إيهاب فتحى
عندما تطالع الأخبار فى أى وسيلة إعلامية أو وسائط السوشيال ميديا ستجد نوعية من الأخبار تطاردك يوميا وكلها تتعلق بالولايات المتحدة وبمعنى أدق تدخلات واشنطن فى شئون الشعوب والدول الأخرى، تتحكم فى هذه الأخبار دائمًا نبرة التعالى والصلف فكلها تتعلق بالرسالة السامية للسياسة الأمريكية فى توجيه أمم العالم إلى طريق الحرية والاستقرار والأمن.
فلامانع أن تجد خبرًا تقرأ فيه أن بعض نواب الكونجرس الأمريكى يعدون بيانًا من آلاف الكلمات وموجه لدولة لايعلم عنها أعضاء الكونجرس أى شيء سوى ما يعلمه اللوبى أو جماعات الضغط التى تحركهم وهذا التحريك أما لأسباب انتخابية أو الدعم المالى المقدم لحملات أعضاء الكونجرس الانتخابية . دائما سيدور بيان أعضاء الكونجرس حول موضوعهم المحبب وهو حقوق الإنسان ..أى حقوق وأى إنسان لا أحد يعلم، سيحتوى البيان على "كليشيهات " معتادة ، حق التظاهر أو الفوضى والإفراج عن السجناء ..أى سجناء بدون معرفة لماذا تم توقيع عقاب قانونى عليهم..
لا يهم أى تفصيلات المهم صدور البيان الذى يظهر أن الولايات المتحدة وأعضاء الكونجرس الموقر حريصين على حقوق الإنسان والحريات فى هذه الدولة والعالم أجمع، الحقيقة أن تعدد المؤسسات داخل واشنطن لا يترك الساحة خالية للكونجرس وأعضائه فى صناعة أخبار الحريات وحقوق الإنسان.
يقفز البيت الأبيض من خلال تعليقات المتحدث أو المتحدثة باسمه ومستشار الأمن القومى إلى نفس الساحة لكن البيت الأبيض ومتحدثيه ومستشاريه يفضلون موضوعات الاستقرار والأمن فالمجتمع الدولى بالنسبة للجالسين فى البيت الأبيض والمتحدثين باسمه هو ساحة من القتال والجنون وكل المسئولين فى هذا المجتمع الدولى لايجيدون إدارة دولهم ويجب عليهم تلقى الأوامر من السادة فى واشنطن عن كيفية تحقيق السلام فى دولهم والعالم رغم أن أى حرب أو أزمة دولية فى هذا العالم ستجد واشنطن محركًا رئيسيًا لها خاصة فى وجود تيار العولمة على كرسى الحكم فى البيت الأبيض.
تقدم وزارة الخارجية الأمريكية أسلوبًا مختلفًا فهى تعتمد على صكوك الغفران أو التقارير التى تصدرها بشكل دورى فهى توزع هذه الصكوك حسب حجم المصالح فتمنح هذه الدولة صك الطيبة إذ توافقت قرارتها مع المصالح الأمريكية وتشيطنها إذ خرجت عن دوائر المصالح الأمريكية وقررت الدولة اتخاذ قرار يتمتع بالاستقلالية.
أمام هذا الحرص الجارف من الاهتمام بالحريات والحقوق الذى تبديه واشنطن تجاه العالم أجمع سيكون من المنطقى توقع أن الداخل الأمريكى هو الأكثر حرية واستقرارًا وأمنًا وتطبيقًا للحقوق الإنسانية التى تطارد بها الولايات المتحدة المجتمع الدولى لكن على بعد كيلومترات من عاصمة الأمريكية واشنطن جرت واقعة لم تتكلم عنها البيانات و كلمات المتحدثين وصكوك الغفران ولم تهتم آلة الدعاية الأمريكية الرئيسية بالواقعة هذه الآلة التى تطارد بصفاقة دول العالم لأتفه الأسباب وتمارس عليها وصاية سخيفة، الواقعة ببساطة أن هناك صحفيًا أمريكيًا اختفى من منزله بالقرب من العاصمة واشنطن ولم يظهر منذ شهور.
كان يمكن اعتبار واقعة اختفاء الصحفى الشهير جايمس جوردن ميك الذى يعمل كصحفى استقصائى فى مجالات الأمن القومى الأمريكى واقعة جنائية أو أنه قرر الاختفاء بإرادته الحرة لكن آخر أعمال الصحفى ومنتج الأفلام الوثائقية كانت التحقيق فى التدخلات الأمريكية فى الأزمة الروسية الأوكرانية حيث كان يعد تحقيقًا عن هذه التدخلات وآخر ماكتبه على موقع تويتر تغريدة بها كلمة واحدة ..حقائق.
بعد هذه التغريدة فوجئ سكان أرالنجتون بولاية فريجنيا بسيارات مدرعة المخصصة لمواجهة العمليات الإرهابية ومئات من عناصر المباحث الفيدرالية المدججين بالسلاح يحاصرون منزل جايمس جوردون ميك ثم يقتحمونه ويستولون على كل مافيه ثم يعتقلون جوردون ميك ليذهبوا به إلى جهة مجهولة، أمام هذا المشهد العنيف كان المتوقع أن تصدر المباحث الفيدرالية بيانًا حول سبب الاعتقال أو التهم الموجهة إليه لكن كل ماصدر عن المباحث الفيدرالية بعد إلحاح ذوى الصحفى وأصدقائه أن ما حدث لأسباب تتعلق بالأمن القومى الأمريكى أما أين يوجد جوردن ميك أو طبيعة الإجراءات القانونية التى ستتخذ ضده فهى أمور لم تهتم بها الدولة الأمريكية وأجهزتها الأمنية ولم تفصح عنها.
يمكن الآن عندما تكتب اسم جوردون ميك على محركات البحث ستجد سؤالا حائرًا منذ شهور وهو أين ذهب جايمس جوردون ميك ؟ وبالتأكيد هو سؤال بلا إجابة ولا تهتم به وسائل الإعلام الأمريكية الرئيسية التى تكتب الافتتاحيات المطولة عن تعرض ناشط سياسى أو صحفى للضيق من معاملة دولته له حتى لو كان هذا الناشط فى جزر الواق الواق أما منظمات حقوق الإنسان التى تقيم فى واشنطن وتسير على درب توجهات تيار المعولمين فهى لم تسمع أو ترى موضوع اعتقال جوردون ميك وبالتأكيد لن تهتم وسائل الإعلام الرئيسية والمنظمات الحقوقية بجوردون ميك واعتقاله لأنه حدث فى الداخل الأمريكى.
قد يتصور البعض أن ما حدث مع جوردون ميك استثناءً على قاعدة الحريات الأمريكية لكن الحقيقة أن ماحدث مع جوردون ميك أقل الاستثناءات وحشية فى التعامل الأمريكى مع الصحفيين، فميك لم يلق مصير زميله جارى ويب الذى وجد منتحرًا داخل منزله برصاصتين فى رأسه !!وكانت آخر أعمال ويب الصحفية جمعه معلومات عن علاقة المخابرات الأمريكية بامبراطور المخدرات الكولومبى بابلو اسكوبار وكيف كان بابلو اسكوبار عميلا للمخابرات الأمريكية ويدير تجارة مخدرات بمليارات الدولارات ويهرب الأطنان منها داخل الولايات المتحدة تحت إشراف جهاز المخابرات الأمريكى من أجل تمويل عملياتها دخل أمريكا اللاتينية وعندما خرج اسكوبار عن يد مشغليه وأراد أن يعمل بمفرده تم قتله وتصفيته.
إذا أردنا تتبع تاريخ الإدارات الأمريكية مع الصحفيين فى الداخل الأمريكى فنحن سنحتاج الى مجلدات ندون فيها الحوادث الغامضة التى أنهت حياة صحفيين أمريكيين أومنعهم من ممارسة عملهم وتصفيتهم معنويًا عن طريق اتهامهم بالكذب.
حتى أيقونة العمل الصحفى الأمريكى وهى فضيحة وترجيت التى استقال بسببها الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون بسبب تجسس عناصر من المخابرات الأمريكية على مقرات منافسه من الحزب الديمقراطى فى الانتخابات الرئاسية ونشرت وقائعها صحيفة الواشنطن بوست عندما تكشفت الحقائق كاملة حول ماحدث لم يكن عملا مرتبطا بالحريات والدفاع عن القيم.
كان مسرب المعلومات للصحفى بالواشنطن بوست بوب ودورد هو مارك فيلت الرجل الثانى فى المباحث الفيدرالية ولم يكن سبب النشر أوالتسريب الخوف على الحريات الأمريكية بل صراع الأجهزة الأمنية الأمريكية فقد انحاز نيكسون إلى المخابرات ضد المباحث الفيدرالية بعد وفاة مؤسس المباحث الفيدرالية ادجار هوفر الذى ترأس الجهاز لمدة 43 عامًاــ لاحديث هنا عن تداول السلطة الذى تصدع رؤوسنا به وسائل الإعلام الأمريكية ــ قررنيكسون أن يرأس الجهاز أحد رجاله لتصفية ارث أدجارهوفر الرهيب والوثائق التى يملكها هوفر على كل الرؤساء والسياسيين الأمريكيين وهى بالتأكيد وثائق عند نشرها ستكشف حقائق مشينة عن طبيعة الحكم فى الولايات المتحدة وحتى هذه اللحظة ماتزال هذه الوثائق مجهولة المكان ولم يستطع نيكسون ورجاله الوصول إليها وقتها.
أطاح نيكسون بمارك فليت رجل أدجار هوفر وتلميذه المخلص من مركز القرار فى الجهاز وولى رجله باتريك جراى رئاسة المباحث الفيدرالية من أجل هدف واحد تمزيق المباحث الفيدرالية وكل ماصنعه هوفر الذى كان يرتعد منه نيكسون وهنا قرر فليت والمجموعة الموالية لمؤسس الجهاز هوفر الإطاحة بنيكسون عن طريق تسريب هذه المعلومات حول إصدار نيكسون الأوامر للمخابرات بالتجسس على منافسه.
لم يكن الأمر هنا له علاقة بالدفاع عن الحرية أو نبالة الدفاع عن قيم كان صراعا على حكم بين أجهزة أمنية ودوائر سياسية عندها جشع تجاه مزيد من النفوذ والسيطرة على كل مفاصل الدولة وتم استخدام الصحافة الأمريكية فى هذا الصراع وتولت الآلة الدعائية المدربة الترويج أمام العالم أن ماحدث كان قمة الحرية فى كشف الحقيقة ولكنها كانت لعبة دعائية عكسية لطمس الحقائق وإخفاء الوجه القبيح والقاسى لطبيعة نظام الحكم الأمريكى.
رغم كل الحقائق هناك من يرى أن النظام السياسى الأمريكى مع هذه التجاوزات هو نظام سياسى مستقر وله قواعد ثابتة فى الشارع الأمريكى لكن منذ يناير 2020 ووصول الموجة الثالثة من المعولمين الأكثر شراسة إلى الحكم فى البيت الأبيض بعد إدارتى كلينتون وأوباما نجد أن هذه الرؤية حول الاستقرار ضبابية فكيف لطبقة سياسية منتخبة ممثلة فى أعضاء الكونجرس تتلقى أكثر من عشرين ألف تهديد بالقتل والاعتداء خلال العام الماضى أو يتم اقتحام قصر الشخصية الثالثة فى سلم الحكم الأمريكى نانسى بلوسى والاعتداء على زوجها وكانت هى المقصودة وقبل هذا اقتحام الكونجرس من آلاف الأمريكيين متهمين تيار العولمة بتزوير الانتخابات الرئاسية و الاستيلاء على الحكم هذا غير الحوادث الإرهابية شبه اليومية ضد مقرات الدولة الأمريكية من تنظيمات يسارية ويمينية متطرفة ولا تذكر عنها آلة الدعاية الأمريكية شيئًا لتقترب الصورة من حرب أهلية غير معلن عنها فى الداخل الأمريكى.
حتى هذه اللحظة مازال هناك من يخشى البيانات والمتحدثين وصكوك الغفران الأمريكية وتيار العولمة الحاكم فيها الذى يجمع حوله ويرعى عصابات الفاشيست ومجانين اليسار لكن الحقيقة تقول إن الولايات المتحدة كيان أصبح ممزقًا من الداخل ويرفض الاعتراف فى عناد بانتهاء وضعه الدولى المميز لصالح عالم متعدد الأقطاب، عندما ننظر إلى حقيقة الداخل الأمريكى وتحولات القوى على مستوى الوضع الدولى فهذه النظرة تفرض على الجميع القيام بحسابات واتخاذ قرارات فارقة من أجل المستقبل.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







