هكذا‭ ‬حدثنا عيسى‭ ‬بن‭ ‬هشام ‏‭ ‬أغنية‭ ‬الاحتضار (٣)

محمود الوردانى
محمود الوردانى


أواصل‭ ‬هنا‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬الظروف‭ ‬وملابسات‭ ‬الواقع‭ ‬التى‭ ‬رافقت‭ ‬كتابة‭ ‬النص‭ ‬الخلاب‭ ‬لمحمد‭ ‬المويلحى‭ ‬‮«‬‭ ‬حديث‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬هشام‮»‬‭. ‬‭ ‬كاتب‭ ‬هذه‭ ‬السطور‭ ‬يعتبره‭ ‬نصا‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية‭ ‬وليس‭ ‬خلابا‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الجمالى‭ ‬والفنى‭ ‬فحسب‭.‬‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بسبب‭ ‬ريادته‭ ‬الفنية‭ ‬واشتراكه‭ ‬فى‭ ‬تأسيس‭ ‬اللبنات‭ ‬الأولى‭ ‬لفن‭ ‬روائى‭ ‬عربى‭ ‬خالص،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬بسبب‭ ‬انصهاره‭ ‬فى‭ ‬الواقع‭ ‬المعيش‭ ‬وانخراطه‭ ‬فى‭ ‬التعبير‭ ‬عنه‭ ‬بكل‭ ‬قوة‭ ‬واندفاع‭.‬

‏على‭ ‬أى‭ ‬حال،‭ ‬أود‭ ‬قبل‭ ‬الانتقال‭ ‬للنص‭ ‬ذاته‭ ‬أن‭ ‬أشير‭ ‬إلى‭ ‬الأمرين‭ ‬التاليين‭.‬

‏الأول‭ ‬يتعلق‭ ‬باللغة‭ ‬المكتوب‭ ‬بها‭ ‬النص‭. ‬لا‭ ‬تكاد‭ ‬تختلف‭ ‬اللغة‭ ‬هنا‭ ‬كثيرا‭ ‬عن‭ ‬اللغة‭ ‬التى‭ ‬كانت‭ ‬تُكتب‭ ‬بها‭ ‬النصوص‭ ‬الأدبية‭ ‬وغير‭ ‬الأدبية‭ ‬فى‭ ‬تلك‭ ‬الأيام،‭ ‬بل‭ ‬هى‭ ‬تقريبا‭ ‬اللغة‭ ‬التى‭ ‬كانت‭ ‬تستخدم‭ ‬منذ‭ ‬العصر‭ ‬العباسى‭ ‬ثم‭ ‬تطورت‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭.‬‭ ‬هى‭ ‬اللغة‭ ‬المثقلة‭ ‬بالحواشى‭ ‬وغير‭ ‬الدقيقة‭ ‬بل‭ ‬تتيه‭ ‬بعد‭ ‬دقتها،‭ ‬وتحشد‭ ‬العشرات‭ ‬من‭ ‬الألفاظ‭ ‬التى‭ ‬تؤدى‭ ‬إلى‭ ‬المعنى‭ ‬نفسه،‭ ‬وتستطرد‭ ‬وتستطرد‭ ‬كلما‭ ‬يعنّ‭ ‬لها،‭ ‬لا‭ ‬يهمها‭ ‬المدى‭ ‬الذى‭ ‬تصل‭ ‬إليه‭.‬ويمكننا‭ ‬أن‭ ‬نتذكر‭ ‬نماذج‭ ‬لاحصر‭ ‬لها‭ ‬كتبها‭ ‬سادة‭ ‬العربية‭ ‬فى‭ ‬ذلك‭ ‬العصر‭ ‬مثل‭ ‬ما‭ ‬كتبه‭ ‬الجاحظ‭ ‬فى‭ ‬الحيوان،‭ ‬وغيره‭ ‬وغيره‭ ‬مما‭ ‬لايتسع‭ ‬له‭ ‬المقام‭ ‬هنا،‭ ‬لكننا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نبحث‭ ‬بمنتهى‭ ‬اليسر‭ ‬وسنجد‭ ‬العشرات‭ ‬من‭ ‬النماذج‭ ‬التى‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يهمها‭ ‬إلا‭ ‬الاستطراد‭ ‬والحشو‭.‬‭ ‬هى‭ ‬لغة‭ ‬التشبيه‭ ‬والاستعارة‭ ‬وأشكال‭ ‬المجاز‭ ‬المختلفة‭ ‬فى‭ ‬حد‭ ‬ذاتها،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬مهما‭ ‬ماذا‭ ‬تكتب؟‭ ‬أو‭ ‬ماذا‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬؟

‏فى‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬لاتكاد‭ ‬لغة‭ ‬المويلحى‭ ‬المسجوعة‭ ‬المحشوة‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬لغة‭ ‬معاصريه‭ ‬والقريبين‭ ‬منه‭.‬‭ ‬أليست‭ ‬لغة‭ ‬قريبة‭ ‬الشبه‭ ‬بلغة‭ ‬مشايخ‭ ‬العصر‭ ‬مثل‭ ‬رفاعة‭ ‬الطهطاوى‭ ‬أو‭ ‬أفنديته‭ ‬مثل‭ ‬أمين‭ ‬باشا‭ ‬سامى‭ ‬أو‭ ‬أدبائه‭ ‬مثل‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬النديم‭ ‬وربما‭ ‬كانت‭ ‬أكثر‭ ‬صفاءً‭ ‬وأقل‭ ‬استطرادا؟

‏‭  ‬الأمر‭ ‬الثانى‭ ‬التأثر‭ ‬الذى‭ ‬لم‭ ‬ينكره‭ ‬المويلحى‭ ‬بالمقامات،‭ ‬بل‭ ‬آثر‭ ‬أن‭ ‬يعلن‭ ‬عنه‭ ‬بكل‭ ‬وضوح‭. ‬والمعروف‭ ‬أن‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬هشام،‭ ‬الرواى‭ ‬الذى‭ ‬اختاره‭ ‬المويلحى،‭ ‬هو‭ ‬بطل‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬المقامات‭ ‬وأكثرها‭ ‬شهرة‭ ‬لبديع‭ ‬الزمان‭ ‬الهمذانى‭ ‬وظهرت‭ ‬فى‭ ‬العصر‭ ‬العباسى‭ ‬‭ ‬‮١٠٠٨‬‭ - ‬969‭ )‬‭ ‬‭) ‬وفيها‭ ‬يحكى‭ ‬الراوى‭ ‬على‭ ‬الناس‭ ‬حيل‭ ‬رفيقه‭ ‬أبى‭ ‬الفتح‭ ‬السكندرى،‭ ‬ويريهم‭ ‬الفوائد‭ ‬المالية‭ ‬وغيرها‭ ‬التى‭ ‬تجلبها‭ ‬فطنة‭ ‬وبلاغة‭ ‬صاحبه‭ .‬

‏وحسبما‭ ‬عبّر‭ ‬البروفسير‭ ‬آلين‭ ‬فإن‭ ‬معظم‭ ‬المقامات‭ ‬التى‭ ‬توفر‭ ‬على‭ ‬دراستها‭ ‬تنشغل‭ ‬بتقديم‭ ‬أوصاف‭ ‬متنوعة‭ ‬لفن‭ ‬الشحاذة،‭ ‬وفى‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تتضمن‭ ‬التعليق‭ ‬على‭ ‬الأحوال‭ ‬الاجتماعية‭. ‬وهكذا‭ ‬فإن‭ ‬مقامات‭ ‬الهمذانى‭ ‬وأبى‭ ‬الحريرى‭ ‬وناصف‭ ‬اليازجى‭ ‬وأحمد‭ ‬فارس‭ ‬الشدياق‭ ‬تحفل‭ ‬وتعج‭ ‬بالكثير‭ ‬مما‭ ‬أورده‭ ‬المويلحى،‭ ‬وليس‭ ‬المقصود‭ ‬النقل‭ ‬طبعا‭ ‬أو‭ ‬التكرار‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬التأثر،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬طبيعة‭ ‬القالب‭ ‬أو‭ ‬لنقل‭ ‬الشكل‭ ‬الفنى،‭ ‬الذى‭ ‬لايسمح‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬ويتيح‭ ‬الاتكاء‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬والانخراط‭ ‬فيه‭ ‬والسخرية‭ ‬منه‭ ‬وإدانته،‭ ‬كما‭ ‬يوفر‭ ‬للكتاب‭ ‬الذين‭ ‬يستخدمونه‭ ‬إمكانية‭ ‬اللجؤ‭ ‬إلى‭ ‬حيل‭ ‬فنية‭ ‬خلابة،‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬الذى‭ ‬جعل‭ ‬المويلحى‭ ‬يكتب‭ ‬فى‭ ‬السطر‭ ‬الأول‭ ‬بكل‭ ‬شجاعة‭:‬

‏رأيت‭ ‬فى‭ ‬المنام‭ ‬كأنى‭ ‬فى‭ ‬صحراء‭ ‬الأمام‭.. ‬وعلى‭ ‬الفور‭ ‬تتوالى‭ ‬كلمات‭ ‬النص‭ ‬لتشكّل‭ ‬مشاهد‭ ‬تلو‭ ‬مشاهد‭ ‬من‭ ‬عمل‭ ‬خلاب‭ ‬لن‭ ‬يستطيع‭ ‬القارئ‭ ‬أن‭ ‬يلتقط‭ ‬أنفاسه‭ ‬وهو‭ ‬يركض‭ ‬خلف‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬هشام‭ ‬وعمله‭ ‬صناعة‭ ‬الأقلام‭ ‬والمحابر،‭ ‬وذهب‭ ‬إلى‭ ‬مقابر‭ ‬الإمام‭ ‬ليعتبر‭ ‬بزيارة‭ ‬المقابر‭.‬

وأخيرا‭ ‬يطلق‭ ‬البروفسير‭ ‬آلن‭ ‬على‭ ‬حديث‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬هشام‭ ‬أغنية‭ ‬الاحتضار‭ ‬لذلك‭ ‬النوع‭ ‬المتقعر‭ ‬الذى‭ ‬أخلى‭ ‬السبيل‭ ‬أمام‭ ‬الرواية‭ ‬التى‭ ‬بدأت‭ ‬فى‭ ‬احتلال‭ ‬مكانها‭ ‬على‭ ‬مهَلْ‭ ..‬

فى‭ ‬الأسبوع‭ ‬القادم‭ ‬أواصل‭ ‬قراءة‭ ‬حديث‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬هشام‭ ‬إذا‭ ‬امتد‭ ‬الأجل‭.‬

[email protected]