«ابن الشهيد» قصة قصيرة للكاتب عمرو صلاح الغندقلي

الكاتب عمرو صلاح الغندقلي
الكاتب عمرو صلاح الغندقلي


نادت الأم : نادر نادر

رد نادر ملبي بصوت يبدوا لمن سمع أنه منشغل : نعم يا أمي

- دع هذا الكتاب جانباً ، فقد أعددت لك الطعام ، هيا

- حسناً يا أمي سوف آتي فور انتهائي من هذا الفصل

الأم : نادر، قلت لك دع هذا الكتاب وقم من مقامك هذا ، فقد لبست فيه عدة ساعات متواصلة بلا انقطاع ، حتى كادت تلتصق مؤخرتك بالمقعد ، ما الذي دهاك ؟

رد نادر: أمي دعيني أكمل هذا الفصل من الكتاب ، وأذهب مسرعاً إلى ما صنعت يداك من طعام أكاد من فرط اللذة التي تغمرني حين أتذوقه أذوب،  ولا يسعني سوا شكرك ، أرجوكِ أن تتركيني حتى أنتهي من هذا الفصل

قالت الأم : لا أعرف كيف وصلت إلى هذا الحد من إدمان القراءة ؟ لقد أصبحت متوحدا مع الكتاب ، تترك كل العالم لتذهب له طوعا ، ويزعجني كثرة انكبابك عليه، حتى لا تكاد ترى شيئا سوى الكتاب، ولا تلتفت لغيره، أني أخشي عليك يا نادر.

أمي .. أعلم مدى حرصك عليِ وأقدر تماما مدي خوفك، غير أني أريد أن أخبرك شيئا هام، ألا وهو، أن حرصك علي تناولي الطعام، كغذاء وهذا حق، ولا أخفيك سرا أني أرى  في القراءة غذاء من نوع آخر ، لا يكاد حين يمس موضعاً في حتى يترك أثره ، الذي يشبه الصيرورة ، فيثمر حين ينضج أشهى الثمار.

أما حرصك علي تناولي الطعام الشهي وهو ساخن، لأحصل علي المذاق الحلو، فذلك لن يتحقق، حتي انتهي من نهاية هذا الفصل، وإلا أصابني تشتت أفسد علي استمتاعي بهذا الطعام الشهي، حين أترك الفصل غير المكتمل، المعرفة الناقصة خطر عظيم، لذا أرى إذا كان ولابد من تناول الطعام فعليك يا أمي أن تتركيني انتهي من هذا الفصل وأغلق الكتاب، وآتي إليك هانئ البال، التهم ما صنعت يداك كما يجب أن يكون .

الأم : نادر ، يبدو أن الجدال معك لا يؤتى ثماره ، وقد وجدت أني امرأة فقدت شيئاً من عقلها ، لو أني تركتك تنهي هذا الفصل اللعين ، من غير ذلك النقاش ، لانتهيت منه في وقت أقل من هذا النقاش .

تتركه وتذهب إلى وضع الطعام وقد أبدعت كالعادة في أصناف الطعام الشهي كما هو مشهور عنها، فهي سيدة منزل بامتياز تحرص علي النظام والنظافة تبدع في مطبخها الذي يُعد عالمها الخاص، تصنع فيه صنوف من الطعام بعدة نكهات وإضافات تأتي بها حين تذهب إلى العطار خصيصا لتحضر التوابل والبهار الخاص بها التي تكفلت سنين عدة في صقل خبراتها بصنوف التوابل وأجود أنواع البهار الذي جعل منها امرأة ذات خبرة في التوابل والبهار، مما يؤهلها بجدارة أن تصنع خلطات سرية تتميز بها يجعلها، إذا أردت أن تبيع مثل هذه الخلطات السرية، عبر منصات التواصل الاجتماعي تربح من وراء ذلك بلا شك .

