«إهنأ شعب مصر فأنت تملكنا.. تملك السيف تعاقب الأجيال.. تملك من لا يملك إلا روحه.. قد وهبها طوعًا لمقلب الأحوال».. هذه الأبيات من إحدى قصائد الشهيد البطل العقيد أركان حرب أحمد صابر منسي، التى كتبها فى حب مصر وشعبها قبل أن تنتقل روحه إلى بارئها فى مثل هذا اليوم 7 يوليو 2017، بعد ملحمة بطولية سطرها «منسي» ورفاقه فى أحداث الهجوم على كمين البرث بشمال سيناء من قبل جماعات الظلام، الذين اعتبروا الشهيد البطل هو عدوهم الأول، بعد أن قضى على الكثير منهم منذ أول لحظة وطأت فيه قدمه أرض سيناء، وأصبح عائقًا كبيرًا أمام تنفيذ مخططاتهم الشيطانية، الشهيد «منسي» من الذين حق فيهم قول المولى عزوجل «مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا» .
لم يكن «منسي» مجرد مقاتل جسور فقط، بل كان بطلًا من طراز فريد، وقائدًا ملهمًا لكل من حوله، وكان أيقونة فى القوة والشجاعة والإنسانية، ولا يشغله سوى شيء واحد، وهو حب الوطن، وعلى المستوى الإنسانى كان متواضعًا، يتقى الله فى عمله وحياته وأسرته وزملائه.
اقرأ أيضًا | كامل الوزير يحدد مع قيادات الصناعة أهداف المرحلة المقبلة
نشأته ومسيرته
ولد الشهيد البطل، فى مركز كفر صقر، بمحافظة الشرقية، عام 1978، ثم انتقل لقرية سنهوت بمركز منيا القمح، والده هو الدكتور صابر منسى مدير الوحدة الصحية فى القرية، تلقى الشهيد تعليمه فى مدرسة الشهيد فتحى عبد العظيم، وقد التحق «منسي» ب الكلية الحربية وتخرج ضمن الدفعة 92 حربية، وعمل كضابط بوحدات الصاعقة وخدم لفترة طويلة فى الوحدة 999 قتال وحدة العمليات الخاصة للصاعقة، ثم التحق بأول دورة للقوات الخاصة الاستكشافية المعروفة باسم «SEAL» عام 2001 ثم سافر للحصول على نفس الدورة من الولايات المتحدة الأمريكية عام 2006 ، كما حصل الشهيد على ماجستير العلوم العسكرية دورة أركان حرب من كلية القادة والأركان عام 2013، وتولى قيادة الكتيبة 103 صاعقة، خلفًا للشهيد العقيد رامى حسنين، الذى استشهد فى شهر أكتوبر عام 2016 ، وكان الشهيد البطل منسى متزوجًا من السيدة منار سليم ولديه منها ثلاثة أبناء «حمزة وعلياء وعلي».

الكتيبة 103
يروى أحد زملاء «منسي» أول لحظات وصوله إلى مقر الكتيبة بسيناء، قائلًا أنه فور وصول الشهيد البطل إلى الكتيبة 103، طلب من أحد الجنود أن يصطحبه فى جولة داخل الكتيبة، بدون إزعاج الموجودين، وكان سعيدًا بكل ما شاهده داخل الكتيبة ووصفها بعد مطالعتها بأنها «عرين الأسود»، وعقب الجولة تصادف وجود اللواء أحمد وصفى الذى كان يستعد لقيادة مداهمة لأحد أخطر البؤر الإرهابية جنوب العريش، وخلال شرح اللواء وصفى طبيعة المهمة لمن سيشاركون بها، دخل عليهم الشهيد منسي، وعرفه بنفسه وأنه «قائد العمليات الجديد» بالكتيبة، ورغم أن «منسي» كان قادمًا من سفر طويل ولم يمر على وصوله سوى دقائق معدودة إلا أنه طلب من اللواء وصفى المشاركة فى المداهمة، وحمل السلاح وترك حقيبة سفره لأحد الجنود، وبالفعل شارك «منسي» فى المهمة التى حققت نجاحًا كبيرًا وتم القضاء على أحد أخطر العناصر التكفيرية، وكانت تلك المهمة هى وثيقة تعارف الشهيد البطل على زملائه الذين أكدوا حينها أنه لولا وجوده ومهارته لسقط منهم أكثر من شهيد، وحينها تأكد الجميع أن سيناء اكتسبت بطلا مغوارا جديدا من نوع خاص .
ملحمة البرث
توالت بعد ذلك اليوم بطولات الشهيد «منسي» ورفاقه حيث خاض العديد من المعارك الضارية ضد الجماعات التكفيرية واستطاع القضاء على المئات منهم ومن قادتهم، وأحبط الكثير والكثير من مخططاتهم الخبيثة لتحويل أرض سيناء الطاهرة إلى إمارة لأهل الشر، واستطاع خلال فترة قصيرة تكوين شبكة علاقات طيبة مع أهالى سيناء يسودها الود والاحترام المتبادل.. وفى فجر يوم 7 يوليو من عام 2017، اقتحمت «سيارة مفخخة»، تم تدريعها تدريعا عاليًا، حاجزًا أمنيًا، قبل قوة تمركز كتيبة منسى ورفاقه، وذلك بهدف تشتيت قوات الأمن، وبعدها، قامت العناصر الإرهابية، بعملية الهجوم على الشهيد أحمد منسي، وأبطال القوات المسلحة المتواجدين معه، وقام أكثر من 150 عنصرًا إرهابيًا بتنفيذ هجوم بواسطة 12 عربة دفع رباعى محملة بالسلاح، بالإضافة إلى أسلحة خفيفة ومتوسطة وقذائف آر بى جى وقذائف هاون ومدافع جرينوف وأيضاً قنابل يدوية ومفخخات، وفى الوقت نفسه، قامت بعض العناصر بتطويق الكمين بالكامل وزرع عدد من الألغام لصد محاولات الدعم البرى، قامت عناصر الكتيبة 103 بصد الهجوم وتبادل إطلاق النار، وتمكنت من الصمود طوال 4 ساعات، و خاض العقيد أحمد منسي، ورفاقه معركة بطولية فى مواجهة الإرهابيين، وقبيل استشهاده نجح منسى فى إسقاط العشرات من العناصر الإرهابية المستهدفين للكمين، كما أحبطوا تمثيل العناصر الإرهابية بجثامين الشهداء، ورفع علم التنظيمات الإرهابية أعلى الكمين فى إطار «الشو الإعلامي»، وفى ذلك الحين كان الشهيد البطل منسى يقف فوق سطح مبنى الكتيبة وسط محاولات منه ليظلوا صامدين أمام التكفيريين، يقاتل بصحبة رجاله لآخر نفس، ما دفع العناصر الإرهابية لاستخدام قناص مُدرب لإسقاطه، فأصيب بطلق نارى أدى إلى استشهاده مع عدد من أفراد كتيبته الأبطال .
عائلة الشهيد
من جانبها أوضحت أرملة الشهيد البطل السيدة منار سليم، أن «منسي» أخفى عنها خبر انتقاله للخدمة فى سيناء لمدة أسبوع، ولم تعلم بقرار نقله إلا من زوجة أحد أصدقائه التى أخبرتها أنه سيعود للخدمة بسيناء بناءً على طلبه، وعندما تحدثت معه طلب منها أن تخفى على عائلته، خاصة أن والده كان مريضًا وكان يخشى أن يقلقه وهو فى هذه الحالة المرضية، وكان دائمًا يطمئنها أنه فى أمان ويقيم داخل مبنى كتيبة بعيدًا عن المداهمات والمخاطر، ولكنها كانت تشعر بالخوف والرعب كلما سمعت أى خبر عن سقوط شهداء فى سيناء، وعاشت لحظات عصيبة من القلق والتوتر طيلة تلك الفترة .
وأضافت فى تصريحات خاصة لـ«الأخبار» بمناسبة ذكرى استشهاده العطرة، أنه كان دائمًا يتمنى الشهادة ويحدثها بأن تتوقع خبر استشهاده فى أى لحظة، ويوصى بأن يدفن بملابسه العسكرية، وكان الشهيد يستنكر شعورها بالخوف والقلق ويطلب منها الدعاء له بأن ينال مقام الشهادة، مشيرة إلى أنه فى آخر لقاء بينهم قال لها أنه يثق من أنه سيتركهم فى معية الله، ويثق فى أنها ستربى أبناءهم مثلما يريد وأفضل، واسترجعت لحظة تلقيها خبر استشهاده الذى استقبلته بصدمة كبيرة وحزن شديد رغم أنها كانت تنتظر هذا الخبر فى أى لحظة منذ عرفت بانتقاله لسيناء، خاصة مع حديثه الدائم عن الشهادة وأنه ينتظرها ولا يفكر إلا فى الشهادة .

وأشارت أرملة الشهيد منسي، إلى أنه كان زاهدًا فى الدنيا مخلصًا فى عمله، محبًا لوطنه ولكل من حوله، وكان يحب مساعدة الغير، وكانت روحه طيبة فى منزله ومع كل من يتعامل معهم حيث كان يعامل الجميع بود وحب، وكان مرحًا ويحب اللعب مع أولاده، والجلوس مع أصدقائه فى أجازاته، ورغم ذلك كان متيقنًا من الشهادة ويشعر دائمًا أن عمره قصير، وأعربت عن فخرها بسيرته التى تركها لهم وأنها زوجة شهيد، وأبناؤه يفخرون بما قدمه والدهم لوطنه فقد ترك لهم تركة من الفخر والعزة بما قدمه من بطولات لوطنه، موضحة أن ابنها الكبير حمزة كان طفلًا فى الصف الرابع الإبتدائى وقت استشهاد والده ومنذ ذلك الحين وهو يحلم بالالتحاق بالكلية الحربية ليكون ضابط صاعقة ليستكمل مسيرة والده، وحتى اليوم مازال يحلم بذلك.. وأكدت أنها لا تخشى على نجلها من التحاقه بالقوات المسلحة، واستشهاد والده لم يجعلها تخاف على ابنها، بالعكس هى تؤمن تمامًا بحرية اختيار الأبناء لحياتهم.. ووجهت السيدة منار سليم، الشكر والتقدير للرئيس عبد الفتاح السيسي، والقيادة العامة للقوات المسلحة، على دعمهم الدائم لأسر الشهداء، مؤكدة أنهم لا يدخرون جهدًا فى دعم أسر الشهداء بكافة الأشكال، وهناك تواصل دائم معهم من القوات المسلحة بتوجيه من الرئيس السيسي، فى جميع المناسبات والأعياد.
إنفوجراف| رئيس الوزراء: التحول إلى الدعم النقدى العام المالى المقبل
وزير الخارجية يدعو اليابان لإنشاء منطقة صناعية بـ «اقتصادية القناة»
كجوك: ثقة المستثمرين تتزايد.. وصالح: أجندة عملية لمعالجة التحديات







