قلب يخفق له.. وقلب يرفق بالعالم

اللوحات للفنان: عبد المنعم معوض
اللوحات للفنان: عبد المنعم معوض


ويقول إننى جلفة كـ «جاك نيكلسون» أمرُّ خفيفة كالظل شاحبة كالذكرى أتأرجح كرائحة الكرز البرِّى أنسى الوجوه والأسماء والتواريخ ومواعيد الدواء
ومن نسينى من أحبَّائى القدامى
دون أن أنسى الابتسام
وحين أحزن
أهرب لأقرب فيلم كوميدى لأضحك 
أحب «ذا سيمبسونز»
وحبيبى الذى أضحك معه كثيرًا
وعندما يُغضبنى
أشتمه وأتخلى عنه لأول بائعة هوى فى الطريق
ثم أعود لأخطفه عن عتبتها
ربما، كنت أحمل اسمى كسوء طالع
كما تقول العجائز
لكنى لم أعلم أبدًا أننى مملَّة 
كما يقول لى ابنى. 
له وحده يخفق القلب
مذ كبر وغادرنى ليواجه العالم وحده
صرت أراه فى كل الوجوه
فى وجه النادل الفتى المرتبك
وهو يقف إلى جانبى بانتظار الطلب
وهو يحمل الصحون ويتجنب شقاوة الأطفال فى طريقه
ويفزَع قلبى عليه حين تفلت منه شوكة ويرن صوتها مدويًا على الأرض
فى وجه فتى السوبر ماركت
وهو يساعدنى على حمل أغراضى
وخجلى من الدراهم القليلة التى أدسها فى يده
فى وجه الشاب بائع الخضار على الطريق
فى وجه عامل المحطة الواقف تحت الشمس وبين أبخرة المحروقات
فى وجوه طلاب الجامعات بعيونهم المؤرقة
وفتيان المقاهى بانتظار حبيبات يخلفن الوعود
وعمال حفريات أكلت المعاول طفولتهم
فى خجل فتى التوصيل الذى تأخر ساعة عن الموعد
أنسى غضبى وأبتسم له
لعل أحدهم يبتسم لولدى هناك
أحنو عليهم هنا
ليحنو أحدهم عليه هناك
أخفض صوتى
لئلا يصرخ أحدهم فى وجهه هناك
مذ كبر وغادرنى
صرت أربى جناحى لعل ظلهما يطاله
وصار لى قلبان
قلب يخفق له
وقلب يرفق بالعالم.
سيكون العالم طيبًا معى
سيسامحنى العالم حين أمرُّ قربه من دون أن أتعرف إليه
سيسامحنى لأننى فى خروجى العجِل
نسيت نظارتى الطبية فى البيت
ولم أعد أذكر تفاصيل وجهه
نسيت رائحة عطره
نسيت مشيته المتباهية
ونسيت أننى هرمت
وصار لزامًا علىَّ أن أتعكز على صرير مفاصلى
فلا أميَّز نبرة صوته
سيسامحنى ويساعدنى على قطع الطريق
فهو يعرف خوفى المزمن من السيارات
ولأنه يعرف أننى أحب الكستناء
سيشترى لى حرزًا كبيرًا
نأكله معًا على مقعد فى الحديقة
ونضحك عندما يفلت قلبى المعلَّق بمشبك فى صدرى
المثقل ببقايا عشاق هرموا مثلى
ولم يجدوا عالمًا طيبًا مثله يسامحهم ويشترى لهم الكستناء.
تذكّر قبل أن تنسى
ما زلت تتعثر فى الوصول إلى قلبى
وتلقى اللوم على عمال البلدية
والحفريات فى الطرق
تعلِّق حزنك فوق النافذة ليجف
وتخفى مرارتك بين شقوق قلبك
روحك التى تبكى الغياب
ورائحة المسافات الطويلة
تتمرن على النسيان
لم يبق الكثير لننسى
بعدها سيكون كل شىء على ما يرام
وسنضع شاهدة جديدة لن نذرف فوقها الكثير من الدمع.
معجزة لا تصل
 أنت الذى لا تُميِّز بين قلبك ولوحة المفاتيح
تنتظر معجزة تلقى بك خارج ركنك المعزول
معجزة..
كأن تجد فردة حذائك التى رمت أختك بها كلب الجيران
أو تذكرة باص لن يعود من ذات الطريق
أو ورقة يانصيب رابحة لم تقم بشرائها
أو ربما سيجارة حشيش سقطت سهوًا من أحد رفاق السوء
وتحتار بين أن تضع رأسك فوق الوسادة
أم تحتها..
أن تشرب من زجاجة الماء أم من الصنبور
أن تفتح الباب أم النافذة
أن تنتحر بالسم أم بالسكين
ودون أن تُقرِّر
تنتظر معجزة وحسب..
تسلخ عنك سنواتك الأربعين
تسرِّح لك شعرك
تضع منقوشة الزعتر فى حقيبتك
وترسلك للمدرسة.
درس تشريح عن الحب
لم نحب بعضنا بما يكفى
لنرتكب الحماقات
ونمسح بكراماتنا الأرض
لم يقفز قلبك مرة لمؤخرة رأسك من الغيرة
ولم أحسد نفسى عليك
أهدرت وقتك فى سنِّ الحراب
وأنا فى إقناع نفسى بأن شرب القهوة بكأس الشاى
ضرب من الجنون
كنا باردين كانعكاس وجهى فى عينيك
جلفين كبغل حرون ولوح دراس
ومتأهبين كقنبلة موقوتة وسلاح معمّر
كل الحكاية أننا كنا مقتنعين بأن رأيين أفضل من رأى واحد.