عملت مع الأستاذ الدكتور صلاح فضل فى لجنة الأدب بمجمع اللغة العربية فترة طويلة، فلمست فيه إنسانًا لين الجانب، صفى الطَويَّة، رحب الصَّدر، متدفق الحديث بمودة وتبسط، يبوح بمنعطفات حياته الماضية بلا خجل أو تزين، يدير اللجنة بحواريّة سلسة، لا يفرض رأيه بقدر ما يكتفى بعرضه وبيان وجاهته ومسوغه العلمى، رجّاعًا إلى ما تَتَّفق عليه اللجنة من رأى محاولا استيعاب الآراء المتباينة لأعضاء اللجنة فى القضية المعروضة، والتوفيق بينها فى صياغته الفورية التى يقرؤها عليهم، فتأتى متضمنة قول كل خطيب.
وأحسب أن الفترة التى قضاها رئيسًا لمجمع اللغة العربية بالقاهرة قَرَّبتنى منه أكثر، وجعلتنى أحيط بتفاصيل إنسانيته عن كثب، فمنذ اللحظة التى هاتفنى فيها بمودة بالغة، وعرض عليّ العمل معه فى مكتب رئيس المجمع، قال لى عبارة لا يزال صداها فى نفسي:
«لقد أدرت الموضوع من كافة جوانبه، فاكتشفت أنك مِن أقرب الناس إليّ فى المجمع وأحبهم، وأريدك أن تكون معى فى المكتب. أعرف أن هذا سيتعبك؛ لأننى أعرف ظروف سفرك».
والحق إن بعض الناس قد تُكَوِّن عنهم من بعيد صورة ذهنية أقرب إلى المثالية من خلال تعاملك المحدود معهم، أو من خلال آرائهم المعلنة، حتى إذا اقتربت منهم راعك ما تجد، تماما كحُكْمِنا على فصل الصيف ونحن فى عنفوان برد الشتاء، فيتراءى لنا الصيف طَلْقًا لطيفًا، فإذا عشنا تفاصيله شكونا حرّه القائظ ولفحتنا شمسه الحارقة. وقليلون من الناس من تتطابق تلك الصورة التى شكلها البُعد مع الصورة المفعمة بتفاصيل التعامل اليومى الساخن والإنسانى الحي. وأشهد أن صلاح فضل واحد من هذا القليل، فقد زاد قربى منه الصورة جمالا، وكشف لى ألوانًا مطمورة لم أكن أراها من قبل، ولعل من أبرز هذه الألوان:
1- عدم الالتفاف إلى صغائر الأمور، فقد كان دومًا يقول لى - فى هذه الفترة التى أراها ملأى بالأحداث التى كدرت صفوه - حين يعلم أنَّ فلانا قد تجاوز فى حقه أو عَرَّض به على صفحات التواصل الاجتماعي:
«لا تلتفت إلى مثل هذه الصغائر، من يَتَعرَّض للعملِ العام عُرْضة لكل هذا!».

2- التماس الأعذار لطبيعة النفوس البشرية، إذ كان طيب الله ثراه، لا يناصب العداء لمن يهاجمه أو يشكك فى نواياه.
«لا تَرُدَّ عليهم.. علينا أن نرد عليهم بالعمل والإنجاز؛ للفراغ من مشروعات المجمع العلميّة، هذه طبيعة الإنسان، وهم معذورون فتلك أسلحة المنافسة، أما سمعت قول شوقى:
رُزِقْتَ أَسْمَحَ ما فى الناسِ مِن خُلُقٍ إِذا رُزِقْتَ التِماسَ العُذْرِ فى الشِيَمِ.
ثم يكمل حديثه باسمًا:
هؤلاء مأ كان يصفهم طه حسين بالذين لا يعملون، ولا يريدون للناس أن تعمل!
وأذكر أنى عرضت عليه فى أثناء مرضه ما تداولته وسائل الإعلام حول إجازة المجمع الفعل «استعبط» حتى صار الأكثر تداولا «ترند»، وأذكر أن نبرتى كان يشوبها بعض الانفعال لمقدار السخرية التى تحدث بها بعض الإعلاميين عن هذه الإجازة المشروعة، فكان رده عليّ لطيفًا، فقال: إذا قالوا لك هذا فقل لهم قول شوقى مُحَرَّفًا على هذا النحو:
مال واعتبط/ وادّعى العبط
3- قبوله أشياء لا تميل إليها نفسه، بل ومحاولته التعايش معها وتأمل جوهرها، فالحب والكره ليس معيارًا للحكم المتجرد على الظواهر. وأذكر فى فترة رئاسته للمجمع العام الماضى، أن خطة البرنامج الثقافى كانت تتضمن ندوة بعنوان: «اللغة العربية فى الإعلام الرياضي».
وأنا أعرف أنه لا يميل إلى كرة القدم بحكم تنشئته القروية الأزهرية، فقد كان مقر المعهد المصرى للدراسات الإسلامية بإسبانيا الذى يعمل فيه على بعد خطوات من إستاد ريال مدريد، وقد حدثنى أن جدران المعهد كانت ترتجُّ بالهتاف والتصفيق فى لحظات الأهداف الساخنة.
ولكنه رغم هذا لم تُغْرِه هذه الهتافات أو تجذبه للذهاب لمشاهدة تلك المباريات؛ لأن هوايته الكبرى تكمن فى القراءة والكتابة على الكتابة (على حد تعبيره). وعلى الرغم من هذا فقد قدّم كلمة عن رياضة كرة القدم - فى حضرة إعلاميين رياضيين كبار فى هذه اللعبة - أثارت دهشتى لهذا التأمل الوقاد فى هذه اللعبة، فلم يتحدث عن تاريخ المكسب والخسارة، لكنه أوجز فلسفة كرة القدم بوصفها حياة ثرية ونصًّا ينبغى قراءته بعمق، وخلص إلى نقاط منها:
وأنها تعلم الجمهور العمل بروح الفريق، الذى يُنْتَقَى على أساس الكفاءة وحدها من قاعدة عريضة من مئات المتدربين والراغبين.
وأنها تخضع لقوانين معلنة يحفظها اللاعب والجمهور، ويدرك على الفور أى خروج عليها، ولابدّ أن يجازى هذا الخروج علنًا دون إبطاء، بواسطة حكم ينبغى أن يبرهن دومًا على نزاهته وعدله.
أنها تجسد نتائج اللعب فى أهداف منظورة، تشبع حاجة الإنسان العاجلة لرؤية نتائج النجاح والفشل المستحقين.
ويختم هذا التأمّل الخصب بقوله: «إن كرة القدم بذلك تقدم دروسًا فى السلوك والديمقراطية والتعايش المدنى الناجح». ولن يغادر ذهنى أبدًا صورة الذهول والدهشة البادية على وجه الحضور من سماع هذا التحليل من شيخ كبير يرى فى كرة القدم وجهًا من وجوه سيادة القانون والتعايش الديمقراطى المفعم بتكافؤ الفرص.
4- أناقة العبارة فى التعامل مع الناس، فقد كان يعامل صغار الموظفين قبل كبارِهم بِحَدَبٍ بالغ، ومحبة وارفة، يتحدث إليهم بكلام ودود وعبارات منتقاة من قاموسه الإنسانى الفياض، وكان من عاداته أن يقف عند مصافحة أحدهم لا فرق فى ذلك بين كبير وصغير.
ولا يمنع أحدًا من الدخول عليه وبث شكواه إليه، والانصات إليه باهتمام شديد، وكم من مرة أقول له: إنَّ وقتكم أثمن من أن يُشْغل بمثل هذه الأمور التى يمكن أن يحلها موظف أو مدير عام؟! فيقول لى إذا لم أنصفه فلن يُنْصفه أحد! كلهم عندى سواء، وعليك أن تبحث لى عن مهضومى الحق والمظلومين من صغار الموظفين الذين لا يصلون إليّ.
وهنا تذكرت كيف كان يحتفظ بحصته من الحلوى التى يحضرها أ.د.محمد المرسى من دمياط للجنة الأدب، ويُحْكِمُ تغليفها بنفسه ليرسلها إلى سائقه الذى يجلس بحديقة المجمع، فما أنبلك أيها الأستاذ الكريم!
وأما تقديره لأهل العلم من أعضاء المجمع وخبرائه وباحثيه فقد فأمر مذهل حقًّا؛ إذ كان حريصًا على أن يعطى لكل منهم قيمته العلمية والأدبية، ولا يذكره فى غيابه إلا مسبوقًا بلقبه العلميّ، وربما قدَّمه إلينا بمقدمة فيها من الإطراء والود ما ينم عن طلاقة لسانه و عذوبة بيانه.
5- عدم المبالغة فى الغضب، فقد كان يغضب حينما يقع أمر إدارى لم يوجه إليه، لكن غضبه لا يدوم طويلا، ولا ينقلب بعقاب مؤذ لمن اقترف خطأ، ولعل عبارته فى هذا المقام «فلان عاوز شد ودن» دالة على سماحة نفس لا تضمر الانتقام، ولا ترغب فى إيذاء أحد.
6- جَرأة المسئول فى التعامل مع البيروقراطية وعزيمة لا تنكسر فى مجابهة رتابة الدواوين واللوائح الجامدة التى تعوق إنجاز الأعمال العلمية، وكان شعاره فى هذا: «مادام المسئول يدفع بعجلة العمل، ولا يطلب لنفسه شيئًا، فعليه أن يكون جريئًا».
وكان يقول لى فى أيامه الأخيره: «إذا مد الله فى عمرى فلسوف أعمل على إنجاز مشروع مطبعة للمجمع، فلا يصح أن مؤسسة كبيرة مثل مجمع اللغة العربية لا تملك مطبعة لتقديم إنتاجها».
7- الإيمان الصادق بالتكنولوجيا الحديثة، رغم أنه لا يتعامل مع أدواتها بأسلوب احترافى، ونداؤه المستمر بضرورة التحول الرقمى لمواكبة العصر، ومعايشة التغيرات الطارئة على الساحة الأدبية واللغوية.
وقد انتقل إلى جوار ربه قبل أن يرى هذه الثمرة متمثلة فى الموقع الجديد لمجمع اللغة العربية الذى اقترب موعد انطلاقه مزوّدا بمحركات بحث لإنتاج المجمع اللغوى والمعجمي.
وأستاذنا الجليل نم هانئًا فإن غرسك الطيب سيزهو بأكرم نبات زرعته فى قلوب طلابك وأحبابك، وهو الحب الصادق والمودة الخالصة. لك السلام حتى نلتقى.
«أم كلثوم صوت العرب» في أول أعداد العام الجديد من مجلة الأهرام العربي
«وجودك ذنب.. قصة عقل».. سردية إبداعية لـ «محمد هزاع»
"أبواب كثيرة لعدن".. الديوان الشعري الثالث لمنال رضوان.







