مصريون من أصل روسي.. التنقيب في السجلات عن الكنز المفقود

إيهاب وعاطف الجندي يتحدثان لمحرري بوابة أخبار اليوم
إيهاب وعاطف الجندي يتحدثان لمحرري بوابة أخبار اليوم
  • 1200 مصري من عائلة الجندي من جذور روسية
  • رحلة عمرة في 2003 منحت الجنسية المصرية لأحد كبار العائلة
  • شاركوا في حرب أكتوبر 1973 ونال أحدهم الشهادة
  • بأمر القانون.. يدفنون موتاهم في مقاربر الأمراء الأثرية
  • مغامرة العمة ناديرة منحتهم فرصة الزواج من العائلات الأخرى

 

كان ذلك منذ زمن بعيد، حين وقف الرائد عبدالرؤوف الجندي يدك بقدميه أطلال خط بارليف في حرب أكتوبر 1973، ثم تمر الأيام وتسحب معها عشرات السنين ليظهر الرجل قاصدًا بيت الله الحرام ليفاجأ بـ«قنبلة صوتية» يلقيها موظف الجوازات في وجهه: «لن تستطيع أداء العمرة.. أنت لا تحمل الجنسية المصرية !!».. فماذا حدث؟

 

هنا بشتيل بمحافظة الجيزة، قرية آمنة مطمئنة يطرق الرزق أبواب فلاحيها من أوسع أبوابه، وعلى مساحة طيبة من القرية نبت مئات الأبناء من عائلة الجندي مصريين أخلصوا لوطنهم لكن الحقيقة أن الأجداد لم يكونوا مصريين؛ بل مجموعة من الروس حملتهم رياح الهجرة إلى أرض النيل حتى لحفتهم شمس المحروسة ببعض «سمارها»، لكن قبل كل هذا كانت هناك رحلة طويلة مع خلع العباءة الروسية وصولا إلى محطة «التمصير».

 

قصة أعيد اكتشافها بعد النبش في أرشيف أخبار اليوم، وتحديدًا مجلة أخر ساعة والتي نشرت تقريرا في عددها الصادر بتاريخ 24 يناير 1962، تحت عنوان (100 فلاح وفلاحة في بشتيل يحملون الجنسية الروسية).


كان الجد الأكبر لعائلة الجندي «محمد فاضل أغا جورجي الخرازي» يعمل تاجر جلود وصياد روسي في جورجيا – قبل الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي - وبطبيعة عمله كان يسافر لكثير من دول العالم لبيع بضاعته، وفي يوم من الأيام قرر محمد الخرازي أن يسافر إلى مصر لكي يعقد صفقة بيع جلود. 

 

وخلال رحلته إلى مصر، نجح التاجر الروسي محمد الخرازي أن يتقرب من حاشية محمد علي باشا الكبير، وعبر تلك الحاشية تعرفا على محمد علي باشا نفسه، وتوطدت العلاقة بينهما.

 

اقرأ أيضًا| قصة حقيقية.. 100 فلاح وفلاحة في قرية بشتيل يحملون الجنسية الروسية

 

عاد محمد الخرازي إلى جورجيا بعد ذلك، ثم دخلت المنطقة وقتها في مرحلة من عدم الاستقرار فاستنجد بمحمد علي، الذي طلب منه المجيء إلى مصر، لتمر الأيام ويتزوج محمد فاضل أغا جورجي الخرازي من الأميرة مهتاب ابنة محمد علي باشا وهي واحدة من أبنائه الـ68.
 

 

ومع الوقت أنجبت مهتاب ومحمد الخرازي ابنهما إسماعيل محمد أفندي فاضل أغا جورجيا الخرازي حامل الجنسية الروسية، ومع مرور الوقت أطلق علي محمد الخرازي لقب محمد الجندي، وحمل ابنه نفس اللقب ليصبح إسماعيل محمد الجندي. 


تزوج الابن إسماعيل الخرازي من 3 زوجات: (الأولى) هي الأميرة حنيفة هانم بنت الأمير سليمان أغا السلحدار بك، و(الثانية) الأميرة فاطمة هانم وأنجبت أمينة هانم، ولكن بعد ذلك تم الطلاق، والثالثة الأميرة حسن ملك هانم معتوقة وأنجبت تفيدة هانم وعثمان بك. 

 

لماذا لقب الجندي؟

 

«بوابة أخبار اليوم» أعادت فتح ملف العائلة الروسية التي حصلت على الجنسية المصرية؛ حيث كشف إيهاب عزت عباس سليمان الجندي، مراجع حسابات بإحدى الشركات الكبرى بالجيزة، وحفيد إسماعيل الخرازي عن كثير من الأسرار الخاصة بتاريخ العائلة ووضعها الحالي. 

 

وعن سر تسمية العائلة بـ(الجندي)، يقول إيهاب الجندي: «ببساطة كلمة أغا أجنبية تعني الجندي أو المحارب فبدأ أهالي قرية بشتيل وقتها تمصير لقب العائلة، ولكن في الواقع الكلمة تعني الجندي المحارب بالروسية».

 

لكن إيهاب ينفي وجود أي صلة لبعض المشاهير بعائلتهم كالفنانة نادية الجندي والفنان الراحل محمود الجندي، موضحًا أنهم من الفرع التركي وليسوا من الأصل الروسي، أما الممثل حسام الجندي فهو من العائلة وابن عمه.

 

ويتمسك بأن فرعهم الوحيد في مصر الذي يحمل أصلا روسيا، ووصل عدد أفراد العائلة حاليا إلى أكثر من 1200 مصري يتواجد معظمهم في بشتيل، والجزء الآخر تابع لعمه سيد ويعيش في نزلة السمان.

 

بين النكسة ونصر أكتوبر

 

ومن إيهاب إلى عاطف عبدالرؤوف عباس سليمان الجندي، وهو ابن عم إيهاب والذي يعمل محاسبا في إحدى الشركات، والذي روى العائلة أيام نكسة 1967؛ حيث قالت: «بعد النكسة طلع مرسوم رئاسي من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بترحيل الخبراء الروس من مصر، فقدمنا طلب بالجنسية المصرية، وقوبل بالموافقة، ورغم أن أفراد من أسرتنا رحلوا إلى روسيا لكننا تمسكنا بالعيش على أرض مصر».

 

يتذكر إيهاب وعاطف كل ما رواه والديهما عن مشاركتهما في حرب أكتوبر، فوالد إيهاب هو عزت عباس سليمان الجندي الذي أصبح أمينا للحزب الوطني في إمبابة - قبل حله - بينما والد عاطف الجندي هو الرائد عبدالرؤوف عباس سليمان الجندي، الذي حارب في اليمن رغم أن المفاجأة «أن الأوراق الرسمية حتى عام 2003 تقول إنه روسي الجنسية»، بالإضافة إلى عمهما عبدالرازق عباس سليمان الجندي والذي استشهد في حرب أكتوبر.

 

 

يمضي إيهاب الجندي في رواية قصة عمه الرائد عبدالرازق عباس سليمان، حيث ولد في قرية بشتيل البلد بمحافظة الجيزة بتاريخ 31 يوليوعام 1950 وتفوق في الدراسة فحصل على شهادة الثانوية العامة من مدرسة إمبابة الثانوية بنين بمجموع 86% بالقسم العلمي في العام 1970.

 

ويروي أن عمه تقدم لاختبارات الكلية الحربية وتم اجتياز جميع المراحل حتى تم قبوله بالكلية الحربية في ١ أكتوبر 1970؛ وتخرج فيها برتبة ملازم ثم تمت ترقيته إلى رتبة ملازم أول في 1973، قبل نقله إلى الإسماعيلية.

 

وعن استشهاد عمه يقول إيهاب الجندي: «في حرب أكتوبر المجيدة تم استشهاد العديد من زملاء أبي باستثناء قائده الذي أصيب بطلقتين ناحية صدره فأصر على حمله ونقله إلى أقرب نقطة إسعاف بالضفة الشرقية لقناة السويس حتى وصل إلى أقرب مكان لعلاجه». 

 

ويضيف: «سقط عمي شهيدا فى فجر يوم 10 أكتوبر 1973، حيث اكتشف أنه كان مصابا بطلقتين ناحية الظهر تم نقله إلى مستشفى القصاصين بالإسماعيلية وتم إبلاغ أخوته وهم (عزت – عبدالرؤوف – عباس – سليمان) أما باقي أخوته فهم الرائد عبدالعال عباس الجندي فكان مصابا أيضا بمستشفى القصاصين والذي علم وهو بالمستشفى يتلقى العلاج كي يعود إلى أرض المعركة وأخيه علي عباس الجندي فكان يؤدي مهمته كعريف مقاتل بالقوات البحرية وتم إبلاغه بعدها».

 


وتكريما له تم ترقيته إلى رتبة رائد شهيد وتقديم المصحف الشريف كشرف للجندية المصرية لأخوته، وتم دفنه بمدافن الشهداء داخل معسكر الجلاء بالإسماعيلية بعد عمل السلام الوطني والتحية العسكرية للشهيد البطل رائد عبدالرازق عباس سليمان إسماعيل الجندي. 

 

ويحكي عاطف عبدالرؤوف الجندي، قصه والدة الذي فوجئ بالصدفة أن شهادة ميلاده مكتوب بها في خانة الجنسية (روسي – أبيض)، قائلا: «والدي أراد السفر إلى السعودية لإداء العمرة، وكان من بين الإجراءات استخراج شهادة ميلاده، فوجئنا بخانة الجنسية مكتوب فيها روسي أبيض، وكان ذلك في عام 2003، رغم أنه كان عسكريا ومن المشاركين في حرب أكتوبر، ولكن السجلات الرسمية في الدولة فاجأتني». 

 

أسرع الابن لتغيير خانة الجنسية من روسي أبيض إلى المصرية، فذهب إلى مجمع التحرير وفي العباسية، حتى استطاع أن يغير جنسية أبي الجندي المصري بالفعل وكان ذلك في يوم 2 ديسمبر 2003، على حد قوله. ولعل أبرز ما ساعده في ذلك هي البدلة العسكرية التي ارتداها والده في يوم من الأيام. 

 

بشتيل بالروسي

 

ألم يفكر أحد أبناء العائلة في الحنين إلى الجذور والسفر إلى روسيا؟.. كان ذلك سؤالا مباغتا لإيهاب وعاطف الجندي لكنهما قالا لـ«بوابة أخبار اليوم»: «لا يوجد تواصل بيننا وبين أحفاد أجدادنا الروس حاليا ولم نفكر في السفر إلى هناك كما أننا لا نجيد اللغة الروسية، بالرغم من أن أجدادنا كانوا يتحدثون 7 لغات من بينها الروسية والإنجليزية».

 

هنا يتدخل إيهاب الجندي ويستعيد بذاكرته أحد المواقف فيقول: «إذا أردنا أن نسافر إلى روسيا فسنعامل معاملة المصريين وليس الروس، وهذا ما حدث منذ سنوات مع أحد أقاربنا الذي هاجر إلى روسيا، وانقطعت الأخبار عنه».

 

 

الزواج والدفن على الطريقة «الجندية»

 

في الماضي احتفظت عائلة الجندي بأن يكون الزواج من العائلة فقط حتى يظل النسل نقي دون اختلاط؛ إذ يقول عاطف:«لكن عمتي ناديرة تمردت على تلك العادات، وتزوجت من خارج الأسرة بزوجها من باشا عامر». 

 

ويمضي في حديثه: «في بادئ الأمر قاطعها جدي ووالدي، ولكن حرصا على إعطائها جميع حقوقها وإرثها، وقبل وفاة جدي حدث الصلح، ومنذ تلك اللحظة، أصبح من الطبيعي أن نتزوج من خارج الأسرة». 

 

أما المقابر الرسمية لعائلة الجندي، فيتم الدفن فيها حتى الآن، وهي مدافن الأمراء بالدراسة في القاهرة والتي توجد بجانب مدافن الخديوي توفيق، وتسمى بمدافن (ذيبا خاتون وميبا خاتون)»، والمفاجأة أنهم يدفنون فيها كحق معترف به من قبل الدولة رغم أنها أثرية.

 


سر السفارة الروسية

 

اليوم وبعد مرور عشرات السنين على تواجد عائلة الجندي على أرض مصر وفخرهم بجنسيتهم المصرية، تنشق الأرض عن إيهاب وعاطف ليطالبا بإرث جدهم الأكبر إسماعيل محمد أفندي فاضل أغا جورجيا الخرازي، والذي يتكون من حوالي 90 تركة ومعظم مورثاته موجودة في صندوق حفظ بالسفارة الروسية.. «أسلحة، وأحزمة، ونياشين، وخواتم، وذهب»، على حد قولهما.

 

ويدلل أبناء الجندي على صحة حديثهما بالقول: «جميع التركة محفوظة بمحضر رسمي بتاريخ 22 أبريل 1897».

 

 

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي