سقوط المشروع التركي في جنوب مصر

الرئيس السيسي يستقبل د. عبدالله حمدوك
الرئيس السيسي يستقبل د. عبدالله حمدوك

دراسة: محمد حسن


وقعت مفاصل الدولة السودانية تحت سيطرة تنظيم الإخوان خلال حكم عمر البشير  واحتفظت السودان بعلاقات قوية مع قوتين متضادتين (تركيا، وإيران)، على أن علاقاتها مع إيران عسكرياً وسياسياً كانت أعمق وأقوي، حتى وصل حزب العدالة والتنمية التركى لسدة الحكم 2003. وذلك نتيجة سيطرة أدبيات ومفاهيم الحاكمية الإسلامية بنسختها الأحدث والأكثر تطرفاً التى وضعها سيد قطب؛ على النخب والقيادات الحاكمة فى كل من (طهران- أنقرة -الخرطوم). ما جعل الارتباط بين تنظيم الإخوان فى أى دولة ينشط بها، ونظام الملالى فى طهران يمكن عدّه تحالف عقائدى استتر بالسياسة، أو سياسى استتر بالعقيدة. من هذا التموضع القريب للسودان من طهران وأنقرة، فى عهد البشير، انتقل مستوى التحولات والتفاعلات الأمنية المصرية بجبهة الجنوب من الاستقرار النسبى للتهديد فى أحيانِ كثيرة ، إثر تحول السودان كملاذ آمن للتنظيمات والعناصر المسلحة والإرهابية على حدِ سواء طيلة ثلاثة عقود من حكم البشير.

تجدر الإشارة إلى أن زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، أقام بالسودان فى الفترة الممتدة من 1990 - 1996، ونفذ فيها العديد من المشروعات الاستثمارية والتجارية كانت عائداتها مخصصة لتمويل النشاط الإرهابى الموسع بعد تجربة القاعدة فى أفغانستان، وقدمت له الحكومة السودانية وقتها عدة مزارع كحصة استثمارية، حولها بن لادن تحت عِلم البشير، إلى معسكرات لتدريب مقاتلى القاعدة وإعدادهم لتنفيذ كبريات العمليات الإرهابية لاحقاً فى القارة الإفريقية ولاسيما فى منطقة القرن الإفريقى وسواحله. فضلاً عن تحول السودان لمركز إيواء لعناصر تنظيم الجهاد المصري، الذى نفذ عدة عمليات إرهابية داخل مصر فى تسعينيات القرن المنصرم منها محاولة اغتيال رئيس الوزراء المصرى الأسبق عاطف صدقى 1993، حتى تورط نظام البشير فى محاولة اغتيال الرئيس المصرى الأسبق حسنى مبارك فى أديس أبابا 1995.

إلا أن موقع السودان من مشاريع التوسع العقائدية التركية - الإيرانية ازداد على نحو مطرد بعد انفجار موجات ما يُسمى بالربيع العربى وتحولها من حركات احتجاجية اجتماعية، لكرة لهب كبرى من الاقتتال المسلح الداخلي، الممهد لإنهاء احتكار الدولة المركزية للقوة الإكراهية وتباعاً تشظى الجماعات المسلحة والإرهابية ولاسيما بعد تبوء إقليمى شمال إفريقيا ودول الساحل والصحراء مواقع ذات أهمية كبرى فى أجندات القوى الإقليمية الكبرى غير العربية، التى ملأت بقوة السلاح والميليشيات الفراغ الإستراتيجى بطول الجبهة الشرقية للمنطقة العربية ولاسيما بعد مغادرة كل من سوريا والعراق لمعادلة القوة العربية. وعليه؛ فإن الدولة المصرية تعاطت مع السودان وقيادته فى ذلك العقد، الذى تكابد فيه دول المنطقة العربية والشرق أوسطية تداعيات موجة المد الرابع لظاهرة الإرهاب العابر للحدود منذ تأسيس تنظيم القاعدة، من منطلق الأمن القومي، ووحدة المصير، على اعتبار أن تهديد استقرار السودان يضر باستقرار وثبات القاهرة فى واحدة من أعقد الصراعات التى تختبر سقف القوة والقدرة الشاملة للدولة. 


 التطابق المؤقت 


وفور وصول تنظيم الإخوان المسلمين للحكم فى مصر، منتصف يونيو من العام 2012، وقبلها من سيطرة التنظيم على النظام التشريعى المصري، شهدت العلاقات بين البلدين حالة من التطابق المؤقت، أفرزتها انتماء كلا الرئيسين فى ذلك الوقت للإسلام السياسى وادبيات الحاكمية الإسلامية لـ«أبو الأعلى المودودى وسيد قطب»، التى تقوم فى العديد من أركانها على الأممية، والتعدى على السيادة الوطنية من منطلق هذه الفكرة.


حلّق الطرفان فى فلك المحور القطري - التركي، وبات الجميع (قطر - السودان- حكومة الإخوان فى مصر)، يحلقون ضمن جملة الأهداف الإستراتيجية العظمى للنظام التركى الرامى لإعادة إحياء العثمانية الجديدة، وهو مشروع قومى تركى يستغل الإسلام السياسى وأدواته بُغية تحقيق آماله وطموحاته التوسعية القائمة بالأساس على هدم الدول الوطنية ومؤسساتها.


وعلى الرغم من حالة التطابق المؤقت تلك، إلا أن ثمة ملفات أخرى مهمة تعثرت، وغاب عنها التنسيق المشترك، كملف سد النهضة، وبات الموقف السودانى أقرب للرؤى الإثيوبية. كما اتهم البشير فى لقاء تليفزيونى له طريقة إدارة الرئيس المعزول محمد مرسى لسد النهضة بالتسبب فى إفساد العلاقات مع إثيوبيا وفشل المفاوضات. وأضاف أن الاجتماع الذى عقده مرسى فى الاتحادية، وضم عددا من رؤساء الأحزاب والشخصيات العامة، دعت إلى ضرب سد النهضة ودعم الحركات الانفصالية فى إثيوبيا، أثر بالسلب على العلاقات بين البلدين، وأسهم فى تعقيد مفاوضات سد النهضة.


وبدا واضحاً أن مصفوفة (مصر- السودان- قطر- تركيا)، فور وصول الإخوان للحكم، تذهب لتدعيم مرتكزات القوة الشاملة للنظام التركي، كونه صاحب المشروع التوسعى الأممي، عوضاً عن حل مشكلات بلدانها. وعلى الرغم من ان التطابق المؤقت أظهر جانباً من التفاهم فى ملفات النزاع الحدودي، إلا أن البشير بعد انهيار نظام الإخوان فى مصر لم يقدم القدر ذاته من التفاهم فى نفس الملفات العالقة. وذهب ليُعبّر أكثر تناقضاته بالمشاركة فى تحالف دعم الشرعية فى اليمن، وفى نفس الوقت يتورط فى تهريب السلاح للحوثيين المدعومين إيرانياً.


بيد أن تلك التناقضات يمكن عدّها السمة الغالبة فى الأنظمة الإخوانية وذات الميول والانتماءات والولاءات فوق الوطنية، حيث تدفع دائماً باتجاه حالات عدم الاستقرار الممتد، الذى تستفيد منه بدورها مشاريع تركيا وإيران وإسرائيل بالمنطقة.


التقارب الحذر 


فور تولى الرئيس السيسى رئاسة البلاد، لم يكن خافياً على أحد الدور الذى لعبه نظام البشير فى إيواء العناصر الإخوانية الهاربة. حيث تحولت السودان لنقطة عبور رئيسية فى مسارات خروج وهروب كوادر ومنتسبى تنظيم الإخوان من مصر. وظهر بصور جلية، مدى علاقة سودان البشير بالتنظيم المصنف إرهابياً بمصر رغم محاولات النفى المتكررة. إذ عبرت السودان أكثر من 30 رتبة قيادية متوسطة وعليا من تنظيم الاخوان، قاصدين تركيا وقطر. 


وتعاظمت أخطار أن تتحول السودان كنقطة إيواء كبرى لكل العناصر الإرهابية المناوئة للأنظمة الوطنية المستقلة فى المنطقة، ولاسيما بعد تشظى ظاهرة الإرهاب العابر للحدود، وتصعيد محور تركيا-قطر - إيران لأنشطته العدائية تجاه مصر لضرب مصالحها، واكب تعاظم الخطر، نشاط مصرى إيجابى تجاه السودان، بُغية احتوائه وعدم دفعه للتحول لتكثيف نشاطاته المناوئة للدولة المصرية عبر جملة من الزيارات على المستوى الرئاسى وصيغة 2+2، وزيرى الخارجية ومديرى أجهزة الاستخبارات.

وهو ما ظهر فى ست زيارات للرئيس السيسى للسودان أفرزت فى مجمل تفاهماتها واتفاقاتها المبدئية على الربط الكهربائي، وتعزيز التعاون الأمنى والاستخباراتي، الرامى لتخفيف الدور الذى يلعبه السودان ضمن المحور «قطر- تركيا- إيران»، ومحاولة تحجيم موضعه فى هذه المصفوفة ولاسيما بعد تحول السودان لنقطة ترانزيت فى خطط وتكتيكات إعادة نقل وانتشار الإرهابيين من الميادين السورية والعراقية صوب الميدان الليبى ودول الساحل والصحراء.. فضلاً عن استقبال البشير للرئيس التركى رجب طيب اردوغان فى 2017، والموافقة على تسليم جزيرة سواكن على البحر الأحمر للجانب التركى الذى بات بموجب هذا الاتفاق على بعد بضعة مئات من الكيلومترات من الحدود المصرية الجنوبية فى تهديد جسيم للأمن القومى المصري، كان البشير أحد أدواته، وخاصة بعد الكشف عن تفاصيل اتفاقية التسليم والسماح للأتراك ببناء نقطة عسكرية بحرية فى الجزيرة. 


