أواصل هنا الاقتراب من الظروف وملابسات الواقع التى رافقت كتابة النص الخلاب لمحمد المويلحى « حديث عيسى بن هشام». كاتب هذه السطور يعتبره نصا بالغ الأهمية وليس خلابا على المستوى الجمالى والفنى فحسب. ليس فقط بسبب ريادته الفنية واشتراكه فى تأسيس اللبنات الأولى لفن روائى عربى خالص، بل أيضا بسبب انصهاره فى الواقع المعيش وانخراطه فى التعبير عنه بكل قوة واندفاع.
على أى حال، أود قبل الانتقال للنص ذاته أن أشير إلى الأمرين التاليين.
الأول يتعلق باللغة المكتوب بها النص. لا تكاد تختلف اللغة هنا كثيرا عن اللغة التى كانت تُكتب بها النصوص الأدبية وغير الأدبية فى تلك الأيام، بل هى تقريبا اللغة التى كانت تستخدم منذ العصر العباسى ثم تطورت إلى هذا الحد أو ذاك. هى اللغة المثقلة بالحواشى وغير الدقيقة بل تتيه بعد دقتها، وتحشد العشرات من الألفاظ التى تؤدى إلى المعنى نفسه، وتستطرد وتستطرد كلما يعنّ لها، لا يهمها المدى الذى تصل إليه.ويمكننا أن نتذكر نماذج لاحصر لها كتبها سادة العربية فى ذلك العصر مثل ما كتبه الجاحظ فى الحيوان، وغيره وغيره مما لايتسع له المقام هنا، لكننا نستطيع أن نبحث بمنتهى اليسر وسنجد العشرات من النماذج التى لم يكن يهمها إلا الاستطراد والحشو. هى لغة التشبيه والاستعارة وأشكال المجاز المختلفة فى حد ذاتها، ولم يعد مهما ماذا تكتب؟ أو ماذا تريد أن تقول ؟
فى هذا السياق لاتكاد لغة المويلحى المسجوعة المحشوة تختلف عن لغة معاصريه والقريبين منه. أليست لغة قريبة الشبه بلغة مشايخ العصر مثل رفاعة الطهطاوى أو أفنديته مثل أمين باشا سامى أو أدبائه مثل عبد الله النديم وربما كانت أكثر صفاءً وأقل استطرادا؟
الأمر الثانى التأثر الذى لم ينكره المويلحى بالمقامات، بل آثر أن يعلن عنه بكل وضوح. والمعروف أن عيسى بن هشام، الرواى الذى اختاره المويلحى، هو بطل إحدى أهم المقامات وأكثرها شهرة لبديع الزمان الهمذانى وظهرت فى العصر العباسى ١٠٠٨ - 969 ) ) وفيها يحكى الراوى على الناس حيل رفيقه أبى الفتح السكندرى، ويريهم الفوائد المالية وغيرها التى تجلبها فطنة وبلاغة صاحبه .
وحسبما عبّر البروفسير آلين فإن معظم المقامات التى توفر على دراستها تنشغل بتقديم أوصاف متنوعة لفن الشحاذة، وفى الوقت نفسه تتضمن التعليق على الأحوال الاجتماعية. وهكذا فإن مقامات الهمذانى وأبى الحريرى وناصف اليازجى وأحمد فارس الشدياق تحفل وتعج بالكثير مما أورده المويلحى، وليس المقصود النقل طبعا أو التكرار أو حتى التأثر، بل هو طبيعة القالب أو لنقل الشكل الفنى، الذى لايسمح فقط بل ويتيح الاتكاء على الواقع والانخراط فيه والسخرية منه وإدانته، كما يوفر للكتاب الذين يستخدمونه إمكانية اللجؤ إلى حيل فنية خلابة، على النحو الذى جعل المويلحى يكتب فى السطر الأول بكل شجاعة:
رأيت فى المنام كأنى فى صحراء الأمام.. وعلى الفور تتوالى كلمات النص لتشكّل مشاهد تلو مشاهد من عمل خلاب لن يستطيع القارئ أن يلتقط أنفاسه وهو يركض خلف عيسى بن هشام وعمله صناعة الأقلام والمحابر، وذهب إلى مقابر الإمام ليعتبر بزيارة المقابر.
وأخيرا يطلق البروفسير آلن على حديث عيسى بن هشام أغنية الاحتضار لذلك النوع المتقعر الذى أخلى السبيل أمام الرواية التى بدأت فى احتلال مكانها على مهَلْ ..
فى الأسبوع القادم أواصل قراءة حديث عيسى بن هشام إذا امتد الأجل.

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







