الثلاسيميا أو أنيميا البحر المتوسط، واحدة من الأمراض الوراثية التى تؤثر بشكل كبير في صحة الأطفال المصابين بها، وتجعلهم يواجهون معاناة يومية نتيجة لنقص الهيموجلوبين في الدم.
هذا المرض، الذي ينتشر بشكل أكبر في المناطق المحيطة بالبحر المتوسط، يمثل تحديًا كبيرًا للأطفال وأسرهم، حيث يحتاجون إلى رعاية طبية مستمرة وعلاجات منتظمة، وتعكس معاناة هؤلاء الأطفال الحاجة الملحة إلى التوعية بالمرض ودعم البحوث الطبية لتحسين سبل العلاج وتخفيف الأعباء عنهم. فى هذا التحقيق تلقى «آخر ساعة» الضوء على معاناة الصغار المصابين بهذا المرض مع استطلاع آراء الأطباء المختصين للتعرف على أهم طرق التعايش والعلاج للحد من أعراض المرض وانتشاره.
◄ الأمهات يطالبن بفلاتر لنقل الدم والتوعية تحد من انتشار المرض
◄ أستاذ أمراض دم: نسبة حاملي المرض مرتفعة ونحتاج لجهود كبيرة للقضاء عليه

■ الفحوصات الدورية مهمة لتجنب المضاعفات
تروى فايزة حكايتها مع طفلها المصاب بأنيميا البحر المتوسط، حيث بدأت المأساة عندما اكتشفوا المرض عند ابنها وهو في عمر سنة ونصف: «جاء ابنى بعد عشر سنوات من عدم الإنجاب، واكتشاف المرض كان صدمة كبيرة لي، وبدأت رحلة العلاج بنقل الدم كل ثلاثة أسابيع، وكان ذلك مرهقاً لى وله، لكن كنت أحاول جعله يتأقلم مع الواقع الذي كتبه الله له».
وتضيف: الأمر الأكثر إيلاماً هو التنمر الذى يتعرض له ابنى وشعوره بأنه ليس طفلاً طبيعياً، مما يؤثر فى نفسيته، لذلك أحاول دائماً تحسين معنوياته وأن أكون معه فى تناول الأدوية والالتزام بالعلاج، وأحرص على أن يتقبل هذا كجزء طبيعى من حياتنا برغم أن العلاج لن يشفيه تماماً، لكنه يساعده على الشعور بأنه يقوم بما يجب عليه».
وتواصل فايزة سرد قصتها: «ابنى الآن يبلغ من العمر 14 عاماً، وينقل الدم بشكل دورى، مما يؤثر فى حضوره المدرسى ويؤدى لتليّف الأوردة وصعوبة فى عضلاته بسبب تراكم الحديد، بجانب العلاج، يتناول أدوية للكالسيوم ومكملات غذائية لتخفيف الأعراض. موضحة أن العلاج النهائى هو عملية زرع نخاع، ولكنها غير ممكنة حالياً لأن الابن يحتاج أن يأخذ النخاع من أخيه الصغير، وهى لا تستطيع المخاطرة بكليهما.
وتختتم حديثها عن الاحتياجات الملحة للأطفال المصابين بأنيميا البحر المتوسط، مثل توافر فلاتر أكياس الدم لتجنب الحساسية والحمى، وتوفير الأدوية الضرورية التى غالباً ما تكون ناقصة فى بعض المناطق، كما تطالب بضرورة تنظيم حملات للتبرع بالدم وتوفير العلاجات المكلفة.
◄ المعاناة من الصغر
أما ميرفت يكن، فهى مصابة بمرض الثلاسيميا من النوع المستقر الذى لا يتطلب نقل دم، وتسرد حكايتها مع المرض منذ طفولتها، حيث تم اكتشاف مرضها عندما كان عمرها 6 أشهر، وهى حاليا فى عمر 36 عاما، وتواجه ميرفت تحديات عديدة منها معاناتها منذ صغرها من صعوبات فى التركيز وعدم القدرة على اللعب كبقية الأطفال فى سنها، بالإضافة إلى ضعف القدرة على بذل أى مجهود.
وتقول إن المشكلة الرئيسية التى تواجهها هى تراكم الحديد فى الجسم، والذى يتطلب دواء خاصًا للتخلص من الحديد الزائد، مما يجعل من الضرورى الاستمرار فى العلاج بانتظام للحفاظ على حياتها سليمة، ولأن حالتها من النوع المستقر فقد لا تظهر حالتها بدقة فى تحاليل الدم مما يجعلها تتطلب إجراء رنين مغناطيسى مرتين سنويًا بتكلفة 4000 جنيه للتأكد من حالتها المرضية والحصول على العلاج، مما يجعلها تطالب بضرورة توفير الأدوية بسهولة لمرضى الثلاسيميا، بعيدًا عن الاضطرار لإجراء الرنين المغناطيسى بشكل متكرر لما له من آثار سلبية على الجسم، والذى يوضح نسبة مخزون الحديد فى الجسم وبالتالى يتم صرف الدواء على أساس ذلك، وتطالب ميرفت بتوفير الرعاية الصحية اللازمة والدعم لضمان حياة أفضل للمرضى الذين يعانون من هذا المرض المزمن.
◄ الحال في مصر
من جانبها، تقول الدكتورة آمال البشلاوي، أستاذة طب أمراض الدم ورئيسة الجمعية المصرية لأصدقاء
مصابي الثلاسيميا، إن أنيميا البحر المتوسط هى أنيميا وراثية بصفة متنحية، بمعنى أن الإنسان يجب أن يحمل جينات تحمل المرض من الأم والأب ليصاب به، أما إذا كان الشخص يحمل جينًا واحدًا، فإنه يكون حاملًا للمرض فقط ولا يعانى من أى أعراض سوى نسبة بسيطة من الأنيميا.
وفي مصر، نسبة حاملى المرض، كما تم تحديدها فى 5 محافظات تتراوح بين 5.5% و9%، ما يعنى أن هناك أطفالا كُثرا مصابين بالمرض حتى وإن لم يكن زواج الأبوين من الأقارب، علماً بأنه لا شك بأن زواج الأقارب يزيد من نسبة الحدوث.
◄ اقرأ أيضًا | لاتقتصر على الأمهات.. دراسة تكشف تأثير الآباء على صحة أطفالهم
◄ مسألة جينات
وتوضح أنه يمكن أن تكون الإصابة بهذه الأنيميا متوسطة أو شديدة، حسب الجينات الموروثة من الأبوين، ففى حالة الإصابة المتوسطة، لا يحتاج الطفل أو المريض إلى نقل دم إلا فى حالات الضرورة القصوى مثل فترة الحمل والولادة للسيدات المصابات أو أثناء إجراء العمليات الجراحية، أو فى حالة وجود نقص فى النمو أو تغير فى ملامح الوجه للطفل، وتحتاج هذه الحالة لتناول أدوية الفيتامينات بانتظام.
أما الأنيميا الشديدة فتتضمن أعراضها اصفرارا فى وجه الطفل، أنيميا منذ السنة الأولى فى حياته، قلة النمو، فقدان الشهية، وتضخما فى الكبد والطحال مع تقدم السن، ويعتمد الطفل فى هذه الحالة على نقل الدم المستمر كل 3 إلى 4 أسابيع، مما يؤدى إلى ارتفاع نسبة الحديد فى الجسم وتراكمه فى الكبد، أو الغدد النخامية، أو البنكرياس. مما قد يتسبب فى أمراض مزمنة كأمراض الكبد والسكرى، ويمكن للطفل أن يتمتع بحياة جيدة إذا لم تقل نسبة الهيموجلوبين عن 9 جرامات، مع المتابعة الطبية الدورية والتحاليل والفحوصات لضبط نسبة مخزون الحديد وتناول العلاجات المناسبة.
وتحدثت د. آمال إلى أنه يمكن الشفاء التام من المرض عن طريق زرع نخاع للطفل من أحد أشقائه المتوافقين معه فى الأنسجة، ويحقق ذلك 80-85% من النجاح فى تحسين حياة المريض.
كما يمكن اللجوء للعلاج الجينى حيث يتم تغيير جين أنيميا البحر المتوسط بالجين الطبيعى باستخدام بعض التقنيات الصناعية لمعالجة كرات الدم الحمراء للمريض لتفرز هيموجلوبين طبيعياً.
◄ الوقاية
وتشير أستاذة أمراض الدم إلى أنه يجب اتباع طرق فعالة لمنع انتشار هذا المرض، من خلال التوعية بخطورة المرض بطرق مشابهة لما تم استخدامه فى القضاء على البلهارسيا والفيروس الكبدى سى، ومن الضرورى إجراء فحص قبل الزواج لتحديد حالة الطرفين قبل الاستعداد للزواج، ويمكن تحقيق ذلك من خلال توعية طلاب المدارس بشكل مبكر لتجنب إنجاب أطفال يحملون المرض.
مع حل المشاكل التى تواجه مرضى أنيميا البحر المتوسط، حيث إن بعض الأدوية المهمة لإنزال الحديد الزائد من الجسم تكون غير متوافرة أو غير كافية فى بعض الأماكن، وأحياناً تكون البدائل غير فعالة بالشكل المطلوب، وأيضا عدم توافر الدم الكافى بالمجان، مما يتطلب زيادة التوعية بثقافة التبرع بالدم وفوائده على تجديد الدم وصحة الجسم عموما.
ويجب العلم أنه لمنع انتشار المرض بين الأبوين الحاملين للمرض، يمكن إجراء تحليل للجنين داخل الرحم فى الأسبوع الثانى عشر لتحديد حالته، وإذا كان الجنين سليماً، يمكن الاحتفاظ بدم الحبل السرى لاستخدامه لاحقاً لعلاج أخيه المريض بدلا من نقل النخاع بشرط التوافق بينهما.
◄ التعايش
فيما تؤكد الدكتورة رضوى شاهين، مدرس مساعد التغذية وعلوم الأطعمة بجامعة عين شمس، على أن
العلاج الغذائى يلعب دورا هاما فى حياة المرضى المصابين بالثلاسيميا المتوسطة والشديدة، حيث يفضل عدم الإكثار من تناول الأطعمة الغنية بالحديد كالكبد والطحال واللحوم الحمراء والدجاج والعسل الأسود والبلح والتفاح والرمان خاصة الحالات التى تستدعى نقل الدم.
بالإضافة لتجنب الأطعمة التى تساعد على تكسير كرات الدم الحمراء كالفول المدمس، لأن قشرته تحتوى على مواد تساعد على تكسيرها وفى حالة الرغبة فى تناوله يجب إزالة القشرة أولا، مع ضرورة تناول المشروبات التى تقلل من امتصاص الحديد كشرب الشاى بعد تناول الطعام مباشرة، والاهتمام بتناول الأطعمة البروتينية لأنها هامة جدا للنمو والتطور، ولأن الأطعمة البروتينية تحتوى على نسبة عالية من الحديد، فيفضل تناول البيض والزبادى والفاصوليا وزبدة الفول السودانى والمكسرات والجبن لاحتوائها أيضا على الكالسيوم وفيتامين د، لأن بعض المشاكل الثانوية التى تنتج عن المرض تؤثر على تكوين العظام، وأخيرا الاهتمام بتناول الخضراوات والفواكه لمحتواها العالى من الفيتامينات ومضادات الأكسدة خاصة أن من سمات المرض نقص العديد من المغذيات بالجسم مع شرب كميات كافية من الماء.

«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