وأفضى التقارب الحذر، فى مجمل محصلاته إلى تدعيم الشراكة الاقتصادية مع السودان، والإبقاء على جبهة الجنوب مستقرة، بدعم استقرار السودان، وعدم تحوله لبيئة قاذفة بالتهديدات الأمنية إثر أية احتمالات مسبقة للانكشاف الأمنى والمؤسساتى فيه.


ولطالما كان الحرص المصرى على استقرار السودان، لارتباطه العضوى بالأمن القومى المصري، ذهبت الإدارة المصرية لدعم عمليات انتقال السلطة، دون استغلال القوى الداعمة للنشاطات الإرهابية والمسلحة لحالة السيولة الأمنية التى تعيشها الخرطوم. فكان الرئيس السيسى أول من اتصل برئيس المجلس العسكرى السودانى عبدالفتاح البرهان، وعرض تسخير كل الإمكانات المصرية فى دعم السودان وحفظ أمنه واستقراره. كما أعقب الاتصال أول زيارة خارجية للبرهان، وكانت القاهرة مقصدها. فيما بدا واضحاً ملامح لفترة جديدة من التنسيق الأمنى والاستخباراتى الداعم لانتقال السودان لدولة وطنية جامعة، وخاصة بعد صعود التيار الوطنى فى المؤسسة العسكرية، وإدراكهم لخطورة التنظيمات الإرهابية والمسلحة ذات الولاءات والانتماءات فوق الوطنية.


ومثل سقوط البشير فى أبريل من العام الماضي، خسارة إستراتيجية كبرى لكل من تركيا وإيران، حيث أثر ذلك بشكل ملحوظ على خطط تركيا لنقل الإرهابيين للميدان الليبي، فبعد أن كانت تلك الخطط تتم بعيداً عن أعين الشركاء الأوروبيين، باتت الآن تتم عبر نطاق البحر المتوسط جواً وبحراً، وفى وضح النهار. مما جعلها فى مجال اهتمام الدول الأوروبية ولاسيما تلك الواقعة فى حوض البحر. حيث اتهم الرئيس الفرنسى ماكرون، تركيا بنقل الإرهابيين عنوةً للصراع الليبي، كما رصدت حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديجول، سفنا تجارية محملة بالأسلحة والعناصر الإرهابية ترسلها تركيا دورياً للإبقاء على الصراع وخطوط دعم ميليشيات حكومة الوفاق التى تدار من قبل أفراد مدرجين على قوائم الإرهاب. كما فقدت إيران منصة تهريب السلاح للحوثيين مع سقوط البشير. 

 ملاحقة الخلايا النائمة للتنظيم الإرهابي


حيث أعلنت النيابة العامة السودانية، فى 13 فبراير الجارى عن اكتشاف «خلية إرهابية» تابعة لتنظيم الإخوان فى مصر، قالت إنها كانت تُخطط لهجمات فى البلاد. وأشار مكتب النائب العام السودانى إلى أنه «حسب اعتراف المتهم، فإن الشبكة تتبع جماعة الإخوان المصرية»، وتم استصدار أوامر قضائية للقبض على باقى أفراد الخلية. كما أحبطت السودان فى وقت لاحق من الشهر الماضى هروب مدير جهاز الإخوان السرى إلى تركيا «أسامة عبدالله»، بعد توقيف قوة أمنية له فى مطار الخرطوم. وأودعته السجن القومى «كوبر» بتهمة الضلوع فى الانقلاب العسكرى الذى استولت عبره الحركة الإسلامية السياسية على مقاليد السلطة بالسودان عام ١٩٨٩. وأكدت الأجهزة الأمنية أن عبدالله كان ينوى الهروب إلى تركيا بعد أن ظل مختفيا طيلة الأشهر الماضية، لكن يقظة القوات الأمنية حالت دون تمكنه من صعود الطائرة واللحاق بعشرات العناصر الإخوانية التى تأويها أنقرة.

وتجدر الإشارة إلى أنه بالرغم من التنسيق الأمنى والاستخباراتى بين القاهرة والخرطوم والذى تعبر عنه تصريحات أرفع المسئولين فى كلا البلدين إثر الاتصالات والزيارات المتبادلة ضمن صيغ المستوى الرئاسى، والوزارى 2+2، ، لكن يمكن القول إنه أمنياً تحولت السودان من ملاذ آمن لعناصر التنظيمات المسلحة والإرهابية، إلى رقم مهم فى معادلة مكافحة الإرهاب ليس فقط ضمن حدودها، بل، ضمن إطار إقليمى موسع يطال شمال إفريقيا ودول الساحل والصحراء.

 



 
 
 

 

ترشيحاتنا