حكايات| هنا مشرحة زينهم.. جثث متحركة ولحظات رعب لطبيب التشريح

هنا مشرحة زينهم.. جثث متحركة ولحظات رعب لطبيب التشريح
هنا مشرحة زينهم.. جثث متحركة ولحظات رعب لطبيب التشريح

«المجهول» كلمة تولد القلق والخوف في نفوس أغلب البشر، فكل ما هو مجهول مخيف عند البعض، والبشر نوعان منهم من يبحث ويدفعه فضوله لمعرفة المجهول والوصول إليه، ومنهم من لا يبالي بأي مجهول، ويترك أقداره لخالقه ويرضى بكل ما هو آت.

 

ما بين هذا وذاك، بحثنا عن مواقف تربط بين الواقع المعلوم والغيب المجهول، فوجدنا أقرب طريق للوصول إلى ذلك هو آخر ما يربط الإنسان بالحياة وآخر مكان يمكن أن يرقد فيه البعض قبل أن يواريهم التراب وهو «مشرحة زينهم».

 

ذلك المكان الذي يحاوطه أسوار عالية صعب اجتيازها إلا من مدخل محدد، ويغلق أبوابه على الكثير من الحكايات الغريبة، والمؤلمة في ذات الوقت؛ حيث يروي الدكتور أحمد الشيخ بعض الحكايات الذي يراها البعض أسطورية وغير منطقية ولكنها حدثت بالفعل داخل المشرحة، وتعرضها «بوابة أخبار اليوم» في سلسلة حلقات.

 

الحلقة الأولى.. الخال القاتل

 

«وصل لمشرحة زينهم أربع جثث لأم وثلاثة أبناء بينهم رضيع وفتاة وشاب».. في البداية تفقد الدكتور جثة الأم وجد شكلها غريب، ولونها أزرق بشكل مبالغ فيه، ويوجد على جسدها أسمنت ويظهر على ملامح وجهها«اسفكسيا الخنق»، وتلتف حول عنقها «ملاية».

 

قرر طبيب التشريح أن يبدأ عمله بجثة الأم، فلاحظ أن يديها خارج ترابيزة التشريح بشكل غريب، فارتدى «جوانتي»، ووضع يديها إلى جانبها ملاصقة لجسدها، والتفت ليحضر المشرط والأدوات، لأنه كان مضطرا للعمل وحده لأن مساعده ذهب فجأة لأن زوجته كانت في حالة ولادة متعسرة، وأثناء تحضيره لأدوات التشريح سمع صوت خلفه فنظر للجثة وجدها يدها الثانية خرجت خارج ترابيزة التشريح. 

 

توقع الطبيب أن يكون هذا رد فعل طبيعي بعد إعادة يد الجثة المتيبسة بجانب جسدها والمتوفية ممتلئة، فخرجت اليد الأخرى، فوضع اليد الثانية بجانب جسدها والتف مرة أخرى ليكمل تجهيز أدواته وبعد انتهاءه من تجهيزها عاد ليبدأ عمله فوجد شيئا صادما.

 

وقف الطبيب في حالة صدمة لثواني، بعدما وجد قدمها اليسرى خارج الترابيزة تماما، وهذا لا يمكن تفسيره بالعلم والمنطق، لأن القدم متخشبة تماما على الترابيزة، كما أن ترابيزة التشريح لها جوانب مرتفعة لمنع سقوط أي شئ أثناء التشريح، ولذلك لا يمكن أن تنزلق القدم خارج الترابيزة.

 

وفي تلك اللحظة أيقن أن هناك شئ ما ورائه رافضا تشريح الجثة بشكل أو بآخر، فالبعض يقول قرين والبعض يقول روح، والبعض ينسبها للجن ولكن المحصلة في النهاية رفض التشريح، وبالتالي فإن هذا الرافض "أيا كان من هو" يحاول أن يبعدك بأكثر من طريقة وبالتدريج، وكل تلك الطرق يعلمها جيدا كل من عمل بالتشريح.. في البداية سيحاول تخويفك بحركات بسيطة مثلما حدث، ثم يبدأ إزعاجك بأصوات وإفساد بعض الأشياء أو الأدوات، وإذا كان الشخص ضعيف فمن الممكن إيذاؤه، ومعنى ذلك أن تلك الحركات كانت الرسالة الأولى للجثة ولا بد أن يكون رد فعل الطبيب قوي لكي يحسم الأمر.

