5 ملايين لاجئ معظمهم من الدول العربية هرباً من الحروب والدمار

فرقتهم الحروب وجمعتهم «أم الدنيا»| مصر.. بيت العرب الكبير

مصر.. بيت العرب الكبير
مصر.. بيت العرب الكبير


ضاقت بهم الأرض.. نبذتهم أوطانهم فتاهوا فى أرجائها.. عاندتهم الحياة ولم يجدوا ملجأ سوى فى قلب الدنيا وعقلها مصر.. نزحوا اليها متخوفين إلا انهم وجدوا الترحاب والأبواب مفتوحة.. كانت البداية «ادخلو مصر إن شاء الله آمنين».. وانتهت بالخير والأمان والرزق الوفير، ليس هذا فحسب بل ابتسمت لهم الارض التى ضاقت واستقر بهم الحال بعد تيهٍ.. إنهم إخوة أشقاء لبلداننا العربية ممن نالت منهم سهام الحرب واغتالت الدماء وأيادى الارهاب أراضيهم فتبدل الأخضر باليابس والخراب والتدمير فدمرت أوطانهم وتاهوا بين البلدان ولم يجدوا سوى مصر البيت الكبير لهم والذين لاقوا بها كل خير.

 

استقبلت مصر خلال السنوات العشر الماضية العديد من أبناء الدول العربية التى تعرضت لأحداث عنف وتخريب، والذين فروا إلى مصر طالبين الأمن والأمان والعيش الكريم، فمصر كانت ولا تزال قلبا نابضا للأمة العربية، والشقيقة الكبرى التى لا تتوانى عن مد يد العون لشقيقاتها من الدول العربية والأفريقية، مما جعل منها المقصد والملجأ الآمن الذى يقصده آلاف النازحين واللاجئين هرباً من أمان افتقدوه وأملا فى أمان واستقرار ينشدونه، بعد أن قصفت منازلهم ودمرت بلدانهم، لتقف مصر تمد الأيدى تستقبلهم دون تقييد فى ملاجئ أو تسكين فى خيام.


السودانيون.. أخوة الدم والنيل

علاقة المصريين والسودانيين علاقة تاريخية قوية لا ترتبط فقط بالطبيعة الجغرافية التى جمعت بين أبناء النيل على طريق واحد، ولكن بالعلاقة القوية بين الشعبين التى كانت على مر العصور علاقة قوة وترابط ووحدة، ومنذ أن كانت مصر والسودان دولة واحدة وأصبح التواجد السودانى فى مصر أمرا مألوفا للمصريين، ولما لا فالسودانيون يعاملون معاملة المصريين فى الحصول على الكثير من الخدمات، كما شكل السودانيون جزءا أصيلا من الجيش المصرى فى عصر محمد على عندما استعان بهم فى سلاح الهجانة.. ويتمركز السودانيون فى العديد من المناطق بالقاهرة والجيزة مثل منطقة وسط البلد وأرض اللواء والمعادى وفيصل وعين شمس.


المحال السودانية
وللجالية السودانية فى مصر طابع خاص ورغم انفتاح الكثير منهم على الثقافة المصرية إلا أن الطابع السودانى المميز يظهر جليا فى الكثير من الأماكن التى يسكنها السودانيون بكثرة، فتجد المقاهى والمطاعم السودانية ذات الطابع الخاص وأيضا الحلاق السودانى ومحلات المنتجات السودانية التى يقصدها المصريون قبل السودانيين للحصول على الحناء والصبغة والبخور السودانية المميزة والتى يتم استيرادها خصيصا من السودان لصالح عدد محدود من المحلات وعادة ما تأتى المنتجات مع شركات صغيرة تتولى نقل الجالية من وإلى الخرطوم.. ويقول أحمد عبد الرحمن، بائع سودانى فى أحد محلات المنتجات السودانية بمنطقة فيصل بمحافظة الجيزة: جئت إلى مصر منذ أربع سنوات، وذلك بعد أن شجعنى أصدقائى المقيمون فى مصر وكانت الإجراءات بسيطة وغير معقدة، وأوضح أنه بدأ يعمل فى مجال المنتجات السودانية منذ حضوره إلى مصر فقد كانت هى مهنته فى السودان.


لم يتردد «عبد الرحمن» فى التحدث عن بعض المشاكل التى واجهها فى التعامل مع المصريين فى بداية أيامه ولكنه سارع بالقول إن هذه المشاكل كانت لا تذكر أمام الترحاب الذى لاقاه من بعض الجيران وأصحاب المحلات المجاورة التى يعمل بها قائلا :» شوفت مشاكل كتيرة لما جيت على مصر بس الناس عاملونى كويس، احنا السودانيين جايين مصر علشان نعيش ونشتغل أو ندرس مش بنحب المشاكل أنا بحب مصر والمصريين بيحبوني،».


