بات يحلمُ كيف يطرحُ للعالم بوحَ روحه، وأن يجسده من خلال عمل فني يعبر عما يجيش بصدره، فالفنان من يجيدُ تجسيد عالمه. ومشاركة العالم فيه، فهو نبض العالم، يغوص في أعماقه، يبحث عن المادة الخام ليصنع بها فنه، فيظهر للملأ، عملاً فنياً راقياً يحمل روحه، وتوقيعه .
أخذ يفكر كيف يجسد الفكرة ؟
«أنحت تمثالاً يعبر عن ماهية الروح! » هكذا حدث نفسه.
يوماً ما جاء صديق يدعوه لزيارة وادي الحيتان بالفيوم، أقدم مكان لحفريات على وجه الأرض، يحوي حفريات لحيتان ضخمة عمرها تجاوز الأربعين مليون سنة.. وبينما هو في الطريق يرى صحراءً شاسعةً، غرق في بحر خياله يحدثها :
"أيتها الصحراء العظيمة ، بالغة القدم هل لك أن تخبريني كيف أجسد تمثالاً يعكس ماهية الروح .. وانتظر قليلاً يحاول سماع صوتٍ أو لَمحَ إشارةٍ من عمق الصحراء تخبره، أو ترشده إلي غايته، فنفسه تحدثه بأن الصحراء حاوية الأسرار، وأن العالم كله متشابك ومتصل، تذكر لما قرأ كثيراً عن لغة الصحراء وحكمتها التي تكمن في صمتها الذي ينبئ بقدوم العاصفة.
هل ستبوح الصحراء بمكنون أسرارها لي؟
انتظر جواباً .. حتى سمع أحدهم يهتف "حمدلله علي السلامة" . كان صوت السائق .
انتبه من هيامه وتفكُره إلى وصوله وادي الحيتان، مكان يسلب اللب والروح، أخاذ، كيف لم ترَ عيني مثلَ هذا الجمال من قبل؟ ، هكذا حدث نفسه، وانجذب نحو البحيرة زرقاء اللون المنعكس عليها أشعة الشمس، مكونة فتيت بلور لامع كحبات ألماس، والسماء الصافية بلونها الساحر، تتأمل سحباً تسيرُ من تحتها، تجسد لوحاتٍ تحمل معانيَ وإشارات، لأُولي الفهم والبصيرة، ذاب في هذا الجمال وتوحد معه، حتى حلت روحه، في روح المكان فأخذ ينطق بكل ماهو جميل، غائصاً في أعماق كل شىء غائباً عن نفسه، وكأنه أصبح عيناً للمكان وروحاً له.
سمع صوتاً يقول: "يا من تبحث عن الجمال وسره، الجمال نابع منك، والسر هو أنت"
فتجسدت له قطعة من نور لم يرَ لها مثيل من قبل، لا تشبه شمساً ولا قمراً. أخذ يقتبسُ من النور بيديه كأنه عجين وهو محلق في عالم روحاني حتى صار كأنه مسحور مفارق كل ما هو أرضي يمسُ قلبه كل ما هو سماوي .. غاص في بحر من النور، وأخذ يغترف بيديه، فيتساقط من بين يديه بقايا عجين النور.
نظر إلى يديه وقد أصبحت بيضاءَ تعكس شعاعاً سرمدياً وهو مسرور، طائرٌ بجناح البسطِ، لا يصدقُ ما يرى حتى عاد الصوت يقول: "يامن تبحث عن ماهية الروح .. اصنع بنفسك ماهيتك!"
تعجب لما لاح له جبل، به صخر من نور، أخذ منه صخرة كبيرة وأخرج من جعبته أدوات النحت، أخذ ينحت حجر النور وإذ به ينحت نفسه بيده، كمن يكشف عن ذاته بذاته، المخبأة تحت أُسُر الطبيعة، فتحرر ..

«ضيفة غامضة» قصة قصيرة للكاتبة مارا أحمد
«إقرار» قصة قصيرة للكاتب محمد عاطف الجندي
«ورد الجلنار» قصيدة للشاعر عاطف الجندي





