فى عيد ميلاده الـ81

«في عيد ميلاده الـ 81».. عادل إمام «غول» التمثيل وطاقة بهجة متجددة

عادل إمام
عادل إمام

 

بقلم: خالد محمود

اشتبك بأعماله مع قضايا بسيطة ومؤرقة شكلت فى مجملها حياة
إحساس صادق وحميمية أداء ينفذ إلى مشاعر الجمهور وعقله بسهولة

 «إيه السينما دى؟ إيه الاختراع الجميل ده؟ إيه الشئ العظيم اللى إحنا شفنا نفسنا فيه؟ حبينا الخير وكرهنا الشر، شفنا التاريخ الانسانى، شفنا كل حاجة من خلال السينما، أنا جاى من دولة عظيمة أعطت ثقافة وفنا وفلسفة والحمد لله أن السينما المصرية هى ام السينما العربية، أنا باحب مهنتى اللى أثرت فى كل البلاد العربية، أنا سعيد أن الأجداد والآباء والأطفال بيحبونى، الفن شئ عظيم».
لم أنس تلك الكلمات التى قالها الفنان الكبير عادل إمام لحظة تكريمه بمهرجان مراكش السينمائى عام 2014 عن إنجاز العمر، كانت بحق ليلة وكلمات ولحظة حب لا تنسي، وقف عادل ودموع الفرح فى عينيه من الهتافات باسمه، ولوح بيديه كزعيم فى محراب الفن، ليقف الجميع مصفقا له عدة دقائق.
الفنان الكبير، الذى نحتفل معه اليوم بعيد ميلاده ال81 يحتل مكانة كبيرة فى قلوبنا بتاريخه الفنى، كأحد صناع البهجة المستنيرين، اشتبك بأعماله مع قضايا بسيطة وأخرى مؤرقة شكلت فى مجملها حياة، هى حياتنا، اقتربت من أوجاعنا لمستها، طيبت بخاطر أنفسنا، وهو ما ظهر بجلاء فى مجموعة من أعماله خاصة فى الربع قرن الأخير، نختار منها نماذج تتوج بحق رحلة النجاح الكبرى التى استمرت أكثر من نصف قرن ومازالت مع ذلك الغول فى التمثيل الذى خرج فى مراحل من حياته الفنية وفتك بالنمطية بداخله فى بعض الأعمال التى أبهرتنا وفجر من خلالها طاقة إبداعية أكسبته مكانة خاصة.
اللعب مع الكبار
من ينسى نموذج المحامى حسن سبانخ الذى قدمه بكاريزما خاصة عادل امام فى فيلم «الأفوكاتو»، ومتعة الفانتازيا والكوميديا السوداء مع المخرج رأفت الميهى، وكشف فيه بعض الأنماط الفاسدة فى المجتمع، بما فيها السجين والسجان، متجاوزا المحاذير التى ظلت بعيدة عن النقد والتعرض لها من خلال السينما.
وبرؤية أخرى قدم عادل إمام شخصية حسن بهلول فى «اللعب مع الكبار» مع المخرج شريف عرفة، الحلم الممزوج بالواقع والعبث الاقتصادى والاجتماعى بمصائر البشر، والذى يمارسه به المستغلون الكبار بحق الضعفاء الذين لا حول هم ولا قوة فى مواجهة هذا النوع من الإرهاب الواقع عليهم، امتلك بهلول بشخصيته قدرا كبيرامن الحب والإحساس بالمسئولية تجاه وطنه.
ثم كان هناك فيلم «طيور الظلام» الذى شكل علامة فارقة فى قراءة مستقبل وألاعيب خفافيش الظلام، بجرأة فنية وفكرية فى الطرح ليس فقط شريف عرفة ووحيد حامد، ولكن النجم ذا السطوة الجماهيرية الكبيرة، جسد الحالة بإحساس واع وتعبيرات أدائه اللماح الأخاذ، عادل إمام فى هذا الفيلم مختلف، صادق وحيوى، يؤدى دوره بحميمية شديدة، ينفذ بها إلى مشاعر المتفرج وعقله بسهولة.. فقد شاهدناه فنانا يعرف كيف يصل بأدائه وتعبيرات وجهه إلى معنى الجملة التى ينطق بها.