 

اقرأ أيضًا| أوراق «التاروت».. سر فرعوني تنبأ بظهور النبي محمد

 

أحضر الطبيب الأدوات بجانبه وقطعة قماش بيضاء طويلة وربط القدمين في بعضهما بعنف، وبهذه الطريقة كان رده على الرسالة الأولى والتي تعني أنه لا يخاف، ثم بدأ في المرحلة الثانية من محاولات إبعاده عن تشريحها، فكلما حاول استخدام مشرط لتشريحها يُكسر بدون سبب، وتعطل المنشار وكل الأجهزة إلا أنه لا يستسلم ليوصل لها رسالة بأنه لا يبالي فتستسلم الجثة، ولكن كل ما حدث أعطى انطباعا للطبيب أن تلك السيدة كان لها نشاط مع الجن والأعمال، ومعنى ذلك أن قصتها لن تنتهي بانتهاء التشريح.

 

وبالاطلاع على مذكرة النيابة، التي روت قصة الحادث فإن «هدى» سيدة مطلقة، زارها أخوها فوجدها أنجبت طفلا رضيعا منذ أيام فخنقها انتقاما لشرفه، وابنها الكبير ذهب إلى المباحث وكان في حالة هيستيرية ولم يكن متزنا، وقال إن خاله قتل أمه ووضع عليها أسمنت في حفرة في البيت، وعندما وصل الإبن إلى البيت ورأى ذلك خاف على أخته وأخوه الرضيع فقتلهم وقرر الانتحار بتناول أقراص سامة وبالفعل أخذها ومات في القسم.

 

 

راجعت المباحث كاميرات المراقبة في المنطقة ورصدت بالفعل أخوها المذكور وهو خارج من المنزل في وقت ارتكاب الجريمة، وظهر أن الابن كان داخل البيت من الأساس قبل الجريمة بثلث ساعة، فذهبوا بعد خمس ساعات من ارتكاب الجريمة  للقبض على الخال، وجدوه ميتا.

 

اقرأ أيضًا| يعيشون حتى 145 عامًا.. شعب لا يمرض ونساؤهم جميلات تنجبن في عمر الـ70 

 

عاد الطبيب مرة أخرى ليسجل معاينته لجثة السيدة، فوجد الأعضاء الداخلية في بدايات تعفن ورائحتها مقيتة، وبالرقبة تبين وجود آثار تؤكد وفاتها بسبب الخنق ولكن القوة المستخدمة في الخنق كبيرة جدًا تتجاوز ثلاثة أفراد كونها بملاءة قماشية، ويوجد على جسدها بعض الرموز والأوشام بلون أخضر وبعض الجمل غير المفهومة، وكذلك جدول صغير على الظهر يحتوي على أرقام غير مرتبة، ووفقا للمظاهر التحليلية فقد مر على الوفاة قرابة الـ24 ساعة، وأثناء الفحص فوجئ الطبيب باختفاء الملاءة البيضاء التي ربطها على قدميها.

 

ترك الجثة وقرر أن يتحدث مع ضابط المباحث صديقه ليفهم منه ما حدث، فوجده في حيرة من أمر تلك القضية قائلا: «يوجد محل أمام بيت المجني عليهم، والكاميرا توضح أن المجني عليها الأم، دخلت البيت الساعة الثالثة عصرا، فقاطعه الطبيب "ثلاثة العصر" في أي يوم ؟، رد ضابط المباحث من 10 ساعات، فتعجب الطبيب كيف وهي توفت منذ أكثر من 24 ساعة مستحيل..

 

فكلمات الضابط أكدت أن السيدة ظهرت في الفيديو من 10 ساعات، وابنها كان داخل المنزل، وأخوها وصل بعد ساعة تقريبا، وظهر في الكاميرا بمنتهى الوضوح، وظل معهم نصف ساعة ثم خرج الابن اشترى شيئا من محل أمامهم وعاد للمنزل وبعد نصف ساعة خرج الخال ومعه الابن ليوصله لسيارته، وذهب هو أيضا بسيارته، وكل هذا في حدود الخامسة، وذهب الابن للقسم وحدث ما حدث.

