فيصل مصطفى يكتب: دبلوماسية البوارج

فيصل مصطفى
فيصل مصطفى


ومازالت الحرب الروسية الأوكرانية المشتعلة ، تلقى بالحمم والمفاجآت غير السارة والتطورات المقلقة ، والتى تأخذ العالم نحو هاوية من الرعب والفزع ، الناتجة من تعاظم احتمالات إندلاع الحرب العالمية الثالثة النووية بدمارها الشامل المتوقع للبشرية ذاتها .
فبعد مرور عامين ونصف على هذه الحرب والمواجهة المحتدمة بين روسيا ومن خلفها الصين وحلفائها من جهة ، وبين أمريكا والغرب وحلف الناتو من جهة أخرى ، فإنه  لايوجد أى ضوء أمل حتى الآن فى إمكانية انتهاء هذه الأزمة قريبا ، وعودة الأمور إلى طبيعتها فى العالم ،
فبعد إعلان الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرا ، عن تقديم دفعة جديدة من المساعدات العسكرية لأوكرانيا بقيمة ١٦  مليار دولار ، واتفاق قادة الاتحاد الأوروبى على توفير مساعدة مالية لها ، قيمتها ٥٠  مليار يورو للسنوات الأربع المقبلة (٢٠٢٤ -  ٢٠٢٧) ، كثفت روسيا ضرباتها على أوكرانيا والتى تكاد تتلاشى من كثرة الحطام والرماد  ، ردا على هذا الدعم الغربى غير المسبوق لها .
ثم أن العقوبات الإقتصادية التى فُرضت على موسكو ، وتفجير خط أنابيب "نورد ستريم" للغاز الطبيعى على عمق ٢٥٠  قدم تحت سطح بحر البلطيق لضرب حركة تصدير الغاز الروسى إلى أوروبا والعالم ، لم تُضعفها بل زادتها قوة ، فقامت بالكشف عن نوع جديد غير مسبوق من الصورايخ البالستية العابرة للقارات ، تطلق عليه إسم "يارس" ويتم إطلاقه إلى مدى ١٠  آلاف كيلو متر ، وهو حدث جلل غير مسبوق فى عالم التسلح والأسلحة ،
وردت أمريكا عليها ، بالإعلان عن سلاح "هارب" أو ما يُسمى ببرنامج الشفق القطبى النشط العالى التردد ، والذى يستغل ويُوظف الظواهر الطبيعية مثل الزلازل والفيضانات كأسلحة دمار شامل .
 ناهيك عن سعى الصين ، إطلاق ١٠٠ صاروخ ، تحمل أقمار صناعية بحلول نهاية العام الجارى ، متفوقة بذلك على أمريكا فى هذا الشأن ، فضلا عن تقدمها المذهل فى الحرب الإلكترونية ، حيث أنه فى إمكانها إطلاق أشعة من الموجات الكهرومغناطيسية نحو أهداف مختلفة فى السماء أو البحر أو اليابس لتعطيل عملياتها ، وظهر ذلك  واضحا  فى أزمة المناطيد التى اخترقت سماء أمريكا ، وهو ما يعنى أن البشرية تدخل مرحلة شديدة الخطورة وتحبس أنفاسها خوفا من خطأ قد يؤدى إلى فنائها ، 
السباق المجنون إذن فى مجال التسلح النووى بين الدول الثلاث الكبرى ، جاء بعد إلغاء معاهدة "ستارت" الخاصة بتخفيض الأسلحة النووية بين واشنطن وموسكو ، 
وبالتالى  فإن  احتمالات الصدام والمواجهة والاستمرار فى التصعيد هى الأعلى بكثير ، والتى تنبىء عن مراحل أكثر خطورة ، قد تجد البشرية نفسها واقعة داخلها ، ولا سبيل أمامها لتجنب كوارثها المروعة .
كل هذا ، سوف يؤثر حتما على معدلات النمو الإقتصادى ، وقد يفتح شهية الدول الكبرى لنهب ثروات شعوب العالم الثالث والدول المختلفة ، تعويضا لها على الإنفاق المجنون فى مجال التسلح ، وهو ما قد يعيد أجواء ومناخ النهب الاستعمارى فى القرن ال ١٩  إلى القرن ال ٢١  مع اختلاف الأسلوب ، حيث كان المتبع فى القرن ال ١٩ هو دبلوماسية البوارج ، أما أسلوب القرن ال ٢١ فهو الضغط الإقتصادى واستخدام أسلحة الدمار فى نهب الثروات  .