يحضر نادر حين انتهي من قرأة الفصل كما وعد، وجلس أمام أمه يتناول ما لذ وطاب في تلذذ وهو يهمهم قائلا : ما أبدعك ، ماهذا الجمال الذي تجسد أمامي اشتمه وأكله ، أريتِ من قبل من يشتم الجمال ويأكله؟

كم أنتِ عظيمة يا أمي .

تنظر إليه تحاول أن تخفي ابتسامتها وغبطة شعرت بها من هذا الإطراء، وكلام ابنها المعسول وقد اعتزمت أن تتحدث بجدية وقالت : طيب كل وانت ساكت .

ثم أردفت: تعلم أني غاضبة منك، كلما أعددت الطعام تتأخر علي تناوله، حتي صار هذا طقسا اعتدت عليه .

نادر : أعتذر لك يأمي، فكما أخبرتك أني حين أقرأ أغيب في عالم الكتاب، أكاد أنسى نفسي والوقت معًا لا يردني إلى هذا العالم سوا ندائك، لذي أعتذر إليك بشدة.

ومال يأخذ يدها يلثمها .

ربتت علي يديه فى حنان وقد ارتسمت ابتسامه حانيه علي وجهها وقالت: لا بأس يا نادر لا عليك يا بني، غير أني يا بني قلقة عليك فأنت كما تعلم أنك بالنسبة لي كل شيء، بعد أن استشهد أبوك في رفح منذ ست سنوات وأنت أصبحت لي كل عالمي، وقد رأيت منك إقبالا شديدا علي القراءة لم أر مثل حرصك هذا من أحد، وقد خشيت عليك من انكبابك علي القراءة بهذه الطريقة.

وأخشى أن إدمانك للقراءة قد يسبب لك ألما في عينيك، كما أني لا أخيفك سرًا بت أتوجس خيفة نحو مستقبلك، ولا تفهم من كلامي هذا أني أدعوك لكي تعمل لاحتياجي للمال، فالحمد لله لدينا معاش جيد ولدينا مال قمت بعمل شهادة استثمار في البنك ، بعد استشهاد أبيك ، وأعلم أنه يتبقي لك عام علي التخرج، وأخشي ألا يكون لك فرصة في العمل، فأنا لا أعرف لك مهارة أو موهبة غير القراءة ، ولا أظن أن هذا الأمر يجلب لك مال !، أو أنه يشفع لك حين تتقدم في وظيفة أو ينفعك في عمل !.

ترك نادر ما بيديه من لقمة ومال وهو يبتسم إلى الأمام قليلا ثم اعتدل وهو يستعد ليرد .

قال: أمي الغالية، أتفهم جيدا ما يقلقك ولك كل الحق في ذلك ، وما أود أن أخبرك به يأمي أني لا أنتوي أن أتقدم لوظيفة وهذا الأمر لا أحبه ، وأن القراءة ليست ترفيه ولم تك يوما تسلية تفرم وقت وتميته غير مبالية به ، أريد أن أصحح لك إذا  سمحت فهمك عن أهمية القراءة، وكم هي ضرورة للأمم إن أرادت أن تحيا وتبني حضارتها، ليس هناك حضارة لمن لا يقرأ، القراءة هي ما تصقل الإنسان بكافة جوانب المعرفة في شتى الفنون والثقافات والعلوم، تأخذك حيث تنهل وتبني العقل الذي بدوره يقوم ببناء الفكر، حتى يختلف سلوك الفرد وإنتاجه ، تساهم في تكوينه وتجعل منه مبدعا يرى ما لا يراه الآخرون، فيثمر حين يكون، فتصير نظرته للأشياء مختلفة، تشجع فيه القدرة علي النقد والتفكر، وهذا يأمي ليس بالشيء الهين، وقد يكون ما تخشيه من حرصي علي القراءة، يكون سبباً في ثرائي، وقد حرص أغلب من وصل إلى تكوين ثروات علي القراءة وقد أخبر أغلبهم هذا الأمر في كتب تحدثت عن أسرار النجاح .

وأني يأمي اعتزمت أن أعمل في مجال كتابة وصناعة المحتوى الذي أري أني موهوب فيه، والسر في ذلك يرجع إلى حرصي علي القراءة المتنوعة، وأن صناعة المحتوى أصبحت هامة جدا في سوق العمل والتحول الرقمي صار محور اهتمام المستثمرين في ذاك الوقت والمستقبل أيضا.

كانت تنظر إليه أمه وهي في دهشة كأنها كانت غائبة في ما يقول، وقد أحست أنها هبطت للتو حين انتهى من كلامه، وجعلت تنظر إليه نظرة أعجاب، سالت من عينيها دمع دون أن تدري من أثر تمني بداخلها بأن يكون زوجها لو لم يستشهد لكان فخورا بابنه هذا الذي ورث منه الإصرار والتحدي ، وقد لفت انتباه نادر تلك الدموع المتساقطة، وشعر أنه السبب فيها ، ظهر علي وجهه الألم، وآثار ندم، وأخذ يفكر ويجلد ذاته ويبحث فيما قال من كلام جعل أمه تبكي .

قام من مجلسه وذهب يحتضن أمه وهو يقول: أمي أنا أسف أعتذر إليك وهو يلثم خديها، ويميل يلثم يداه في خشوع وندم .

هنا ربتت الأم علي كتف نادر وهي تحاول أن تصحح ما فهمه نادر جراء تساقط تلك الدموع وقالت: لا ياحبيبي ليس هناك ما يجعلني أبكي بسببك ، فقط تذكرت أبوك وتمنيت أن يكون معنا الآن ليرى ابنه كيف صار عبقري و أدهشني ، اطمئن يا بني أنا راضية عنك، وقلبي منشرح لما سمعت ويبدو يا بني أن هذا الجيل سيكون مختلفا تماما، حين يحرص علي ما تحرص عليه من قرأة، أثرت فيك وجعلت قلبي مطمئن ، وقد تواري القلق الذي كاد أن يُلقي بظلاله علي عقلي وقلبي وقد انقشعت سحب ظلمته، وأصبحت علي يقين من أمرك وما تنتوى أن تفعله .

ابتسمت بعد أن أجلسته وهي تقول:  لا أخفيك سرا أني مازلت لم أفهم كل ما قلته حول التحول الرقمي وكتابة المحتوى وصناعته، غير أن قلبي صار مرتاحا رغم عدم اكتمال الفهم، لثقتي فيما قلت، وإيماني بأن طرق العمل لكسب العيش أصبحت متعددة ومختلفة عما كانت من قبل .

ابتسم نادر بعد أن اطمئن أن تلك الدموع لم تكن بسبب خطب ما ، وقال: أمي ، الفضل كله لك ، فلولاكِ ماكنت ، وأنتِ التي هيئتِ لي المناخ المناسب حتي صرت متفوقا في دراستي وكنت أبا وأما لي بعد استشهاد أبي الذي افتخر بسيرته، وروحه التي لم تبرح هذا البيت الذي أقامه علي الحب والعلم والإتقان وقد تعلمت منه الكثير ومازلت أتعلم ، أمي لولاك ما كنتُ أنا، كيف لا يرد الشيء إلى أصله؟

الفرع هو امتداد للشجرة، ومهما عظم ذاك الفرع لن يعظم علي أصله، هذه الأمومة المقدسة المانحة التي تعطي حتى تفيض، وقد فاض حنانك وسعني حتى كان هو الداعم لي في الطريق الذي أرجو، وهو النور الذي يمس قلبي قبل أن تراه عيني حين يعتريني ظلمة الحزن أره شمساً تزيل كل ظُلمة ، وأني مدين لك فيما كنت وما سأكون بفضلك فلك كل الشكر والتقدير.

تبسمت الأم  وسال منها دمع يحمل معنى مغاير قد لمس فؤاد نادر فلم ينقبض بل سر .

وقالت: لقد سميتك نادر وقد كان لك من الاسم نصيب وقد أصبحت في عيني من كثرة ما رأيت من أحوال  وسمعت عن كثير من شباب قد ضل طريقه ، وقد تحقق لدي أنك نادر.