 

وعندما بحثنا عن الخال علمنا أن السيدة لها أخان أحدهما خارج البلاد من 12 عاما والثاني هو من كان يزورها، وذهبنا لمنزله للقبض عليه وجدناه ميت ومتعفن تماما ورائحته لا تطاق واتضح أنه متوفي منذ أكثر من أسبوع، وملتصق بالأرض ويحاوطه الدود وتخرج منه حشرات طائرة، ولم يستطع أحد لمسه أو الاقتراب منه، أنهى الطبيب المكالمة وهو على اليقين أن الحكاية لن تنتهي بسهولة.

 

وعاد مرة أخرى لجثة الأم فوجد اليدين خارج الترابيزة والقدمين، والجمجمة منشورة، وذلك ما زاد الوضع بشاعة، فارتدى الجوانتي واقترب منها ليكمل عمله، فوجد اتصالا من ضابط المباحث آخر يسأله عن أي معلومة تفيدهم في هذه القضية، فرد الطبيب أنه تحدث مع فلان ضابط المباحث منذ دقائق، فتعجب الضابط قائلا: كيف تحدثت معه وهو جالس أمامي وهو من طلب مني أن أحدثك، وأكد الضابط الآخر أنه لم يحدث الطبيب منذ ثلاث شهور، فتعجب الطبيب وسألهم ما هي تفاصيل الجريمة فروا له القصة كما دارت في المكالمة التي ظن أنها حدثت، وبعد أن أغلق الاتصال نظر لهاتفه فوجد أنه لا يوجد اتصالات سابقة فعلا، فعلم أن تلك كانت الرسالة الثالثة من الجثة الرافضة للتشريح، وأن الموضوع سيطول.

 

اقرأ أيضًا| يوم الموتى.. طقوس تعيد الحياة لـ«جماجم» الأطفال والبالغين

 

وأيقن الطبيب من تلك اللحظة أن هناك شخصا بالخارج يتحكم فيما يحدث، فالموضوع تعدى فكرة القرين، وأثناء ذلك سمع الطبيب صوت مساعده وصل في الخارج فخرج ليفتح له، فرأى ثلاث قطط سوداء صغيرة وأمامها قطة سوداء يبلغ حجمها عشر أضعاف القطة العادية، عيونهم كلها حقد ومتأهبين للهجوم، فأكمل خطواته بمنتهى الهدوء، وهي تزداد تأهبا وكأنها تستعد للانقضاض، وهو عينه ثابتة في عين القطة الكبيرة، وعند شروعه في ضربها بقدمه اختفت الثلاث قطط الأخرى، فأكمل طريقه للباب وفتح للمساعد.

 

توجه الطبيب لجثة الرضيع، فوجد أنه يبلغ من العمر يومين، عار من الملابس تماما والحبل السري مقطوع قطع غير طبي وعنيف، وتظهر على جسده آثار تعذيب وإهمال نظافته، وبالظهر جدول أشبه بالموجود على ظهر الأم ولكن الأرقام مختلفة، تم أخذ عينات DNA، لمعرفة من الأب.

 

وانتقل الطبيب لتشريح الشاب، فوجد العينان مفتوحتان بشكل مبالغ فيه، مع وجود عتامة بيضاء على القرنيتين، وآثار وشم على الكتفين والصدر وأعلى الظهر بنقوش غير مفهومة، مع جدول يشبه الموجود على ظهر الأم والرضيع وبأرقام أيضا مختلفة، وبالفحص تبين أن الوفاة ناتجة عن تسمم بمركب عضوي فسفوري.. بدأت علامات التعجب تظهر على ملامح الطبيب فأول مرة يرى جثة حديثة الوفاة وعينيها مفتوحتان بهذا الشكل، وما موضوع الجداول على ظهر الجثث.

 

وبتشريح جثة الابنة، تبين أنها عذراء، ولا يوجد آثار عنف، وسبب الوفاة جلطة في القلب.. ترك الطبيب المشرحة بعد فحص الأربع جثامين، وقرر أن يذهب لمنزله ليرتاح، وفي الطريق كان الجو ممطر بشدة وجد رجل عجوز يحاول عبور الطريق، فوقف وأضاء أنوار سيارته ليسهل له العبور، فاقترب منه الرجل وكان يخفي وجهه بشال ولا يظهر سوى عينيه، ونظر إليه نظرة ممتلئة بالطاقة السلبية، وأشعرته بصداع غريب.

 

فبدأ الطبيب يحرك يده ببطئ ليمسك بسلاحه الشخصي، ولكن الرجل ذهب من أمامه، واستمر الصداع معه إلى أن وصل بيته، ووضع رأسه تحت المياه لمدة خمس دقائق حتى بدأ يهدأ، فرفع رأسه لينشف وجهه ورأسه بالمنشفة فشعر بيد توضع بقوة على كتفه، استدار ليرى من ذلك فلمح نفس الرجل العجوز الذي اختفى من أمامه، ولكن هذه المرة رأه بوضوح فوجهه ملئ بالحفر، وعلامة شيطانية غريبة على جبينه تشبه زاوية قائمة قاطعها حرف S، جلس الطبيب يردد بعض الأذكار، وخلد للنوم، ثم استيقظ على تليفون من مساعده الذي يبيت في المشرحة ليبلغه أن جثة الخال وصلت.

 

 

وصل الطبيب للمشرحة، التي تملأها رائحة مقيتة تخرج من جثة الخال، فالجثة منقولة في كيس أسود محاطة بالديدان والحشرات من كل جانب، يدها قريبة من وجهها، الوجه يبدو بملامح مرعبة، والجثة تقريبا مضى على وفاتها قرابة الـ20 يوما !!

 

وبدأت رحلة التعجب كيف قتل الخال الأم أمس وهو متوفى منذ 20 يوما، اتصل الطبيب بضابط المباحث واتفق معه أن يقابله بكل أوراق القضية، وتقابلا في اليوم الثاني وأوضح لهم لطبيب أن الأم ماتت مخنوقة بقوة أكثر من 3 أشخاص، والرضيع مات من الإهمال والتعذيب لمدة يومين وليس كما قال الأخ إنه قتله، والأخت ماتت بجلطة في القلب وهذا يعني أن أخوها لم يقتلها أيضا والخال مات منذ 20 يوما ومستحيل يكون موجود وقت ارتكاب الجريمة.

 

فسأل الطبيب عن الأخ الثاني، فعلم أن المباحث أرسلت للسفارة بالدولة التي من المفترض أن يكون بها فعلموا أنه عاد إلى مصر منذ سنة، وأثناء ذلك النقاش رن هاتف ضابط المباحث ليتم إبلاغه بوصول الخال الثاني، الذي علم من جيران أخوته ما حدث لهم، فطلب منه الضابط أن يأتي إلى المشرحة ليتعرف على الجثث، وفي تلك الأثناء كان الطبيب يقلب في أوراق القضية فعلم أن الخالين توأم، وبعد وقت وصل الأخ للمشرحة.

 

استقبله الطبيب وضباط المباحث ولكن الطبيب وقف في لحظة صمت، ليتأكد أنه نفس الرجل العجوز الذي ظهر له في طريقه لمنزله وظهر له في الحمام، فخاف الرجل وحاول الهرب وجرى على أقرب عمود إنارة وظل يخبط رأسه فيه حتى سقط مغشيا عليه، تعجب كل الحاضرين مما يحدث، والطبيب لم يفسر لهم شئ، وتم نقل الرجل إلى المستشفى.

 

في اليوم التالي ذهب الطبيب للمستشفى لرؤية الرجل الغامض، الذي فسر له حقيقة كل ما حدث واعترف له بأنه كان على خلاف مع أخوته، وأنهم كانوا يعملون في السحر والأعمال، وعندما طالبهم بميراثه رفضوا وعملوا أعمال دمرت حياته، فقرر البعد عنهم، وسافر لإحدى الدول الإفريقية المشهورة بالسحر، وتعلمه باتقان وتفوق فيه، لذلك حفروا على جبهته تلك العلامة الغريبة التي تعني أنه أحد أقطاب السحر، وعاد ليمارس سحره على أخوته فقتل أخوه وسحر الجميع لكي يرونه مكان أخوه، واحتفظ بجثة أخوه، حتى يكمل خطته وكان ينوي إخفاء جثته بعد قتل أخته وأولادها لكن الوقت لم يسعفه.

 

وأثناء رواية تلك الساحر لتفاصيل جريمته اتصل الطبيب بالضابط وأسمعه الاعتراف، ولكن قبل القبض على المتهم اختفى ولم يستدل على مكانه.
 

 

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي