طب ما احنا عارفين ! ولأن زي ما بنقول الشيء بالشيء يذكر، فكلام الخواجة جوليان أسانج ياخدنا للوثايق اللي نشرتها الويكيليكس اليومين دول، (سبعين ألف وثيقة من وثائق الدبلوماسية السعودية )، ووعدت بنشر نص مليون وثيقة كمان، وانا لما قريت اللي نشرته الصحف العربية عن الويكيليكس، لقيته كله بيدور حوالين شرا المملكة للذمم والضماير في مجالات السياسة والاعلام في منطقتنا العربية، ولما شفت الكلام عن جعجع والمر وبعض الساسة اللبنانيين من جماعة 14 آذار، أو التسريبات عن محاولات ترويض الإعلام وتطويعه سوا في مصر أو في لبنان، قلت ف عقل بالي : طب ما احنا عارفين ده كله، وكتير من المحللين الشرفاء كانوا واصلين للنتيجة دي من خلال قرايتهم لأوضاع السياسة والإعلام في بلادنا، بس اللي وجع قلبي الوثيقة اللي بيستأذن فيها شيخ الأزهر من المملكة للمشاركة في مؤتمر للتقارب بين المذاهب الإسلامية، صحيح كلنا عارفين ان المذهب الوهابي مقرر في مناهج المعاهد الأزهرية، وان كتير من غلاة الدعاة السلفيين من أتباع هذا المذهب، اتسللوا لمواقع قيادية في الأزهر (وفي التربية والتعليم كمان)، بس ان شيخ الأزهر يعلق موافقته علي المشاركة علي رأي المملكة، فده شيء يجرح كرامة الأزهر والوطن والشعب المصري كله. علي كل حال، الوثايق واللي فيها ما كانش فيه مفاجأة لأي حد عنده نظر وضمير، ويمكن المفاجأة كانت في التوقيت، والسؤال اللي يفرض نفسه علينا : الويكيليكس جابت الوثايق دي منين، ولمصلحة مين نشرتها في التوقيت ده. أما عن التوقيت، فالمنطقة علي بعد أيام أو أسابيع قليلة من الاتفاق النووي بين ايران والغرب، وأمريكا شايفة الاتفاق ضروري برغم غضب اسرائيل والسعودية، اللي ح تحاول تراضيهم وتسكتهم علي طريقة :مرزوق افندي..إدي له حاجة،وهمه ومعاهم تركيا وقطر والأردن بيحاولوا يحققوا أي مكاسب في سوريا والعراق واليمن، والسعودية بتجري علي بوتين، وكأنها عشمانة تشتري سكوته في اليمن وسوريا، أو كأنها بتهدد أمريكا عشان مرزوق أفندي يبحبح ايده شوية، وواضح من حقايق الميدان في اليمن وسوريا والعراق، ومن انحسار ضل اردوغان علي السياسة التركية، ومن اصطفاف دروز لبنان وسوريا (واسرائيل) حوالين الدولة الوطنية في سوريا ولبنان، ومن انتصارات الحشد الشعبي في العراق، ومن مقاومة الشعب اليمني، واضح من ده كله ان مشروعات التقسيم بتتعثر وف طريقها للسقوط، وأظن ان نشر الوثايق في التوقيت ده هو جزء من الحرب النفسية المكملة للحروب الحامية اللي دايرة في المنطقة كلها، والحرب النفسية دي بتصب أكيد في خانة شعوب المنطقة اللي رافضة الهيمنة الأمريكية أو الصهيونية أو الوهابية أو العثمانية علي المنطقة وخيراتها. وده ياخدنا للسؤال المهم : الويكيليكس جابت الوثايق دي منين ؟!!، بعض الكتابات والاستنتاجات الصحفية اللي قريتها، قالت ان المصدر ايران، وبعضها قال ان المصدر هو الكتائب الالكترونية لانصار الله اليمنيين اللي قدروا يتسللوا لمواقع الخارجية السعودية، ويا عالم اتسللوا لإيه كمان ؟ وإيه تاني ح يبان من النص مليون وثيقة اللي اتوعدنا بيها ؟!! وإذا كانت الاستنتاجات دي أو دي صحيحة، يبقي كلنا بكرة نقعد جنب الحيطة، ونسمع الزيطة !! يكفينا شرك يا دي الحكومة !! ما اعرفش ليه أول ما سمعت ان فيه دفعة افراجات عن الشبان المحبوسين ظلم، قفز في خيالي المشهد ده، واحناف سجن مزرعة طرة سنة 1966، مجموعة من الشبان المثقفين الثوريين، مشبكين ايدينا في ايدين بعض، ودايرين وسط العنابر بنغني مقطع من غنوة لبديع خيري وسيد درويش بيقول : بس الأكادة حبسة ظَلُومة...يكفنيا شرك يا دي الحكومة وحمدت ربنا وشكرته، ان أخيرا اتحقق وعد الرئيس السيسي بالافراج عن الشبان المحبوسين ظلم، صحيح الحكاية اتأخرت أكتر من اللازم، بس اهو تحصل متأخر أحسن ما ما تحصلش أبدا. بس لما قريت الأسامي اتصدمت لأني ما لقيتش بينهم لا علاء ولا سناء ولا ماهينور ولا عمر حاذق، ولا حد من شباب الثورة اللي كلنا عارفين إنهم محبوسين ظلم وافترا، ولما قريت القضايا المحكوم علي المفرج عنهم فيها، حسيت إن الحكاية فيها إنَّ، وان الموضوع ده كله اشتغالة !!! وقلت لنفسي : هو مين اللي بيشتغل مين ؟! هل الداخلية والعدل بيشتغلونا إحنا والرئيس السيسي ؟! دي تبقي مصيبة وأكيد مش ح يسكت لهم، وقريت في بعض الصحف ان اللي أفرج عنهم دول، كانوا ضمن قايمة اتقدم بها مجموعة من الاخوان السابقين المحترمين اللي شايفين ان القطبية هي السوسة اللي أفسدت الجماعة، ومش قادرين يشوفوا ان البذرة نفسها كانت فاسدة ومسوسة، وانها سبب الداء اللي هدد حياة وطننا وشعبنا. علي كل حال ألف مبروك للي تم الإفراج عنهم، وعقبال شباب الثورة، لان شعبنا ده ما طلعش ثورتين عشان في الآخر حد يشتغله، واقصري الشر بقي يا حكومة، وامشي عِدِل يحتار عدوك فيكي. باريس.. والشعر العربي والنهاردة اسمحوا لي أقدم لكم شاعر أدهشتني قصائده اللي فازت بالجائزة الثانية عن القصيدة الشعرية في المسابقة اللي أقامها المركز الثقافي المصري في باريس. ندي.. (فيلم تسجيلي في ست لوحات) للشاعر نزار شهاب الدين اللوحة الأولي كقطرةٍ من القمرْ أحمِلُها علي يديْ كقطرةٍ من القمرْ تقبضُ فوقَ إصبعي بكفِّها فتنبضُ النجومُ تنبتُ الطيورُ يرقصُ المطرْ لم يبدُ في الصورة قلبيْ وهْو - راقصاً - يُعيدُ خفقهُ من حيثما ابتدَا ولا دميْ الذي أضاءَ بالحنان والنِدا لكنْ بدَا من اختلاج الروُح في الأشياء حولها أنّ اسمها : ندي اللوحة الثانية كيف لعينين دقيقتين أن تحتويا- في لحظةٍ - خلاصة الفرحْ وتطفئا كلَّ الذي يحيطنا من القتامة ؟ كيف تطيرُ الشفتان كاليمامة وتنقُران في خريف القلبِ شلالَ أغانٍ ومروجاً وسماواتٍ وأقواسَ قُزحْ؟ كيف لهذه الفتاةِ أن تَلُمًّ كلَّ، كلَّ الكون في ابتسامة ؟! اللوحة الثالثة في لعبة الإختباءْ ضبطتُها تحتَ الفراش تختبيءْ ترقبُ في تحفزٍ وفي انتشاءْ ناديتُها..صاحتْ وكركرتْ قامتْ لتجريْ فانطلقتُ خلفَها أمسكتُها، درت ُ بها في لحظةٍ تمهل َ الزمانُ فيها مثلما نشاءْ (يا للثواني ! هذه اللحظة كانت مثلَ عمْرٍ ممتلئْ!) ثم سمعنا أمَّها تبحث عنّا ضممتُها تحتَ الفراش واختبأنا عن عيون أمِّها والضَّحِكُ المكتومُ لا يكاد ينطفئْ! اللوحة الرابعة شاحبة كالشمعة التي تكاد لا تضيءُ فوقنا استلقتْ ورأسُها علي صدري التعِبْ - قُصَّ عليَّ قصة - نعم نداي.. كان يا ما كان في سالف العصرِ والـ... - جديدة يا أبي ! قالت بعينين شقيتين لم يخفت ْ - برغم الجوع - فيهما الشغبْ - يا لكِ أنت ِ ! حاضرٌ.. ماذا نقولْ؟ ( ولست أدري ما الذي ذكرني بها، بها فقط !) - يوماً من الأيام كان ناسُ مثلنا يحيون في مدينة ٍ صغيرةٍ جميلة تزدان بالإيمان والفضيلة بحكمة الشيوخ وابتسامةِ الطفولة وقوة الشبابِ والبطولة كان اسمُها ارض (ميافرقينَ) - يشبه اسمَ أرضِنا! - وكان جيش همجيٌ مرعبٌ يدور في العالم كلهِ يمزِّقُ القري ويمحقُ الحضارة جنوده لا يعرفونَ غير حدِّ السيفِ والنيران والدمارْ جيشُ التتارْ كلُّ البلادِ أشفقتْ من بطشهم واستسلمت لهمْ لكن (مِيافرقينُ)، هذه المدينة الصغيرة الكبيرة أبتْ، فحوصرتْ من كل من حولها من التتارِ من عدوِّها ومن إخوانها ! - كانوا محاصرينَ مثلنا ؟ - نعم - هل كان عندهم بناتٌ لا يجدن َ مثليَ الحليبْ؟ وأمهاتٌ لا يجدن مثل أمي الدواءْ؟ - نعم، وظلوا هكذا عاماً ونصفْ عاماً ونصفاً والدماءُ والدموعُ لم تزدهم غير بأس واصطبارْ قالت بصوتٍ نائمٍ: ماذا جري بعد الحصارْ؟ ألم تنامي بعدُ يا صغيرتي ؟ ما ذا جري.. بعدَ الحصار.. يا أبي ؟ ماذا... غفت، فأطلقتُ لدمعي العنانَ هامساً: ماتوا جميعاً يا ندي تحت سنابكِ التتارْ.. اللوحة الخامسة ضممتُها تحتَ جدارِ المسجدِ المهدَّمِ القديمِ في الليل يبدأ الجحيمْ يلتمع الفُسفورُ في السماءِ ثم فوقَ أرض الشارع المحروثِ بالقذائف يعلو بكاءٌ لرضيع راقدٍ جوارنا وأمه تعجز عن إسكاتهِ يهتز فوقنا الجدار من قذيفةٍ قريبةٍ تهمس لي وهي تضمني بشدةٍ: «أبي، الجدارُ خائفْ!» كأنها كانت تري.. فبعد يومين تهاوي في تعبْ عدنا من البحثِ عن الطعام في الأنقاض كي نراه كومة من التراب واللهبْ تبدو خلالها يدُ الرضيع في اللفائفْ!
اللوحة السادسة والأخيرة لا شيء يوقف ُ الرصاص خلفنا أشد كفها ونجري في سباقٍ خاسرٍ نحو بناءٍ في الأفقْ نجري بلا توقفٍ تحاصر النار الجهات، يعزف الرصاص حولنا - معربداً - نشيدَهْ أرنو إليها لم تكن خائفة كانت سعيدة لأنها معي كانت سعيدة! أقاوم اليأس وأجري بخطي عنيدة يقترب البناء كالسراب بعض شيءٍ (لعله ليس سباقاً خاسراً) هيا ندي، كدنا نصل تعبت.. يا أبي.. كفي..جرياً شيئاً قليلاً بعدُ يا صغيرتي وبعده سنستريح في فراشٍ دافيء وسوف أحكي لنداي قصة جديدة هذا المساء حقاً؟! نعم، اجري فقط معي ...... أبي نعم ما عدت ُ.. أهوي الجريَ.. يا أبي.. الجري متعب ٌ.. ولن ألعب بعدُ لعبة الإختباءْ لا بأس يا حبيبتي في لحظة ٍ كالحلم لاح مدخلُ البناء بعد خطوتين ها نحن يا ندي تعثرت.. حملتها بسرعةٍ قفزت نحوهُ ألقيتُ نفسي لاهثا خلفَ الجدار والرصاصُ حوله يئزُ غاضبا هتفت ضاحكا: ندي، لقد فعلتها، لقدْ.. لكنها كانت قريبةٌ بعيدةٌ كانت بنصف بسمةٍ أخيرةٍ تنزف من فم دقيق دمها الحالم بالحكاية الجديدة وكفها تضم كفي الوحيدة.. مايو 2009 (مستوحاة من قصة استشهاد «ندي أبو مرضي « ذات السنوات الست في حرب غزة 2008/2009.)