نعم للناس فيما يعشقون مذاهب لكن القاهرة تتفرد بعشق أناس من جنسيات عربية وأجنبية لمست شغاف قلوبهم وعشقوها
الحياة فى ريف زمان تعطيك الفرصة لإطلاق عنان الخيال.. وكانت جلسات أهل الريف لا تخلو من حكايات النداهة التى ندهت على فلانة وقادتها فى الليل البهيم للذهاب للنيل أو الرياح التوفيقى اللذين يحتضان قريتنا التى كانت صغيرة فى ذلك الوقت وأن أحد المارة أنقذها من الموت غرقا بعد أن وجدها تقريبا فاقدة للوعى وتكاد تتوغل فى اليم وعلى رأسها زلعتها والزلعة آنية فخارية لملء المياه معروفة لدى أهل الريف.
وظلت حكايات النداهة تخطف انتباهنا أطفال القرية وفى المرحلة الإعدادية تملكتنى نداهة العاصمة- القاهرة ونيلها ومواويلها وأتوبيساتها-نعم أتوبيساتها ولا يزال بذهنى عالقا حتى الآن أحاديث أصدقاء الطفولة الذين كانوا يقضون جانبا كبيرا من الصيف عند أقاربهم فى العاصمة عن أرقام الأتوبيسات الشهيرة وكنا نجلس أمام حديثهم مبهورين بأتوبيسات القاهرة وأرقامها ووجهتها.
منذ ذلك الوقت وندهتنى القاهرة التى لم أزرها قبل التحاقى بجامعة القاهرة سوى مرة عابرة-رحلة مدرسية ليوم واحد- لم أتمكن خلاله من التمعن فى المعشوقة التى زلزلت أركانى وأصبحت من سكانها الدائمين والتى أتألم لفراقها حتى لمجرد ساعات فى المناسبات أقضيها مع أهلى المقيمين فى الريف.. أصبحت مندوها بزحامها ومطباتها وباعتها الجائلين والأهم منظرها الرائع ليلا والأضواء تتسلل لتنام فى أحضان صفحة نيلها العظيم بل وأفضلها عن جميع مدن العالم التى زرت كثيرا منها فى مهام صحفية طوال مشوارى فى بلاط صاحبة الجلالة ودائما ما أقتبس عبارة للفنان الكبير يحيى الفخرانى فى فيلم خرج ولم يعد: جايلك يا عدوية.
وإحقاقا للحق لم أنتبه لمفهوم النداهة الحقيقى بمعنى الشىء الذى تنجذب إليه تلقائيا وتصبح مشدوها إليه دون أن تدرك تبعاته أو متطلبات التأقلم معه إلا من خلال ملك القصة القصيرة الدكتور يوسف إدريس من خلال قصة النداهة التى تحولت لفيلم سينمائى مبدع بالاسم نفسه بطولة الفنانة ماجدة الصباحى وشكرى سرحان والتى كانت تيمته الأساسية أغنية رائعة للمطربة والممثلة ليلى جمال «شىء من بعيد نادانى» والتى أعاد الكنج محمد منير غناءها بما يظن البعض أنه صاحبها الأصلى.
نعم للناس فيما يعشقون مذاهب لكن القاهرة تتفرد بعشق أناس من جنسيات عربية وأجنبية لمست شغاف قلوبهم وعشقوها بعد الزيارة الأولى ولا تزال تعيش فى أعماقهم ويحرصون على زيارتها سنويا.
تناسخ الأرواح
كثيرا ما يذهب الشخص لمكان ما ولأول مرة ويدور فى ذهنه أنه زار ذلك المكان بكل تفاصيله من قبل.. حدث لى ذلك عندما زرت سيئول عاصمة كوريا الجنوبية فى مهمة صحفية رفقة الدكتور محمود محيى الدين وزير الاستثمار فى ذلك الوقت.. صعدنا للإفطار فى مطعم زجاجى بفندق الإقامة وبصحبتى الزميلة فاطمة إحسان الصحفية بروزاليوسف وزميلى هانى صالح الصحفى بجريدة الجمهورية اللذان لاحظا شرودى وتفحصى لأرجاء المكان باستغراب ودهشة.. أخبرتهما بأننى جئت ذلك المكان من قبل الواجهة الزجاجية وطاولات الطعام وحمام السباحة المطل على المطعم وكذلك الضباب الذى يغطى زجاج المطعم المترامى الأطراف.. كالعادة استقبلا حديثى بالنكات التى يهواها المصريون ويتفنون فيها لكنى أكاد أجزم أننى جئت ذلك المكان من قبل فى زمان ما وأن ذلك ليس حلما فى اليقظة أو المنام.. ولم تكن تلك المرة هى الأولى من نوعها التى أذهب فيها لمكان لأول مرة فى الواقع لكنى أتخيل أننى زرت ذلك المكان من قبل وأعرفه بكل تفاصيله.
كتابات كثيرة تناولت مفهوم تناسخ الأرواح أو تقمص الروح أو إعادة الميلاد أو التجسد والمفهوم الفلسفى له مفاده أن الجوهر غير المادى للكائن الحى يبدأ حياة جديدة فى شكل مادى أو جسم مختلف بعد الموت البيولوجى.. ومعظم المعتقدات حول التناسخ تنظر للروح على أنها خالدة والشىء الوحيد الذى يتلف هو الجسد.. وببساطة مفهوم التناسخ يعنى انتقال الروح من جسد لآخر بعد الموت.
وبغض النظر عن تلك التفسيرات أو المعتقدات فالثابت علميا أن النفس البشرية مثل المحيط الواسع المتلاطم الأمواج تتنازعها قوانين عديدة لأحلام اليقظة أو أحلام المنام وكذلك شطحات الخيال فبإمكانك أن تجوب العالم بأكمله فى ثوان عديدة دون أن تبرح مكانك.. وواقعيا بإمكانك أن تفطر فى القاهرة وتتناول غداءك فى باريس وعشاءك فى نيويورك لكن عائقك الوحيد حتما سيكون: من يدفع الحساب؟ لذا ما علينا إلا الاعتماد على شطحات الخيال فهيا بنا كل يركب حصان خياله.
اسمعونى
كثيرون بيننا من لا يحسن الاستماع جيدا لأى سؤال يوجه إليه وبالتالى وقطعيا لا يحسن الإجابة فالإجابة الدقيقة السليمة تتطلب الإنصات جيدا للسؤال وكذلك التفكر فى تبعات الإجابة والشظايا التى من الممكن أن تصيب وقد تجرح أو تقتل لا قدر الله.
لذا أتألم كثيرا ممن يطلقون على أنفسهم دعاة أو مقدمات لبرامج فضائية ينقصهم التأهيل يجيبون عن أسئلة مهمة لعموم الناس بكلمات مقتضبة تضلل أكثر مما تفيد وقد تترتب عليها تبعات خطيرة خاصة ما يتعلق منها بقضايا الأسرة التى نالها من الخلل الكثير، الأمر الذى انعكس سلبيا على المجتمع من التزايد الرهيب فى حالات الطلاق.
وبدون ذكر أسماء داعية تشغل منصب أستاذة فى الفقه تقول موجهة حديثها للشباب: للشاب قبل الخطبة أن ينظر لأم العروسة لو أمها ممشيه البيت هتبقى زيها.. هذا كلام داعية لكنه يتطابق تماما مع المأثور الشعبى «اقلب القربة على فمها تطلع البنت لأمها».. هكذا تطلق الكلمات دون توضيح لماهية تمشية البيت هل هو بمعنى السيطرة والسطو على دور الأب أم ماذا؟ وعلينا أن نبتعد خاصة المتخصصين فى الفقه عن الكلمات الفضفاضة التى تحمل أكثر من معنى..
حيث نسب للداعية نفسها من قبل عبارات تساهم فى هدم الأسرة وليس رأب صدعها مثل من حق الخاطب رؤية مخطوبته بملابس البيت وحقه فى أن يشوف شعرها وذراعيها وساقيها.. وبغض النظر عن الفقه الواجب حصره فى قاعات الدراسة وليس على الرأى العام فهل مثل هذه العبارات تواكب مجتمعنا الشرقى وماذا يفيد الخاطب أن يرى مخطوبته بملابس البيت بل يمكن أن يكون المردود سلبيا إذا ما اعتبر الخاطب أن فى ذلك إيحاء بالتسيب وعدم الأخلاق وبالتالى نختلق مشاكل لا حصر لها نحن فى غنى عنها وتضر أكثر مما تفيد بل قد تدفع الخاطب لمطالبات أخرى لا يرضى عنها شرع ولا دين.. وكان الأحوط أن نختار كلمات لا لبس فيها وعدم إقحام العامة فى حالات فقهية قيلت فى ظروفها وزمانها وفى حالات محددة ولا يصح التعميم فيها.
مقدمة برامج اتيكيت اشتهرت باتيكيت أكل العنب والمانجو والمحشى جاءت بافتكاسة جديدة تطالبنا بأكل البامية بالشوكة ثم تناول العيش مع أننا تعودنا على أكل البامية بالليمون وكذلك الملوخية بالعيش بطريقة «ودن قطة».. وأخيرا جاءت على الوجبة الشعبية للمصريين «الكشرى» لتقول إن أكله ليس بالملعقة لكن بالشوكة مع أننا تعودنا على أكل الكشرى بالملعقة وأحيانا نضعه فى رغيف العيش.. وتلك الافتكاسات أيضا من شأنها اختلاق مشاكل فى الأسرة خاصة أن مقدمة البرامج ذاتها طالبت من قبل بحق الزوجة فى طلب الطلاق إذا «ما تكرع زوجها».. وعلى طريقة سى السيد أحمد عبد الجواد الشهيرة لزوجته: «هى حصلت البامية والكشرى».
أمامنا تحديات جمة الاهتمام بها أفضل من الاهتمام باتيكيت البامية والكشرى.

السيد النجار يكتب: ومـاذا عن..؟
حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين







