نَفسُ أحدُنا مُلقاة، مُثقلة، مُمددة، تفشل في الإجابة علي هلاوس أزلية في بلادنا المُستكينة، السؤال يتردد من ضمير لايزال يصارع الموت، فبقي حياً مقطوع النفس الكل إتخذ موقعه. السواد مُحكم. الحركة سريعة رغم الهدوء. أصوات طامة كبري، تستعد للوقوع. الشهيق لاهث، متقطع. فحيح حية سادية، شرسة، يصاحب زحف سريع، مُقترب. القلوب مقبوضة، مُتحسبة. أضواء مُبهرة موجهة تنطلق فجأة، تذعر الجلوس بالصفوف الأولي، تُفشي واقعا مكنونا مٌريعا، تواطأنا لاخفائه جميعاً، تعرف مقصدها بعناية، تُصر علي كشفنا، تجهر لنا بنتائج أعمالنا، تذيع شرائر دسائسنا القديمة. نَفسُ أحدُنا مُلقاة، مُثقلة، مُمددة، تفشل في الإجابة علي هلاوس أزلية في بلادنا المُستكينة، السؤال يتردد من ضمير لايزال يصارع الموت، فبقي حياً مقطوع النفس: »إيه وصلك لكدة؟!»، والفحيح مستمر!.. الخطايا تُحاصر نفسنا الذبيحة، تضطرها، تُلقي بها في غيابات جُب عميق، سحيق، نهايته مُريعة. حينها تكون الرشوة مُبررة. والمحسوبية حق أصيل. والمرأة هي رُجل البيت. والقسوة هي الأساس. والواسطة هي الدافع. والدين عروض مستمرة لبرنامج تلفزيوني سطحي، لا يعرف سوي القشور الفارغة. والشائعة نار تلتهم الأخضر قبل الهشيم. أما العنوسة فتبيت مأساة الفتاة المصرية الحُرة، تصير شبحا يطاردها به كل من ليس له عقل، يُهدد بها آدميتها، طبيعتها الحية، فترضخ لأول عرض هرباً من ضجيج أسري غاشم لا يرحم عفتها.. وهكذا! علي خشبة مسرح مركز الإبداع الفني، الواقع في الحرم المنزوي بدار الأوبرا المصرية، لا ستائر تُفتح، ولا دقات تنبيه تنذر ببدء العرض، فقط يُدخلنا المخرج العبقري خالد جلال بحرفيته الماهرة في أجواء حذرة، تعصف بتماسك أضلاع صدورنا، يكتفي بفحيح هذه الأفعي البديعة بسنت هشام، وإستلقاء محمد عز ذلك المُصور البارع، الذي يعرف كيف يجب أن تبدو تعبيراته المُتقنة علي وشوش الناس، وكلاهما نتيجة للآخر.. في عرض »بعد الليل». ينطرح عز علي حافة الدرجة الفاصلة يستغيث، تحاوطه أخطاؤنا، وذنوبنا، وفواحشنا الدنيئة، تسأله عن كل مادية تذكر، فواتير الغاز، الكهرباء، المياه، التعليم، الأكل، العلاج، الحياة!.. مسكينة هذه النفس المحملة بالأثقال، تسأل: أين المناص، وكيف الخلاص من حياة لايزال لنا بها عُمر! المشاهد متفرقة، تصحبنا في دراما كوميديا سوداء، تُقلب علينا مآس شتي تكشف وقاحتنا المستمرة، يصارحنا »الممثل الحقيقي» إسلام عبدالله بحدود تطرفنا، اللامتناهية، ويفاجئنا هذا المُداهن المحترف خالد جلال، بحضور 33 ممثلا ساحرا، منهم، الوجه المصري المبتسم، اسراء الصابوني، وتبدو براءة رنا هريدي، وشقيقتها دينا هريدي، وكلتاهما تعرفان ضبط دوريهما بشقاوة مرحة، مطمئنة، سواء في دور الداعية الدينية المُستفزة، أو في دور العروس القنوعة في نفسها، رغم فداحة مُحيطها الأصم، وتتبختر الفاتنة ميرنا جميل في أغلب مشاهد العرض، فتجسد حلاوة الأخطاء، وما أقبحها!. وتوقفني قدرات هذه الفائقة الدقة والحساسية، نور قدري عندما تذرف دموعا حقيقية فورية صادقة في الوقت المناسب. يستمر خالد جلال في التفتيش في ضمائرنا، ينبش في الأسباب التي أدت بنا إلي حال يرثي لها، فتغوص اضاءة أحمد عبد التواب، ومحمد محسن، واسامة فوزي، ووليد فوزي، في أعماقنا، وتوحد أزياء تغريد عز الدين، أشباح نفوسنا، ويثير ديكور ندي عبد الحميد، وعمر رأفت، الوحدة والبهوت في عقولنا. برافو عصابة الـ 33 ممثلا، وكبيركم الذي علمكم السحر، خالد جلال.


العظمى تصل لـ 44 درجة.. الأرصاد تكشف حالة الطقس حتى الأحد القادم
إلغاء تصريح عائمة سياحية صرفت مخلفات سائلة في نيل الأقصر
وزير العمل والمنظمة الدولية يضعان خارطة طريق للبرنامج الوطني للعمل اللائق