             عادل امام فى فيلم الغول

وقفنا طويلا أمام أدائه المدهش فى فيلم «الغول» بشخصية الصحفى عادل عيسى، الذى قدم خلاله أهم مشهد مهم مشواره كممثل، بالخلاص من غول، الجشع، والاستغلال والافتراء الذى يدعى «الكاشف»، عندما أخفى سكينا داخل الصحيفة غرسها فى قلب رجل الأعمال الفاسد، فارتاح ضميره، وتنفسنا معه لحظة الخلاص.
فى فيلم «الغول» الذى أنتج قبل أكثر من ربع قرن أشاهد ممثلا كبيرا بهرنى بأدائه الهادئ والمعبر فى شخصية عادل الصحفى، ذلك الأداء الذى لم أعهده فى كثير من أدواره، ووجدته يمسك بشخصية قد تبدو بسيطة بحكم كيانها الاجتماعى صحفى يكتب عن أخبار النجوم والفنانين ويجعل منها شخصية ناضجة وطازجة وواعية فى فكرها الاجتماعى، وعلاقته كفرد بالمجتمع بإصراره على ملاحقة «الغول» رجل الأعمال فريد شوقى، الذى ينهش فى جسد المجتمع ويستغل كل ثغراته الاقتصادية وفجواته الاجتماعية، التى نشأت فى سنوات الانفتاح، وشعرت معه أننا جميعا يجب أن نلاحقه ونثأر منه مثلما فعل، حتى لو كانت النهاية قاسية.
عادل إمام كان غولا هو الآخر، غولا فى الأداء التمثيلى الراقى، الذى فجر من مخزون موهبته.
نعم «الغول» لم يكن الفيلم الوحيد الذى تفوق فيه عادل إمام، وكفر به عن خطايا أدوار أعمال أخرى خفيفة فى تلك الحقبة، ولكن هناك أدوارا أخرى ظهرت معها جوانب من إبداعه التمثيلى أذكر منها (إحنا بتوع الأتوبيس، اللعب مع الكبار، حتى لا يطير الدخان، المشبوه، طيور الظلام).. كشف عادل إمام عبر شخصياته فى تلك الأعمال عورات مجتمع تتلاعب به نظم وسياسات وأفراد، وغاص فى جراحنا حتى انطلقت ثورة «الآه» المكبوتة بداخلنا، وتلك هى السينما التى أعشقها من عادل إمام.
فى تلك الأعمال، كانت اللغة مختلفة، صورة بصرية تخاطب الفكر وتجعلك تعيد قراءة واقعك من جديد وتنهض من ثباتك تلهب مشاعرك وتغزل إحساسك بعيدا عن لغة الخطابة، التى اندرج تحتها نجمنا الكبير متأثرا ومستسلما ومنبهرا بما يعرض عليه من أفكار وسيناريوهات.
 

 

عادل امام فى فيلم المشبوه

المشبوه
فى مشوار شخصيات عادل إمام التى غيرت فى مساره، كان متألقا فى دور اللص ماهر فى فيلم «المشبوه» للمخرج سمير سيف، وهو يواجه مصيره هو وزوجته «بطة» بين ضابط المباحث طارق، ورفقاء سنوات النشل، وفتح هذا العمل نوعية أدوار تراجيدية أخرى بعيدة عن الكوميديا، تكشف عن أمراض أخرى تفشت فى المجتمع، وصراع طبقات تلتهم الأحلام، ومنها فيلم «حتى لا يطير الدخان»، وتجسيده شخصية فهمى، وهو شاب ظروفه صعبة وطموحه أكبر من إمكانياته، ويعتز بنفسه ويحمل بداخله الكثير من الأوجاع إلى أن يصبح أحد كبار المجتمع وعضو بالبرلمان.. وبين الدراما والكوميديا عشنا «آهة» عادل إمام التى أطلقها وهو يجسد العميد مجدى فى «النوم فى العسل» كانت تلك الآهة بمثابة خلاص أيضا، وتلك النوعية بلا شك هى النموذج السينمائى، الذى تعشق مشاهدته رغم أنه يؤلمك، ويزيد من عمق جراحك، لكنه فى الوقت نفسه يطيب بخاطر مشاعرك ويشبع رغبتك ولهفتك فى رؤية مختلفة للحياة.
على شريط سينما
فى فيلم « حب فى الزنزانة « للمخرج محمد فاضل، ناقش سلطة رأس المال وما تفعله بالبشر ودوافع الانتقام، حيث شاهدنا الشاب الفقير صلاح الغرباوى يعترف بجريمة لم يرتكبها للتستر على فضيحة الشرنوبى رجل الأمال الفاس، ويدخل السجن مقابل وعود سخية، ولكنه يفاجأ بالتخلى عنه ويلتقى فى السجن بمجموعة أصدقاء يجعلونه يحتمل قدره، وتتشكل قصة حب رقيقة بينه وبين فايزة السجينة التى لم ير منها إلا وشاحها الأخضر.
يحاول كل يوم رؤيتها ويتعرف إليها ويعرف قصتها، إنها كانت عشيقه لرجل أعمال فاسد، هربا معا من السجن وحاولا الحصول على حقوقهما والزواج بمساعدة صديقهما المزور، لكنه يفاجأ بالخيانة ويقرر الانتقام من أعدائه ليدخل السجن مرة أخرى.
الفيلم من أكثر اعمال عادل إمام نضجا وجمالا واكتمالا ورومانسية على كل المستويات.
يؤدى دور العاشق الصادق برهافة لم نعتد عليها من قبل عبر عدة مشاهد منها عندما اندفع إلى الحائط لخبط رأسه رغبة فى لقاء حبيبته بالمستشفى، وعندما صرخ مستغيثا من الوحدة بعد الحكم على صديقه على الشريف بالاعدام، كان يقدم لمتفرجيه شحنة من المشاعر المتدفقة.
الحريف
أدوار وأعمال أخرى تدعوك لتقف أمامها طويلا، تتأمل جمالها وروعة الأداء فيها بفكرها، الذى يتجاوز حقبا زمنية بعينها وكأنها شاهد عيان على واقع ممتد معك.
ويأتى فيلم الحريف مع المخرج محمد خان وهو ليس من ابرز أفلام عادل امام فقط، بل من ابرز افلام السينما المصرية بتاريخها الطويل، والذى قدم حكاية بسيطة عن افراد الطبقة العاملة بمشاكلهم وحياتهم والعشوائيات السوقية التى يسكنونها، يجسد عادل امام شخصية البطل فارس الذى يعمل بمصنع احذية، يقيم بغرفة على سطح احد المنازل وينفصل عن زوجته بسبب هوايته المفضلة وهى كرة القدم فى الشوارع والساحات الشعبية مقابل المراهنات.

فيلم « حب فى الزنزانة»

وفيلم « كراكون فى الشارع « الذى ناقش بكوميديا سوداء ازمة السكن التى يعانى منها الشباب عن طريق رحلة المهندس شريف المصرى الذى قام بدوره إمام، وينتهى الأمر بتصميم منزل خشبى متحرك يحفظ له ولأسرته القدر الادنى من الحياة.
عوالم خفية
كما كان تأثيره فى السينما كان أيضا له محطات مؤثرة فى الدراما التليفزيونية منها « دموع فى عيون وقحة « وترك اثرا لا يمكن تفادى سحره فى دراما الجاسوسية ومسألة التمسك بالوطن، وأيضا مسلسل «عوالم خفية «، وقد تأثرت كثيرا بدور الصحفى هلال كامل، جسده عادل إمام فى رحلة بحثه عن الحقيقة، بل وطبيعة علاقته بعمله.
ما يزال الرجل السبعينى يتخذ من المصداقية عنوانا لمهنته التى أخلص لها، وخانها كثيرون، خاض بقلمه معارك، فى الوقت الذى كسا فيه الجبن كثيرين، وسلك بمبادئه منهجا لحياة أبى آخرون أن يعيشوها واكتفوا بسكون دقائق زمنهم.
«عوالم خفية» تتفجر قيمته من مشهد لآخر ومن جملة حوار معنى أعمق من مجرد حكاية تروى وحروف ترمز لشخصيات يبحث بطلها عنها ليكشف مستورها.
الكاتب هلال كامل جعلنى أرى النجم الكبير عادل إمام، المدرسة التى تتفجر إبداعا والهاما، فقد حافظ على الخيط الرفيع بين كونه كاتبا شهيرا يحقق «صحفيا» فى قضية فساد كبيرة ألقت ببرىء إلى ساحات السجون أكثر من عشرين عاما، وبين كونه مواطنا وإنسانا يتعامل مع المحيطين من حوله بشفافية وصدق وحنان، سواء رئيس التحرير صديق عمره ابو المعاطى أو تلميذته نهى وحفيديه، أو حتى ابنته وزوجها، الذى انجرف هو الآخر فى عالم الفساد والرشوة.
عادل إمام منح بتلقائية أداءه نورا لدراما العمل، وقد دخل بـ«عوالم خفية» محطة جديدة غير بها نمط أداء وكاركترات قدمها فى الأعوام الأخيرة، وهى سمة النجوم الذين يدركون قيمة التغيير، وقد ذاق طعم الكتابة الجديدة الطازجة ومنح الفكرة بريقا خاصا بأستاذية العمر، مشاهد عديدة كانت تعبيرات هلال كامل أو عادل إمام بها مدهشة، كانت معظمها تنتهى بنظرات عميقة لتبقى فى مخيلتنا وتداعب أفكارنا وتجعلنا نرى مجتمعنا وانفسنا بمنظور جديد.
عادل امام يدرك أن الشخصية التى يجسدها مهمة، ويمرر بذكاء ما يريد أن يقوله ويجعلنا نكتشف معه خبايا وأسرار قضية مهمة هى قضية وطن.

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي