اختفاء صحفى

إيهاب فتحى
إيهاب فتحى


إيهاب فتحى

عندما‭ ‬تطالع‭ ‬الأخبار‭ ‬فى‭ ‬أى‭ ‬وسيلة‭ ‬إعلامية‭ ‬أو‭ ‬وسائط‭ ‬السوشيال‭ ‬ميديا‭ ‬ستجد‭ ‬نوعية‭ ‬من‭ ‬الأخبار‭ ‬تطاردك‭ ‬يوميا‭ ‬وكلها‭ ‬تتعلق‭ ‬بالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وبمعنى‭ ‬أدق‭ ‬تدخلات‭ ‬واشنطن‭ ‬فى‭ ‬شئون‭ ‬الشعوب‭ ‬والدول‭ ‬الأخرى،‭ ‬تتحكم‭ ‬فى‭ ‬هذه‭ ‬الأخبار‭ ‬دائمًا‭ ‬نبرة‭ ‬التعالى‭ ‬والصلف‭ ‬فكلها‭ ‬تتعلق‭ ‬بالرسالة‭ ‬السامية‭ ‬للسياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬فى‭ ‬توجيه‭ ‬أمم‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬طريق‭ ‬الحرية‭ ‬والاستقرار‭ ‬والأمن‭.‬

فلامانع‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬خبرًا‭ ‬تقرأ‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬نواب‭ ‬الكونجرس‭ ‬الأمريكى‭ ‬يعدون‭ ‬بيانًا‭ ‬من‭ ‬آلاف‭ ‬الكلمات‭ ‬وموجه‭ ‬لدولة‭ ‬لايعلم‭ ‬عنها‭ ‬أعضاء‭ ‬الكونجرس‭ ‬أى‭ ‬شيء‭ ‬سوى‭ ‬ما‭ ‬يعلمه‭ ‬اللوبى‭ ‬أو‭ ‬جماعات‭ ‬الضغط‭ ‬التى‭ ‬تحركهم‭ ‬وهذا‭ ‬التحريك‭ ‬أما‭ ‬لأسباب‭ ‬انتخابية‭ ‬أو‭ ‬الدعم‭ ‬المالى‭ ‬المقدم‭ ‬لحملات‭ ‬أعضاء‭ ‬الكونجرس‭ ‬الانتخابية‭ . ‬دائما‭ ‬سيدور‭ ‬بيان‭ ‬أعضاء‭ ‬الكونجرس‭ ‬حول‭ ‬موضوعهم‭ ‬المحبب‭ ‬وهو‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ..‬أى‭ ‬حقوق‭ ‬وأى‭ ‬إنسان‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يعلم،‭ ‬سيحتوى‭ ‬البيان‭ ‬على‭ "‬كليشيهات‭ " ‬معتادة‭ ‬،‭ ‬حق‭ ‬التظاهر‭ ‬أو‭ ‬الفوضى‭ ‬والإفراج‭ ‬عن‭ ‬السجناء‭ ..‬أى‭ ‬سجناء‭ ‬بدون‭ ‬معرفة‭ ‬لماذا‭ ‬تم‭ ‬توقيع‭ ‬عقاب‭ ‬قانونى‭ ‬عليهم‭..‬

لا‭ ‬يهم‭ ‬أى‭ ‬تفصيلات‭ ‬المهم‭ ‬صدور‭ ‬البيان‭ ‬الذى‭ ‬يظهر‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأعضاء‭ ‬الكونجرس‭ ‬الموقر‭ ‬حريصين‭ ‬على‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والحريات‭ ‬فى‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭ ‬والعالم‭ ‬أجمع،‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬تعدد‭ ‬المؤسسات‭ ‬داخل‭ ‬واشنطن‭ ‬لا‭ ‬يترك‭ ‬الساحة‭ ‬خالية‭ ‬للكونجرس‭ ‬وأعضائه‭ ‬فى‭ ‬صناعة‭ ‬أخبار‭ ‬الحريات‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭.‬

يقفز‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تعليقات‭ ‬المتحدث‭ ‬أو‭ ‬المتحدثة‭ ‬باسمه‭ ‬ومستشار‭ ‬الأمن‭ ‬القومى‭ ‬إلى‭ ‬نفس‭ ‬الساحة‭ ‬لكن‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬ومتحدثيه‭ ‬ومستشاريه‭ ‬يفضلون‭ ‬موضوعات‭ ‬الاستقرار‭ ‬والأمن‭ ‬فالمجتمع‭ ‬الدولى‭  ‬بالنسبة‭ ‬للجالسين‭ ‬فى‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬والمتحدثين‭ ‬باسمه‭ ‬هو‭ ‬ساحة‭ ‬من‭ ‬القتال‭ ‬والجنون‭ ‬وكل‭ ‬المسئولين‭ ‬فى‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولى‭ ‬لايجيدون‭ ‬إدارة‭ ‬دولهم‭ ‬ويجب‭ ‬عليهم‭ ‬تلقى‭ ‬الأوامر‭ ‬من‭ ‬السادة‭ ‬فى‭ ‬واشنطن‭ ‬عن‭ ‬كيفية‭ ‬تحقيق‭ ‬السلام‭ ‬فى‭ ‬دولهم‭ ‬والعالم‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬أى‭ ‬حرب‭ ‬أو‭ ‬أزمة‭ ‬دولية‭ ‬فى‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬ستجد‭ ‬واشنطن‭ ‬محركًا‭ ‬رئيسيًا‭ ‬لها‭ ‬خاصة‭ ‬فى‭ ‬وجود‭ ‬تيار‭ ‬العولمة‭ ‬على‭ ‬كرسى‭ ‬الحكم‭ ‬فى‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭.‬

تقدم‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬أسلوبًا‭ ‬مختلفًا‭ ‬فهى‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬صكوك‭ ‬الغفران‭ ‬أو‭ ‬التقارير‭ ‬التى‭ ‬تصدرها‭ ‬بشكل‭ ‬دورى‭ ‬فهى‭ ‬توزع‭ ‬هذه‭ ‬الصكوك‭ ‬حسب‭ ‬حجم‭ ‬المصالح‭ ‬فتمنح‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭ ‬صك‭ ‬الطيبة‭ ‬إذ‭ ‬توافقت‭ ‬قرارتها‭ ‬مع‭  ‬المصالح‭ ‬الأمريكية‭ ‬وتشيطنها‭ ‬إذ‭ ‬خرجت‭ ‬عن‭ ‬دوائر‭ ‬المصالح‭ ‬الأمريكية‭ ‬وقررت‭ ‬الدولة‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬يتمتع‭ ‬بالاستقلالية‭.‬

أمام‭ ‬هذا‭ ‬الحرص‭ ‬الجارف‭ ‬من‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالحريات‭ ‬والحقوق‭ ‬الذى‭ ‬تبديه‭ ‬واشنطن‭ ‬تجاه‭ ‬العالم‭ ‬أجمع‭ ‬سيكون‭ ‬من‭ ‬المنطقى‭ ‬توقع‭ ‬أن‭ ‬الداخل‭ ‬الأمريكى‭ ‬هو‭ ‬الأكثر‭ ‬حرية‭ ‬واستقرارًا‭ ‬وأمنًا‭ ‬وتطبيقًا‭ ‬للحقوق‭ ‬الإنسانية‭ ‬التى‭ ‬تطارد‭ ‬بها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولى‭ ‬لكن‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬كيلومترات‭ ‬من‭ ‬عاصمة‭ ‬الأمريكية‭ ‬واشنطن‭ ‬جرت‭ ‬واقعة‭ ‬لم‭ ‬تتكلم‭ ‬عنها‭ ‬البيانات‭ ‬و‭ ‬كلمات‭ ‬المتحدثين‭ ‬وصكوك‭ ‬الغفران‭ ‬ولم‭ ‬تهتم‭ ‬آلة‭ ‬الدعاية‭ ‬الأمريكية‭ ‬الرئيسية‭ ‬بالواقعة‭ ‬هذه‭ ‬الآلة‭ ‬التى‭ ‬تطارد‭ ‬بصفاقة‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬لأتفه‭ ‬الأسباب‭ ‬وتمارس‭ ‬عليها‭ ‬وصاية‭ ‬سخيفة،‭ ‬الواقعة‭ ‬ببساطة‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬صحفيًا‭ ‬أمريكيًا‭ ‬اختفى‭ ‬من‭ ‬منزله‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬العاصمة‭ ‬واشنطن‭ ‬ولم‭ ‬يظهر‭ ‬منذ‭ ‬شهور‭.‬

كان‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬واقعة‭ ‬اختفاء‭ ‬الصحفى‭ ‬الشهير‭ ‬جايمس‭ ‬جوردن‭ ‬ميك‭ ‬الذى‭ ‬يعمل‭ ‬كصحفى‭ ‬استقصائى‭ ‬فى‭ ‬مجالات‭ ‬الأمن‭ ‬القومى‭ ‬الأمريكى‭ ‬واقعة‭ ‬جنائية‭ ‬أو‭ ‬أنه‭ ‬قرر‭ ‬الاختفاء‭ ‬بإرادته‭ ‬الحرة‭ ‬لكن‭ ‬آخر‭ ‬أعمال‭ ‬الصحفى‭ ‬ومنتج‭ ‬الأفلام‭ ‬الوثائقية‭ ‬كانت‭ ‬التحقيق‭ ‬فى‭ ‬التدخلات‭ ‬الأمريكية‭ ‬فى‭ ‬الأزمة‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬يعد‭ ‬تحقيقًا‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬التدخلات‭ ‬وآخر‭ ‬ماكتبه‭ ‬على‭ ‬موقع‭ ‬تويتر‭ ‬تغريدة‭ ‬بها‭ ‬كلمة‭ ‬واحدة‭ ..‬حقائق‭.‬

بعد‭ ‬هذه‭ ‬التغريدة‭ ‬فوجئ‭ ‬سكان‭ ‬أرالنجتون‭ ‬بولاية‭ ‬فريجنيا‭ ‬بسيارات‭ ‬مدرعة‭ ‬المخصصة‭ ‬لمواجهة‭ ‬العمليات‭ ‬الإرهابية‭ ‬ومئات‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬المباحث‭ ‬الفيدرالية‭ ‬المدججين‭ ‬بالسلاح‭ ‬يحاصرون‭ ‬منزل‭ ‬جايمس‭ ‬جوردون‭ ‬ميك‭ ‬ثم‭ ‬يقتحمونه‭ ‬ويستولون‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬مافيه‭ ‬ثم‭ ‬يعتقلون‭ ‬جوردون‭ ‬ميك‭ ‬ليذهبوا‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬جهة‭ ‬مجهولة،‭ ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬العنيف‭ ‬كان‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تصدر‭ ‬المباحث‭ ‬الفيدرالية‭ ‬بيانًا‭ ‬حول‭ ‬سبب‭ ‬الاعتقال‭ ‬أو‭ ‬التهم‭ ‬الموجهة‭ ‬إليه‭ ‬لكن‭ ‬كل‭ ‬ماصدر‭ ‬عن‭ ‬المباحث‭ ‬الفيدرالية‭ ‬بعد‭ ‬إلحاح‭ ‬ذوى‭ ‬الصحفى‭ ‬وأصدقائه‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬لأسباب‭ ‬تتعلق‭ ‬بالأمن‭ ‬القومى‭ ‬الأمريكى‭ ‬أما‭ ‬أين‭ ‬يوجد‭ ‬جوردن‭ ‬ميك‭ ‬أو‭ ‬طبيعة‭ ‬الإجراءات‭ ‬القانونية‭ ‬التى‭ ‬ستتخذ‭ ‬ضده‭ ‬فهى‭ ‬أمور‭ ‬لم‭ ‬تهتم‭ ‬بها‭ ‬الدولة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وأجهزتها‭ ‬الأمنية‭ ‬ولم‭ ‬تفصح‭ ‬عنها‭.‬

يمكن‭ ‬الآن‭ ‬عندما‭ ‬تكتب‭ ‬اسم‭ ‬جوردون‭ ‬ميك‭ ‬على‭ ‬محركات‭ ‬البحث‭ ‬ستجد‭ ‬سؤالا‭ ‬حائرًا‭ ‬منذ‭ ‬شهور‭ ‬وهو‭ ‬أين‭ ‬ذهب‭ ‬جايمس‭ ‬جوردون‭ ‬ميك‭ ‬؟‭ ‬وبالتأكيد‭ ‬هو‭ ‬سؤال‭ ‬بلا‭ ‬إجابة‭ ‬ولا‭ ‬تهتم‭ ‬به‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الأمريكية‭ ‬الرئيسية‭ ‬التى‭ ‬تكتب‭ ‬الافتتاحيات‭ ‬المطولة‭ ‬عن‭ ‬تعرض‭ ‬ناشط‭ ‬سياسى‭ ‬أو‭ ‬صحفى‭ ‬للضيق‭ ‬من‭ ‬معاملة‭ ‬دولته‭ ‬له‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الناشط‭ ‬فى‭ ‬جزر‭ ‬الواق‭ ‬الواق‭ ‬أما‭ ‬منظمات‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬التى‭ ‬تقيم‭ ‬فى‭ ‬واشنطن‭ ‬وتسير‭ ‬على‭ ‬درب‭ ‬توجهات‭ ‬تيار‭ ‬المعولمين‭ ‬فهى‭ ‬لم‭ ‬تسمع‭ ‬أو‭ ‬ترى‭ ‬موضوع‭ ‬اعتقال‭ ‬جوردون‭ ‬ميك‭ ‬وبالتأكيد‭ ‬لن‭ ‬تهتم‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الرئيسية‭ ‬والمنظمات‭ ‬الحقوقية‭ ‬بجوردون‭ ‬ميك‭ ‬واعتقاله‭ ‬لأنه‭ ‬حدث‭ ‬فى‭ ‬الداخل‭ ‬الأمريكى‭.‬

قد‭ ‬يتصور‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬مع‭ ‬جوردون‭ ‬ميك‭ ‬استثناءً‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬الحريات‭ ‬الأمريكية‭ ‬لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬ماحدث‭ ‬مع‭ ‬جوردون‭ ‬ميك‭ ‬أقل‭ ‬الاستثناءات‭ ‬وحشية‭ ‬فى‭ ‬التعامل‭ ‬الأمريكى‭ ‬مع‭ ‬الصحفيين،‭ ‬فميك‭ ‬لم‭ ‬يلق‭ ‬مصير‭ ‬زميله‭ ‬جارى‭ ‬ويب‭ ‬الذى‭ ‬وجد‭ ‬منتحرًا‭ ‬داخل‭ ‬منزله‭ ‬برصاصتين‭ ‬فى‭ ‬رأسه‭ !!‬وكانت‭ ‬آخر‭ ‬أعمال‭ ‬ويب‭ ‬الصحفية‭ ‬جمعه‭ ‬معلومات‭ ‬عن‭ ‬علاقة‭ ‬المخابرات‭ ‬الأمريكية‭ ‬بامبراطور‭ ‬المخدرات‭ ‬الكولومبى‭ ‬بابلو‭ ‬اسكوبار‭ ‬وكيف‭ ‬كان‭ ‬بابلو‭ ‬اسكوبار‭ ‬عميلا‭ ‬للمخابرات‭ ‬الأمريكية‭  ‬ويدير‭ ‬تجارة‭ ‬مخدرات‭ ‬بمليارات‭ ‬الدولارات‭ ‬ويهرب‭ ‬الأطنان‭ ‬منها‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تحت‭ ‬إشراف‭ ‬جهاز‭ ‬المخابرات‭ ‬الأمريكى‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تمويل‭ ‬عملياتها‭ ‬دخل‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية‭ ‬وعندما‭ ‬خرج‭ ‬اسكوبار‭ ‬عن‭ ‬يد‭ ‬مشغليه‭ ‬وأراد‭ ‬أن‭ ‬يعمل‭ ‬بمفرده‭ ‬تم‭ ‬قتله‭ ‬وتصفيته‭.‬

إذا‭ ‬أردنا‭ ‬تتبع‭ ‬تاريخ‭ ‬الإدارات‭ ‬الأمريكية‭ ‬مع‭ ‬الصحفيين‭ ‬فى‭ ‬الداخل‭ ‬الأمريكى‭ ‬فنحن‭ ‬سنحتاج‭ ‬الى‭ ‬مجلدات‭ ‬ندون‭ ‬فيها‭ ‬الحوادث‭ ‬الغامضة‭ ‬التى‭ ‬أنهت‭ ‬حياة‭ ‬صحفيين‭ ‬أمريكيين‭ ‬أومنعهم‭ ‬من‭ ‬ممارسة‭ ‬عملهم‭ ‬وتصفيتهم‭ ‬معنويًا‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬اتهامهم‭ ‬بالكذب‭.‬

حتى‭ ‬أيقونة‭ ‬العمل‭ ‬الصحفى‭ ‬الأمريكى‭ ‬وهى‭ ‬فضيحة‭ ‬وترجيت‭ ‬التى‭ ‬استقال‭ ‬بسببها‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكى‭ ‬ريتشارد‭ ‬نيكسون‭ ‬بسبب‭ ‬تجسس‭ ‬عناصر‭ ‬من‭ ‬المخابرات‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬مقرات‭ ‬منافسه‭ ‬من‭ ‬الحزب‭ ‬الديمقراطى‭ ‬فى‭ ‬الانتخابات‭ ‬الرئاسية‭ ‬ونشرت‭ ‬وقائعها‭ ‬صحيفة‭ ‬الواشنطن‭ ‬بوست‭ ‬عندما‭ ‬تكشفت‭ ‬الحقائق‭ ‬كاملة‭ ‬حول‭ ‬ماحدث‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬عملا‭ ‬مرتبطا‭ ‬بالحريات‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬القيم‭. ‬

كان‭ ‬مسرب‭ ‬المعلومات‭ ‬للصحفى‭ ‬بالواشنطن‭ ‬بوست‭ ‬بوب‭ ‬ودورد‭ ‬هو‭ ‬مارك‭ ‬فيلت‭ ‬الرجل‭ ‬الثانى‭ ‬فى‭ ‬المباحث‭ ‬الفيدرالية‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬سبب‭ ‬النشر‭ ‬أوالتسريب‭ ‬الخوف‭ ‬على‭ ‬الحريات‭ ‬الأمريكية‭ ‬بل‭ ‬صراع‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬الأمريكية‭ ‬فقد‭ ‬انحاز‭ ‬نيكسون‭ ‬إلى‭ ‬المخابرات‭ ‬ضد‭ ‬المباحث‭ ‬الفيدرالية‭ ‬بعد‭ ‬وفاة‭ ‬مؤسس‭ ‬المباحث‭ ‬الفيدرالية‭ ‬ادجار‭ ‬هوفر‭ ‬الذى‭ ‬ترأس‭ ‬الجهاز‭ ‬لمدة‭ ‬43‭ ‬عامًاــ‭ ‬لاحديث‭ ‬هنا‭ ‬عن‭ ‬تداول‭ ‬السلطة‭ ‬الذى‭ ‬تصدع‭ ‬رؤوسنا‭ ‬به‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الأمريكية‭ ‬ــ‭ ‬قررنيكسون‭ ‬أن‭ ‬يرأس‭ ‬الجهاز‭ ‬أحد‭ ‬رجاله‭ ‬لتصفية‭ ‬ارث‭ ‬أدجارهوفر‭ ‬الرهيب‭ ‬والوثائق‭ ‬التى‭ ‬يملكها‭ ‬هوفر‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الرؤساء‭ ‬والسياسيين‭ ‬الأمريكيين‭ ‬وهى‭ ‬بالتأكيد‭ ‬وثائق‭ ‬عند‭ ‬نشرها‭ ‬ستكشف‭ ‬حقائق‭ ‬مشينة‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬الحكم‭ ‬فى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحتى‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬ماتزال‭ ‬هذه‭ ‬الوثائق‭ ‬مجهولة‭ ‬المكان‭ ‬ولم‭ ‬يستطع‭ ‬نيكسون‭ ‬ورجاله‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭ ‬وقتها‭.‬

أطاح‭ ‬نيكسون‭ ‬بمارك‭ ‬فليت‭ ‬رجل‭ ‬أدجار‭ ‬هوفر‭ ‬وتلميذه‭ ‬المخلص‭  ‬من‭ ‬مركز‭ ‬القرار‭ ‬فى‭ ‬الجهاز‭ ‬وولى‭ ‬رجله‭ ‬باتريك‭ ‬جراى‭ ‬رئاسة‭ ‬المباحث‭ ‬الفيدرالية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬هدف‭ ‬واحد‭ ‬تمزيق‭ ‬المباحث‭ ‬الفيدرالية‭ ‬وكل‭ ‬ماصنعه‭ ‬هوفر‭ ‬الذى‭ ‬كان‭ ‬يرتعد‭ ‬منه‭ ‬نيكسون‭ ‬وهنا‭ ‬قرر‭ ‬فليت‭ ‬والمجموعة‭ ‬الموالية‭ ‬لمؤسس‭ ‬الجهاز‭ ‬هوفر‭ ‬الإطاحة‭ ‬بنيكسون‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬تسريب‭ ‬هذه‭ ‬المعلومات‭ ‬حول‭ ‬إصدار‭ ‬نيكسون‭ ‬الأوامر‭ ‬للمخابرات‭ ‬بالتجسس‭ ‬على‭ ‬منافسه‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬الأمر‭ ‬هنا‭ ‬له‭ ‬علاقة‭ ‬بالدفاع‭ ‬عن‭ ‬الحرية‭ ‬أو‭ ‬نبالة‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬قيم‭ ‬كان‭ ‬صراعا‭ ‬على‭ ‬حكم‭ ‬بين‭ ‬أجهزة‭ ‬أمنية‭ ‬ودوائر‭ ‬سياسية‭ ‬عندها‭ ‬جشع‭ ‬تجاه‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬النفوذ‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬مفاصل‭ ‬الدولة‭ ‬وتم‭ ‬استخدام‭ ‬الصحافة‭ ‬الأمريكية‭ ‬فى‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬وتولت‭ ‬الآلة‭ ‬الدعائية‭ ‬المدربة‭ ‬الترويج‭ ‬أمام‭ ‬العالم‭ ‬أن‭ ‬ماحدث‭ ‬كان‭ ‬قمة‭ ‬الحرية‭ ‬فى‭ ‬كشف‭ ‬الحقيقة‭ ‬ولكنها‭ ‬كانت‭ ‬لعبة‭ ‬دعائية‭ ‬عكسية‭ ‬لطمس‭ ‬الحقائق‭ ‬وإخفاء‭ ‬الوجه‭ ‬القبيح‭ ‬والقاسى‭ ‬لطبيعة‭ ‬نظام‭ ‬الحكم‭ ‬الأمريكى‭.‬

رغم‭ ‬كل‭ ‬الحقائق‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬السياسى‭ ‬الأمريكى‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬التجاوزات‭ ‬هو‭ ‬نظام‭ ‬سياسى‭ ‬مستقر‭ ‬وله‭ ‬قواعد‭ ‬ثابتة‭ ‬فى‭ ‬الشارع‭ ‬الأمريكى‭ ‬لكن‭ ‬منذ‭ ‬يناير‭ ‬2020‭ ‬ووصول‭ ‬الموجة‭ ‬الثالثة‭ ‬من‭ ‬المعولمين‭ ‬الأكثر‭ ‬شراسة‭ ‬إلى‭ ‬الحكم‭ ‬فى‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬بعد‭ ‬إدارتى‭ ‬كلينتون‭ ‬وأوباما‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬حول‭ ‬الاستقرار‭ ‬ضبابية‭ ‬فكيف‭ ‬لطبقة‭ ‬سياسية‭ ‬منتخبة‭ ‬ممثلة‭ ‬فى‭ ‬أعضاء‭ ‬الكونجرس‭ ‬تتلقى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬ألف‭ ‬تهديد‭ ‬بالقتل‭ ‬والاعتداء‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬الماضى‭ ‬أو‭ ‬يتم‭ ‬اقتحام‭ ‬قصر‭ ‬الشخصية‭ ‬الثالثة‭ ‬فى‭ ‬سلم‭ ‬الحكم‭ ‬الأمريكى‭ ‬نانسى‭ ‬بلوسى‭ ‬والاعتداء‭ ‬على‭ ‬زوجها‭ ‬وكانت‭ ‬هى‭ ‬المقصودة‭ ‬وقبل‭ ‬هذا‭ ‬اقتحام‭ ‬الكونجرس‭ ‬من‭ ‬آلاف‭ ‬الأمريكيين‭ ‬متهمين‭ ‬تيار‭ ‬العولمة‭ ‬بتزوير‭ ‬الانتخابات‭ ‬الرئاسية‭ ‬و‭ ‬الاستيلاء‭ ‬على‭ ‬الحكم‭ ‬هذا‭ ‬غير‭ ‬الحوادث‭ ‬الإرهابية‭ ‬شبه‭ ‬اليومية‭ ‬ضد‭ ‬مقرات‭ ‬الدولة‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬تنظيمات‭ ‬يسارية‭ ‬ويمينية‭ ‬متطرفة‭ ‬ولا‭ ‬تذكر‭ ‬عنها‭ ‬آلة‭ ‬الدعاية‭ ‬الأمريكية‭ ‬شيئًا‭ ‬لتقترب‭ ‬الصورة‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬أهلية‭ ‬غير‭ ‬معلن‭ ‬عنها‭ ‬فى‭ ‬الداخل‭ ‬الأمريكى‭.‬

حتى‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬مازال‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يخشى‭ ‬البيانات‭ ‬والمتحدثين‭ ‬وصكوك‭ ‬الغفران‭ ‬الأمريكية‭ ‬وتيار‭ ‬العولمة‭ ‬الحاكم‭ ‬فيها‭ ‬الذى‭ ‬يجمع‭ ‬حوله‭ ‬ويرعى‭ ‬عصابات‭ ‬الفاشيست‭ ‬ومجانين‭ ‬اليسار‭ ‬لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬كيان‭ ‬أصبح‭ ‬ممزقًا‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬ويرفض‭ ‬الاعتراف‭ ‬فى‭ ‬عناد‭  ‬بانتهاء‭ ‬وضعه‭ ‬الدولى‭ ‬المميز‭ ‬لصالح‭ ‬عالم‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب،‭ ‬عندما‭ ‬ننظر‭ ‬إلى‭ ‬حقيقة‭ ‬الداخل‭ ‬الأمريكى‭ ‬وتحولات‭ ‬القوى‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الوضع‭ ‬الدولى‭ ‬فهذه‭ ‬النظرة‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬الجميع‭ ‬القيام‭ ‬بحسابات‭ ‬واتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬فارقة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬المستقبل‭.‬