع الشاعر طاهر الجبلاوى وسماه «قفص النسانيس» لأن الجبلاوى أيامها كان نحيفًا. وبعد أن وضع كلا فى مكانه، اكتشف العقاد أن الشاعر العوضى الوكيل كلما جلس على كرسى تركه إلى آخر، فسماه «فأر الحديقة».

◄ أسطورة أورفيوس

وانتشر نبأ حديقة الحيوانات التي انتقلت إلى بيت العقاد وعُرِف أن العقاد أطلق على كل واحد من رواد ندوته اسم حيوان يلاحظ فى اختياره اتفاق الشبه فى الملامح والعادات وقد جمعها الفن كما كان أورفيوس الذى سجلت اسمه الأساطير اليونانية، ونقلت عنه أنه كان يجمع الأحباء حين يغنى ويعزف فتقبل عليه من كل فصيلة وهى لا تشعر بخوف أو تهم بعدوان.

◄ قال لي العقاد:

كان عددهم فى ذلك الحين يبلغ نحو عشرين، وكان لكل منهم اسم خاص يتفق وملامح وجهه وحركاته حتى أنا أطلقت على نفسى اسم «الزرافة»، والمرحوم أحمد صبرى «القرد»، ومحمد حسن الشجاعى «ســـيد قشــــطة»، ومحـــمـــد رفعـــت «الأرنب»، وصــــلاح طــــاهر «الثعلب»، وحامد سعيد «أبو مركوب،» وعلى أدهم «الضبع»، وعبدالرحمن صدقى «البطريق»، وأحمد علام «الفهد»، وعصام ناصف «الدب الروسى»، والدكتور أبوطايلة «القنفد»، والسيد القدرى «الجدى»، والعوضى الوكيل «فأر الحديقة».

◄ وعندما سألت العقاد: ما رأيك الآن فى الشجاعي؟

• قال: لا مثيل له فى فنه.

◄ وتلميذك عبدالرحمن صدقي؟

• فنان مطبوع.

◄ من نوادر الأستاذ

قلت لعبدالرحمن صدقي، أو «البطريق» كما يسميه العقاد: وماذا تذكر الآن عن أستاذك بعد أن أصبحت أنت الآخر أشيب الشعر؟

◄ وسمعت قهقهة عالية تنطلق من فمه وهو يقول:

ـ إن قلبى لا يزال شابًا، وذاكرتي لا تزال تحفظ لأستاذى هذه القصة أو النادرة وهى نموذج لمئات النوادر التى تروى عنه: ذات ليلة فى محل «سولت» وقد تحلقت حول العقاد حلقة من الذين يجلونه ويكبرون قدره، وكل شىء فى المكان مشرق بهيج يدعو إلى الانشراح وهو نفسه منشرح الخاطر جاء ذكر مقاله المنشور فى الليلة السابقة عن السودان.

وكان ذلك على ما أذكر فى جريدة «الأهالى» سنة 1922، أيام كان يتولى تحريرها الكاتب الكبير المرحوم عبدالقادر حمزة، ومن قبل أن تستفيض شهرة العقاد فى الكتابة السياسية وحملاته القوية بين الخاصة والعامة على نحو ما استفاضت بعد ذلك، وكان بين الحضور شاب لم يجلس إلينا قبلها، فما إن علِم الشاب أن كاتب المقال هو الجالس بقربه حتى رفع إليه نظره إجلالًا وقال: «هذا مقال بديع، حضرتك كاتبه؟».

فتشاغل العقاد ممتعضًا، فأجبنا عنه دون أن يلحظ الشاب امتعاضه، فلما انصرف احتد العقاد متبرمًا ناقمًا: «لم يعرفنى حضرته إلا من مقالة البارحة»..

وآلمته الحادثة، ونغصت عليه انشراحه برهة، وهذا ما يؤكد أن العقاد من «الفصيلة السريعة الانفعال» كما يدعوهم سلفهم الرومانى الشاعر هوراس.

(«آخرساعة» 10 يناير 1962)