مبدعة «خدعة الفلامنجو»: أنا مدينة لعالم الحيوان!

 الأديبة نهلة كرم
الأديبة نهلة كرم


بقلم : محمد سرساوى

تحاول الأديبة نهلة كرم أن توثق حكايات بنات جيلها عبر نصوصها، حيث ترصد أحلامهم وتبحث كيف يواجهون حياتهم الاجتماعية؟، وتتأمل تجاربهم العاطفية، وتأثيرها عليهم نفسيا، وهذا ما يتجلى فى معظم رواياتها مثل: «على فراش فرويد» و»المقاعد الخلفية»، وتواصل «نهلة» الكتابة عن جيلها فى أحدث رواياتها «خدعة الفلامنجو».

وتقول أديبتنا المتميزة: منذ سنوات خطرت لى فكرة أن فتاة تخرج من علاقة سامة مدمرة نفسياً وفاقدة الثقة فى ذاتها تماماً، وتتعافى بالتخيل وكتابة الرسائل إلى صديقتها المقربة، مثلما يحدث فى الرواية بالضبط.

ولكن الفرق أن الفكرة أول ما طرأت لى، كانت تدور حول مراحل تعاف ترى فيها الشخص الذى أذاها شيئاً ضخماً (فكرت حينها فى الديناصور وفى أشياء أخرى)، إلى أن تصل إلى مرحلة أن تراه نملة، كانت هذه هى الفكرة الأصلية، لكن المشكلة فيها تمثلت فى التنفيذ، شعرت وقتها أن الفكرة لم تكتمل هكذا، هناك شيء ناقص، فالفكرة ليست أن تتخيل الفتاة فقط، بل أن تكتشف أيضاً ما حدث، والتخيل وحده يمكن أن يضعها فى دور الضحية.

ولم أرد ذلك، لذا تركت الفكرة سنوات تطورت خلالها، كان يأتى أمامى فجأة (لا أعتبر هذه الأمور صدفة) خبر عن كائن يأكل لسان السمكة، ومرة أخرى عن سمكة تلتصق بأسماك القرش لتتغذى على فتات الطعام المتبقى منها، وهكذا، حتى تحولت الفكرة من مجرد تخيل إلى تخيل، ومقارنة بين سلوك الشخص الذى كانت معه، وسلوك الحيوانات، وحتى مقارنة سلوكها خلال العلاقة بسلوك حيوانات أخرى، ومن هنا اكتشفت نفسها والآخر.

وقد تحدثت نهلة مع الأخبار عن تجربة روايتها-الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية- فى السطور التالية:
هل صارت قصص الحب علاقة سامة أم أن الناس أصبحوا يجهلون مفهوم قصة الحب؟
هذا سؤال يحتاج إلى طبيب نفسى وخبراء فى مجالات عدة ليكشفوا التطورات التى حدثت على مدار سنين فى المجتمع، وكيف أثرت علينا وعلى مفاهيمنا تجاه كل شيء، وليس قصص الحب فقط، لأنها لا تحدث بمعزل عن باقى التغيرات الاجتماعية.


ولماذا استخدمت تقنية كتابة اليوميات فى روايتك؟
أحب البوح الذى تتيحه كتابة اليوميات والرسائل، قل لأى شخص أن يمسك ورقة وقلما أو حتى يمسك هاتفه ويرسل رسالة لصديق مقرب يخبره فيها عن كل شىء يشعر به بصراحة، أو حتى يكتب رسالة لنفسه مثل اليوميات، ستُدهشك الأشياء التى يمكن أن يكتشفها الشخص عن ذاته، الأشياء التى تضايقه.

ولم يعرف عنها شيئاً قبل أن يكتب، الأشياء السيئة حتى التى بداخله ويطردها من تفكيره، حتى لا يواجه نفسه بها، اليوميات تُذيب الحدود بينك وبين عقلك الباطن، وتجعلك أمام نفسك بكل مخاوفها وآلامها ومساوئها.


لماذا اخترتِ عالم الحيوان كى يكون مادة تحليل نفسى لشخصية «التوكسيك» أو السامة؟
عالم الحيوان ثرى جداً، وفيه أشياء إذا تأملناها جيداً لن نكتشف أسرارا عن هذا العالم فحسب، بل أسرارا عن عالمنا أيضاً، ففرخ طائر الوقواق أول ما يفعله فى حياته أن يُلقى بباقى البيض فى العش حتى يستأثر وحده برعاية وعناية صاحبة العش التى لا تكون أمه أصلاً، فأمه الأصلية وضعت بيضها فى عش طائر آخر، لأنها لا تبنى هى أو ذكرها عشاً.

وهكذا يرث الفرخ الذى لا يعرف من الدنيا شيئاً سلوك والديه الطفيلى، نرى هذا أيضاً فى عالمنا، أغلب سلوكياتنا الغريبة تبدأ من المنزل، من الأم والأب.


كما أن الشخص السام مثل هذا الفرخ الصغير أول ما يفعله حين يدخل فى علاقة مع آخر أن يفرغ حياته من كل شىء، من علاقاته واهتماماته، حتى لا يتبقى سواه فى حياته، فيتمكن من السيطرة التامة عليه، كل الأشخاص الذين وقعوا ضحية لمثل هذه العلاقات يجدون أنفسهم بعد انتهاء العلاقة وحيدين، يتساءلون من نحن، فالشخص السام يفرغهم من كل قيمة كانوا يشعرون بها، ويجعل حياتهم بلا شىء سواه، وبالتالى حين يتركهم ويرحل، يحاول بعضهم الانتحار لأنهم يشعرون أن حياتهم لم تعد لها قيمة، مثلما تفعل الذبابة الحدباء بالنحلة، وينتهى بها الحال فاقدة بوصلتها وميتة.


قالت بطلة الرواية: «سأكتب لتتحول الذكريات إلى شىء ملموس يمكننى النظر إليه، وفهم ما حدث، فمتى يحدث ذلك؟
أعتقد أنك لا يمكن تحديد تلك اللحظة التى يحدث فيها الفهم أو التعافى، فهى مجموعة من اللحظات التى تتوالى بالتدريج، فتصبح كل منها حلقة فى سلسلة لا تعرف بدايتها من نهايتها، وكل منها لحظة مهمة ولا يمكن إزالتها، ولا يمكن أيضاً الإشارة إليها وحدها باعتبارها الأهم.
 

اقرأ ايضا | جلست على "المقاعد الخلفية بعد الموت: "نهلة" وحكاية بنت اسمها "سارة"