بأقلام الأشقاء

العصر الإلكترونى وتحديات المستقبل

د. طلال أبو غزالة
د. طلال أبو غزالة

 

بفضل التكنولوجيا الرقمية المبادرة، ستتحول جميع الأنشطة اليومية تدريجياً إلى المكننة المدعمة بالروبوتات أو البرامج الرقمية. وعندما نتحرر من الجزء الأكبر من انشغالاتنا الحالية، سننشغل إلى حد كبير فى تحديد مهام هذه الآليات، وبنائها وتطويرها.
وقبل كل شىء، لابد من إعادة التركيز على تفردنا البشرى، ستكون لدينا الفرصة لاستثمار وقتنا فى بناء العلاقة مع الآخرين، والابتكار، والخلق، والحدس، والترقب، وجميع الأنشطة غير التلقائية، والفائدة المرجوة منها بين الجدوى أو عدمها. وفيما يتمركز نشاطنا حول المكننة، لكن مسئوليتنا المباشرة هى التحضير للأنشطة البشرية فى الغد.. هذا اليوم!
عندما كنا فلاحين متعلقين بالأرض، منشغلين فى العثور على طعامنا أو إنتاجه، قمنا بتأمين احتياجاتنا الحيوية بأنفسنا (التغذية، السكن، مجابهة العناصر والحروب). وبما أننا كنا نختفى عن هذه الأرض قبل سن الأربعين، لم يكن يترتب علينا حتى تمويل معاشاتنا التقاعدية.
اليوم، ابتعدنا عن الأرض وتقوقعنا فى المناطق الحضرية أكثر فأكثر، فتنامت لدينا الاحتياجات الأساسية التى تأتينا قسراً من خلال الآخرين (صاحب العمل، عملائنا، رواتبنا، العناية الطبية، والضرائب والمقرضين الذين يمولون حمايتنا الاجتماعية والمدنية)، كل هذا مع حياة أطول مرتين، نحتاج كى نحياها للمزيد من المال، والتبرعات، وكافة المصادر التى تؤمن العيش الكريم. وبالتالي، قمنا ببناء مجتمعنا الحديث عبر صفقة تضامنية كبيرة: الموافقة على مغادرة الأراضى التى تؤمن لنا الغذاء، للعمل فى المدينة، حيث توفر الوظيفة الأمان ومصادر الحماية، والمأكل، والمشرب وغيرها الكثير. وإذا حدث خطأ ما، أو عند الانتهاء من خدماتنا المجتمعية، ستزودنا بالاحتياجات الخاصة حتى آخر أيامنا.
وعليه تحول مجتمعنا لمجتمع تكافلى، قوامه كمٌ كبير من العلاقات المتبادلة التى تشكل قيمته الأساس، وتساند قدراتنا المشتركة لضمان هذا الاتفاق التضامني. المحاسب مثلاً، يتولى مداخيل المؤسسة التجارية التى تحتاج لوسيط تأمين، وهذا بدوره يحتاج لمحاسب، وهو ما يسمح للمحاسب بشراء الفواكه والخضراوات فى البقالة المجاورة، والتى يتولى مديرها شئون التموين ومحاسبة المنتجين، ويقدم العروضات الخاصة لتطوير مبيعاته بمساعدة زوجته المحامية التى تقصد طبيبها للاستشارات الطبية... والحلقة تطول وتطول...
التحدى الجماعى الذى يواجهنا هو: كيفية الحفاظ على هذه الصفقة، إذ على مدى فترة زمنية قصيرة نسبيا (10 إلى 15 عاما)، فى جميع المراكز الحضرية لكوكب يسكنه 8 مليارات شخص، بين محاسبين، وسائقى تاكسى، وسماسرة، ووكلاء مرافق، ومديرى منتجات، ومحامين وأطباء... يتحول الجزء الأكبر من هذه الأنشطة إلى المكننة، لأنها مكررة وبالتالى قابلة للإنتاج الرقمى. هذا على سبيل المثال لا الحصر.
ولن يكون التحدى الاستعاضة عن النشاط البشرى بالآلة. فنحن نفعل هذا منذ مدة بعد أن اعتدنا فى حياتنا على الاستقرار. التحدى هو عندما يحدث ذلك بسرعة كبيرة، ويشمل الجميع فى الوقت نفسه، وفى كل مكان، ونتكلم هنا عن سكان أكثر عدداُ عمّن عايشوا التطورات السابقة (الشئون المالية، المناخ، وسائل الإعلام). والتحدى هو أيضاً فى الوتيرة والحجم وكذلك فى أننا أكثر يقظة، ودهاء، ومعلوماتية، وبخاصة فى البلدان الغربية، حيث اعتاد الناس على وتيرة عيش متقدمة. أما عند الفقراء، وبخاصة فى معظم البلدان الأفريقية، والشرق الأوسط وآسيا، فيختلف مفهوم التحدى إلى الشعور بتحدٍ آخر: معادلة هذه الموازين.
والمشكلة أنه، مثل سائر الإرهاصات الجماعية الرئيسة، ينجم التحدى أمام عدد كبير من القرارات الفردية التى تسير فى نفس الاتجاه، لأنه عند نقطة ما، يرى الجميع مصلحته على مستواه خاصة فى مرحلة التحضير الرقمي. من هنا يصبح التنفيذ التلقائى ضرورى بالنسبة للجميع.
وسوف تصبح جميع الأنشطة الحياتية بما فيها الجدوى التقنية، والمصالح الاقتصادية ومتطلبات العيش، آلية بالتدريج. هذه هى الحقيقة ولا مفر منها. وجميعنا كأفراد، سوف نفضل السيارات الذاتية على سيارات الأجرة لسهولة التعامل معها. على مستوى الشركات، سوف تتم المكننة لأنها توفر ميزة تنافسية (حيث تنعدم الإضَرابات وتخف النفقات التشغيلية)؛ وفى حال التضامنيات الشعبية والحكومات سوف تسهّل المكننة التنفيذ التلقائى لتطوير الخدمات المقدمة وسيزداد إتقان العمل بين موظفين أقل عدداً إنما أكثر جهوزية.
وأخيراً لا آخراً سيتحسن ترشيد الإنفاق. وسيكون هذا تحدياً جماعياً لأنه يتعلق بنا جميعاً كل فى موقعه وربما فى الوقت نفسه، أيا كانت نشاطاتنا. لكن هذا التحدى يتناول فى المقام الأول من هم فى مواقع المسئولية، أولئك الذين يقررون الاستثمار فى التشغيل الآلى أو عدمه، واختيار المواضيع، ووتيرة الاستثمار وترسيم الأولويات، وتعيين المحاسب أو المدير، المحامى أو الطبيب، وهؤلاء سيتحررون أولاً من أنشطتهم المتكررة، التى ستقوم بها الروبوتات المتقدمة.
هنا تبرز مسئولية متجددة، ألا وهى اقتراح وتصميم وبناء أنشطة جديدة موازية لنوعية الخدمات الجديدة والتى سوف تتطلب المهارات الجديدة، والمهن البشرية المطورة، وضروب أخرى من التواصل والارتباطات التى تنشئ بدورها القيم الاقتصادية والاجتماعية المتجددة.
جوهر المسئولية المقبلة، أن نكون قادرين على الاستجابة لهذا التحدى البشرى بحلول العصر الرقمى، ألا وهو الاعتراف بالفرصة القادمة وانتهازها لننمو معاً بصورة جماعية، حيث ترتفع بنا، وتقربنا من بعضنا البعض، وحيث يتم القبول والاعتراف بأن السنوات الـ 100 الماضية قد تمكنت من تغيير الإنسان ونقله من العمل على سلاسل الإنتاج المصنعى إلى رسائل البريد الإلكترونى.
لقد خلقنا الرجال الآليين، وسخّرنا هذه الآلات لتعمل ما كنا نعمل، فهل يمكننا تأمين الإنسانية للإنسان؟ إذا تم الوفاء بهذه المسألة، فسيكون عصر الرقميات القادم ممتعاً، ومثمراً ومحفزاً للمشغّلين المتطورين بيننا، وكذلك لعمال المساندة والإشراف، بل حتى لمزارعى المستقبل الذين سيختلفون عن أجدادهم القدامى.
ومن اسقاطات الكورونا أنها أجبرت الكثيرين على التحول إلى العمل أو الدراسة أو التواصل الرقمى. وقد لبت حكوماتنا هذا النداء الذى أجبرنا عليه هذا الوباء الخبيث، ولعل هذه هى الحسنة الوحيدة التى نتجت عن مصائب الكورونا على الأرواح والصحة والعمل والدراسة والحياة والمجتمع. لا بارك الله فيك يا كورونا، وسننتصر عليك بسلاح الرقمية وبثورة المعرفة التى ناديت بها منذ عام 2006 من موقعى كرئيس لفريق الأمم المتحدة لتقنية المعلومات والاتصالات، وبعدها عام 2009 بصفتى رئيسا للائتلاف الدولى فى الأمم المتحدة لتقنية المعلومات والاتصالات ولم أتوقف عن ذلك رغم ما وجهته من انتقادات ومن رفض ومعارضة رسمية وغير رسمية، إلا أننا أصررنا فى طلال أبو غزالة العالمية على أن نصبح مؤسسة عالمية رقمية معرفية مما مكننا أن نستمر فى أعمالنا بأقل أضرار فى مواجهة هذا الوباء الخبيث.