مصطفى حمدى يكتب: «الوثائقيات».. مهاجم جديد فى مباراة الحفاظ على الهوية

مصطفى حمدى
مصطفى حمدى


عندما أعلنت منصة نتفليكس عن انتاج فيلم كليوباترا ثارت حالة كبيرة من الجدل حول سعى المنصة الأمريكية لتصوير الملكة المصرية بجذور وهوية لا تتطابق مع الحقيقة التاريخية، الأزمة لم تكن مقتصرة فقط على لون بشرة الملكة، ولكن العمل فى مجمله عبث بحقائق تاريخية عديدة عاكسا توجهات يقودها تيار عرف باسم «الأفروسينتريك» وهذه قصة أخرى يطول شرحها.

على الجانب الآخر كان هناك من يراقب ويتابع وفطن إلى خطورة المشهد الفنى والإعلامى عالميا وقرر التحرك بوعى وخطوات مدروسة لمواجهة تلك الحالة المستحدثة فى حروب الوعي، خاصة أن الأمر تجاوز فكرة فرض الأجندات السياسية اعلاميا وامتد بشكل واضح وصريح إلى فرض الروايات التاريخية فنيا على الأجيال الجديدة من الأمريكتين وحتى آسيا، وهذا المشهد برمته ينسحب على أبنائنا وبناتنا الذين يقعون يوميا فى مرمى نيران الحروب الفكرية عبر منصات التواصل الاجتماعى، وغيرها من القنابل الموقوتة الكامنة خلف شاشات المحمول.

لم تعد كتب التاريخ والسياسة كافية للتأثير فى وعى هؤلاء، ولا أعنى هنا الصغار فقط بل الكبار أيضا، فهناك جيل كامل تشكل وعيه على دوى وصخب الأحداث السياسية التى مرت بها مصر منذ عام 2011، هذا الجيل الذى يخطو عتبات الشباب الآن بات يشكل أفكاره ويلونها ويقولبها عبر الأفلام الوثائقية ومسلسلات المنصات وبرامج تليفزيون الواقع وغيرها من الصناعات الفنية والترفيهية التى تحمل بين سطورها رسائل فى غاية الخطورة .

فى مصر ولد منذ سنوات كيان إعلامى عملاق وهو الشركة المتحدة للخدمات الاعلامية، كيان وطنى كان هدفه منذ اللحظة الأولى مخاطبة الوعى الجمعى المصرى وانقاذ هويته الثقافية وتعديل مسار ذوقه العام بعد سنوات من التشتت والتناحر الفنى الذى أفرز ظواهر لا داعى لذكرها.


نجحت المتحدة فى تصحيح مسار الدراما المصرية عاما بعد الآخر، أعادت الدراما الاجتماعية لموقعها المتميز داخل البيوت، واستعادت الدراما الوطنية للشاشة مجددا، وأبحرت فى سطور الأعمال التاريخية لتعيد قراءة الماضى واستشراف المستقبل بأعمال شديدة الخصوصية والتميز كان آخرها وأبرزها مسلسل «الحشاشين»..

ولكن حدود تلك المعركة لم تتوقف عند الدراما التليفزيونية فقط بل امتدت الى صناعة الفيلم الوثائقي، وهى الصناعة التى تلعب دورا كبيرا ومؤثرا على المستوى الدولى والعالمى خاصة وأن مكتبات المنصات العالمية عامرة بمئات بل آلاف الأفلام الوثائقية التى تنوعت موضوعاتها مابين التاريخ والسياسة والفن والسير الذاتية وحتى الرياضة، فأسست الشركة المتحدة قطاع الانتاج الوثائقى الذى انتج على مدار سنوات قليلة عشرات الأفلام الوثائقية الهامة التى تهدف أولا وأخيرا إلى فرض السردية المصرية فى مواجهة الروايات التى تعبر عن توجهات فكرية واجتماعية مغايرة تماما للهوية الوطنية المصرية .

تطور الانتاج الوثائقى للشركة المتحدة فدخلت بالتعاون مع منصتها الرقمية «واتش ات» مرحلة جديدة بانتاج سلاسل وثائقية غاية فى التميز جاء فى مقدمتها سلسلة «أم الدنيا» للمخرج الشاب محمود رشاد وبطولة النجمة الكبيرة سوسن بدر، الحقيقة أن الموسم الأول كان مبهرا فى عناصره الفنية والاخراجية، للمرة الأولى أرى عملا وثائقيا مصريا يضاهى فى تقنياته البصرية السلاسل الوثائقية العالمية التى كنا نبحث عنها فى المنصات الأجنبية، ضف على ذلك أن تاريخ مصر القديمة فى حد ذاته يمثل عنصرا مبهرا جاذبا يلتف حوله العالم أجمع فجاءت رحلة أم الدنيا مع مصر القديمة لتجذب المشاهد المصرى والعربى وأيضا العالمى لمعرفة «التاريخ الحقيقى» لهذه الحضارة الخالدة.

مساء أول أمس الخميس بدأ عرض الموسم الثانى من السلسلة الهامة، أسعفنى الوقت أن أشاهد الحلقة الأولى التى جاءت مشحونة بالعديد من المشاهد الدرامية لتضيف سحرا جديدا للعمل خرج به من نطاق التوثيق البحت، رحلة جديدة تتناول الف عام من تاريخ مصر، عشرة قرون تجيب على سؤال هام وهو «من نحن» وكيف تكونت هويتنا الثقافية والاجتماعية بتزاوج الديانتين المسيحية والاسلامية، وكيف تشكل الانسان المصرى من مزيج الحضارات المصرية القديمة والقبطية والاسلامية ليصبح لهذا الوطن نسيج متفرد لا مثيل له فى أى بقعة بالعالم.

«أم الدنيا 2» مغامرة جديدة تخوضها الشركة المتحدة فى رحلتها لاستعادة الهوية المصرية وحماية الوعى عبر سلاح الأعمال الوثائقية.