في ستينات القرن الماضي، ومع بدء تنفيذ مشروع السد العالي بمصر، يمثل طفرة في تطوير البنية التحتية والاقتصاد المصري بدأت المياه تغمر منطقة النوبة بما فيها من آثار ثمينة.
** معركة إنقاذ آثار النوبة: السد العالي وجهود الدكتور ثروت عكاشة
حينها، أطلق ثروت عكاشة وزير الثقافة المصري سابقًا دعوة دولية لإنقاذ آثار النوبة، وهي دعوة تبنتها منظمة اليونسكو، ما جعل من هذه المعركة الوطنية حدثاً تاريخياً بالغ الأهمية.
وكانت أبرز نتائج هذه الدعوة نقل معبد رمسيس الثاني في "أبو سمبل" إلى موقع آمن، بعيداً عن فيضان المياه، لتصبح هذه العملية واحدة من أعظم الإنجازات الهندسية والثقافية في القرن العشرين.
ومع ذلك، أظهرت الدراسات أن تنفيذ هذا المشروع الطموح سيؤدي إلى غمر مناطق واسعة من النوبة، بما في ذلك العديد من الآثار التاريخية الفريدة. في مواجهة هذا التحدي، برز الدكتور ثروت عكاشة كواحد من أبرز المدافعين عن التراث الثقافي المصري.
** العجيبة الثامنة": فيلم يوثق ملحمة إنقاذ التراث الإنساني
تم نقل المعبد إلى أعلى الجبل، بعيدًا عن فيضان المياه، في عملية هندسية ومعمارية معقدة وغير مسبوقة. قُطعت أجزاء المعبد ونُقلت باستخدام رافعات عملاقة وجرارات ضخمة إلى موقع جديد، بارتفاع 40 مترًا. وثق المخرج الكندي "جون فيني" هذه العملية بفيلم تسجيلي، ورُشح الفنان حسين بيكار للعمل على السيناريو، حيث قام برسم 80 لوحة تاريخية تجسد حياة المصريين القدماء وعظمة معبد أبو سمبل، مما ساهم في نقل صورة نابضة بالحياة لتلك الفترة للعالم أجمع.
عرض فيلم "العجيبة الثامنة" في عدة دول منها مصر وألمانيا وإيطاليا، وحقق صدى عالميًا واسعًا. وساهم نجاح عملية إنقاذ معبد أبو سمبل في تشكيل بعثة النوبة، تحت إشراف اليونسكو، التي وضعت الأسس لقائمة التراث العالمي الحالية. تجاوزت هذه القائمة الآن الألف موقع ثقافي وطبيعي حول العالم، وتسعى للحفاظ على هذه المواقع والتعريف بأهميتها.
لم تكن مهمة إنقاذ معبد أبو سمبل استفادةً لمصر وحدها، بل كانت دافعًا لإنقاذ العديد من الآثار العالمية المهددة. تشكلت فكرة قائمة التراث العالمي التي اعتمدتها اليونسكو لاحقًا بفضل هذا الإنجاز. ساهم الزخم والدعاية العالمية لمشروع إنقاذ معبد أبو سمبل في دفع اليونسكو لتنفيذ مشاريع إنقاذ أخرى، مثل صيانة مدينة البندقية التي كانت مهددة بالفيضانات.
في عام 1965، تم اقتراح إنشاء هيئة خاصة بالتراث العالمي خلال مؤتمر في البيت الأبيض بواشنطن، مما أدى إلى تبني المؤتمر العام لليونسكو في نوفمبر 1972م لاتفاقية حماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي. بهذا، تحول النجاح المصري في إنقاذ معبد أبو سمبل إلى نموذج يُحتذى به في حماية التراث العالمي.
تم تكريم الدكتور ثروت عكاشة بوسام جوقة الشرف الفرنسي بدرجة كوماندور، والميدالية الفضية لليونسكو عام 1968 لإنقاذه معبدي أبو سمبل وآثار النوبة، والميدالية الذهبية لليونسكو عام 1970 لإنقاذه معابد فيلة وآثار النوبة. تجسد هذه التكريمات الإشادة العالمية بالجهود المصرية في الحفاظ على التراث الثقافي والتاريخي، والتي أسست لأحد أهم الأنشطة الحالية لمنظمة اليونسكو، نقلأ عن موقع اليونسكو حول إنقاذ آثار النوبة.
لذلك نستعرض في هذا التقرير المراحل الحاسمة لمشروع بناء السد العالي والجهود الجبارة لإنقاذ آثار النوبة، نقلا عن مؤلفات الدكتور ثروت عكاشة.
ونلقي الضوء على مسيرة الدكتور ثروت عكاشة.
** بناء السد العالي: الحاجة والأهمية
- السد العالي: الحل الأمثل لمواجهة تحديات المياه والطاقة في مصر
مع نمو السكان واحتياجاتهم المتزايدة من المياه والطاقة، برزت الحاجة إلى مشروع ضخم للتحكم في فيضان نهر النيل وتخزين مياهه. كان السد العالي هو الحل الأمثل لتحقيق هذه الأهداف، بالإضافة إلى توليد الكهرباء وتوسيع الرقعة الزراعية.
- مراحل بناء السد
بدأت أعمال بناء السد العالي في عام 1960، واستمر العمل فيه حتى افتتاحه الرسمي في عام 1971. تضمن المشروع مراحل عديدة من الحفر والردم والبناء، بمشاركة مهندسين وخبراء من مختلف أنحاء العالم.
- الآثار المترتبة على بناء السد
غمر مناطق النوبة
مع اكتمال بناء السد، أصبحت مناطق شاسعة من النوبة مهددة بالغمر، مما يعرض التراث الثقافي الغني لهذه المنطقة للخطر. تضم النوبة العديد من المعابد والآثار التي تعود إلى آلاف السنين، وتشكل جزءاً لا يتجزأ من تاريخ مصر.
الحاجة إلى إنقاذ الآثار
أدركت الحكومة المصرية والمجتمع الدولي أهمية إنقاذ هذه الآثار الفريدة، حيث أن فقدانها سيكون خسارة لا تعوض للتراث الإنساني.
- دور الدكتور ثروت عكاشة :
** الدكتور ثروت عكاشة: رائد الثقافة وحامي التراث المصري
الدكتور ثروت عكاشة، وزير الثقافة المصري الأسبق، كان شخصية بارزة في مجال الثقافة والفنون في مصر. شغل منصب وزير الثقافة في فترة حرجة من تاريخ مصر، وأسهم بشكل كبير في تعزيز الثقافة وحماية التراث.
** المبادرة الدولية لإنقاذ آثار النوبة
عندما أصبحت آثار النوبة مهددة بالغمر، أطلق الدكتور ثروت عكاشة دعوة دولية لإنقاذ هذه الآثار. قاد عكاشة جهوداً حثيثة لجذب انتباه المجتمع الدولي إلى هذه القضية، ما أدى إلى تبني منظمة اليونسكو لهذه الدعوة.
** دور اليونسكو والجهود الدولية
- تبني الدعوة
استجابت اليونسكو بسرعة لدعوة الدكتور عكاشة، وأطلقت حملة دولية لإنقاذ آثار النوبة. كانت هذه الحملة من أولى المبادرات العالمية لحماية التراث الثقافي المهدد.
- الدعم الدولي
شارك في حملة الإنقاذ دول عديدة، حيث قدمت الحكومات والمنظمات الدولية الدعم المالي والفني. بفضل هذا التعاون الدولي، تم نقل العديد من الآثار إلى أماكن آمنة قبل غمر المنطقة بالمياه.
** العمليات التقنية لإنقاذ الآثار
- نقل معابد أبو سمبل
كان نقل معابد أبو سمبل أحد أبرز عمليات الإنقاذ. تم قطع المعابد إلى كتل صغيرة ونقلها إلى موقع جديد يبعد عن موقعها الأصلي. استغرقت هذه العملية عدة سنوات، واعتبرت إنجازاً هندسياً هائلاً.
** عمليات نقل أخرى .. نقل معابد فيلة: دقة التوثيق وإعادة التركيب للحفاظ على التراث
شملت الجهود أيضاً نقل معابد فيلة والعديد من المواقع الأثرية الأخرى. تم توثيق كل قطعة أثرية بدقة لضمان إعادة تركيبها بشكل صحيح في مواقعها الجديدة.
** تأثيرات الإنقاذ على التراث الثقافي
- الحفاظ على التاريخ
أسهمت جهود الإنقاذ في الحفاظ على جزء كبير من التراث الثقافي النوبي والمصري. تمكين الأجيال القادمة من التعرف على هذا التراث الثري كان هدفاً رئيسياً لهذه الجهود.
اقرأ أيضا: الورقة التاريخية | «إرث الحضارة».. تاريخ نقل معبد أبو سمبل في منتصف الستينيات
- التوعية الثقافية
زاد الوعي بأهمية حماية التراث الثقافي عالمياً بفضل هذه الحملة. أصبح إنقاذ آثار النوبة نموذجاً يحتذى به في مجال حماية التراث العالمي.
** الدروس المستفادة من تجربة الإنقاذ
- التعاون الدولي
أظهرت هذه التجربة أهمية التعاون الدولي في حماية التراث الثقافي. التعاون بين الدول والمنظمات الدولية يمكن أن يحقق إنجازات عظيمة في هذا المجال.
- الابتكار الهندسي
أبرزت عمليات نقل الآثار الحاجة إلى الابتكار الهندسي والتقني في حماية التراث. تطلبت عمليات النقل حلولاً هندسية مبتكرة لضمان الحفاظ على سلامة الآثار.
- دور الثقافة في التنمية
أوضحت تجربة إنقاذ آثار النوبة أن الحفاظ على التراث الثقافي ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو جزء أساسي من التنمية المستدامة. التراث الثقافي يمكن أن يكون مصدر إلهام وفخر للشعوب، وعامل جذب للسياحة والتنمية الاقتصادية.
** الدكتور ثروت عكاشة: إرث مستدام
- إنجازاته الأخرى
بالإضافة إلى دوره في إنقاذ آثار النوبة، أسهم الدكتور ثروت عكاشة في العديد من المجالات الثقافية والفنية في مصر. أسس العديد من المؤسسات الثقافية والمهرجانات، وترك إرثاً مستداماً في مجال الثقافة.
- تكريمه وتقديره
حظي الدكتور عكاشة بتقدير واسع في مصر والعالم. حصل على العديد من الجوائز والأوسمة تقديراً لجهوده في حماية التراث الثقافي وتعزيز الثقافة.
تمثل معركة إنقاذ آثار النوبة محطة هامة في تاريخ مصر الثقافي، وتعكس الجهود العظيمة التي بذلها الدكتور ثروت عكاشة والمجتمع الدولي لحماية التراث الإنساني. بفضل هذه الجهود، تم الحفاظ على جزء كبير من تاريخ مصر الغني، والذي سيظل مصدر إلهام للأجيال القادمة. تجربة إنقاذ آثار النوبة تذكرنا دائماً بأهمية التعاون الدولي والابتكار الهندسي في حماية التراث الثقافي، وتؤكد أن الحفاظ على التاريخ هو جزء أساسي من بناء المستقبل.








"سيناء بين الماضي العريق وآفاق المستقبل".. ندوة باتحاد كتاب مصر
إشادات بنجاح موسم الحج وحصد جائزة «لبيتم» الفضية
مصدر: لا صحة لاستقالة عضو باللجنة العليا للحج بسبب الموسم الحالي.. والجميع يعمل لخدمة الحجاج