المطاعم السودانية
للمطاعم السودانية طابع مميز وفريد يجعل منها ملتقى ثقافيا وفنيا لأبناء الجالية، فهى تجمع بين كونها مطعما لتقديم الأطباق السودانية المميزة، وبين كونها ملتقى ومقهى يجمع أبناء الجالية السودانية لشرب الشاى والقهوة والتحدث عن كل ما يهم أبناء الجالية فى مصر أو السودان، كما تعد مكانا لعرض المواهب الغنائية أحيانا أو إلقاء الشعر أحيانا أخرى، كما تعد حوائط المطاعم السودانية وسيلة إعلام فعالة لنشر مواعيد الحفلات والرحلات التى تنظمها الروابط السودانية فى مصر.


ويقول سامى عز الدين، والمشرف على أحد المطاعم السودانية: إن الأكل السودانى لا يختلف فى مكوناته عن المصرى ولكن طريقة التحضير تختلف وذلك فى القهوة السودانية، وأنه ولد فى مصر من أب وأم سودانيين ولكنه عادة ما يذهب إلى السودان لزيارة الأهل والأصدقاء، ولذلك دائما ما يربط بين الثقافة المصرية والسودانية، وأوضح أنه تلقى العديد من أبناء السودان الذين حضروا إلى مصر بعد المشاكل التى عانت منها السودان مؤخرا، وأوضح أن السودانيين متواجدون فى مصر منذ عصر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وقبل انفصال السودان عن مصر، ومازال العديد من هؤلاء محتفظين بهويتهم السودانية داخل الأراضى المصرية.

 

اليمنيون.. «سعداء» فى مصر

يصل عدد الجالية اليمنية فى مصر إلى 200 ألف يمنى معظمهم إما عالقون أو نازحون بسبب الأحداث التى تشهدها اليمن منذ عام 2015، تمركز هؤلاء فى عدة مناطق ولكن كانت الغلبة لمحافظة الجيزة التى استقبلت النسبة الأكبر من اليمنيين، وكانت منطقة الدقى وفيصل وأرض اللواء بجانب منطقة المنيل من أكثر المناطق التى قطنها اليمنيون عقب نزوحهم إلى مصر وذلك نظرا لتواجد جالية يمنية من الطلاب والمرضى الذين يتلقون العلاج فى مصر.


وتلعب العلاقات التاريخية جانبا مهما حول طبيعة العلاقة بين البلدين، فالثقافة المصرية ليست بجديدة على اليمنيين فقد ترك المدرسون والأطباء والمهندسون المصريون ثقافتهم خاصة فى فترة الستينيات والسبعينيات حيث كانت مصر تدعم الثورة اليمنية وأرسل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الجنود المصريين لدعم الثورة اليمنية واستمر الدعم المصرى بعد ذلك فى التعليم والصحة وغيرهما.


مصادر الدخل
وشكلت مصر لليمنيين فرصة مناسبة للعمل والاستثمار حيث اتجه العديد منهم إلى الاستثمار فى العقار من خلال شركات تسويق عقارى أو شراء وبيع الشقق السكنية، كما ساهم الكثير منهم فى إدخال الأطباق اليمنية إلى السفرة المصرية، حيث انتشرت المطاعم اليمنية وخاصة فى منطقة الدقي، وتزايد عدد زبائنها من المصريين أكثر من اليمنيين، كما عمل آخرون فى عدة مهن أخرى مثل المقاهى وشركات السياحة.


بيما يعتمد عدد كبير منهم على تحويلات مالية من أقاربهم فى الخارج وخاصة فى دول الاتحاد الأوربى وأمريكا، وساعد فرق العملة على حصول هؤلاء على معيشة جيدة والسكن المناسب نظرا لانخفاض أسعارها بالمقارنة بالخارج وبفرق العملة.


وقال عبد الله العابد، يمنى يقيم فى الدقي،:» حضرت إلى مصر عام 2015 بعد القتال الذى فى اليمن، وبدأت فى العمل فى مجال المطاعم اليمنية وذلك لأنى لم اكن أعرف مصر بعد أو طبيعة شعبها وكان هناك خوف وقلق، ولكن من خلال المطعم اليمنى والتعامل مع يمنيين فى بداية الأمر تجاوزت هذه المرحلة وحاليا لدى العديد من الأصدقاء المصريين». وأكد انه لم يعد يشعر بانه غريب عن مصر أو أنه نازح وذلك نظرا للألفة التى يتلقاها فى مصر.


وقاطعه على الحوفى، رجل أعمال يمنى اعتاد أن يحضر إلى المطعم اليمنى بشكل دائم، قائلا أن الجالية اليمنية فى مصر جالية كبيرة والكثير منهم يملك استثمارات ساهمت فى خلق فرص عمل لليمنيين من محدودى الدخل أو الطلاب الذين علقوا فى مصر ولم يستطيعوا العودة إلى اليمن عقب الأحداث، بخلاف الذين أتوا إلى مصر مؤقتا من أجل إنهاء بعض الأوراق الخاصة بسفرهم إلى دول أخرى نظرا لتعطل معظم السفارات والقنصليات فى اليمن، مؤكدا أن استخراج بعض التأشيرات الخاصة بالاتحاد الأوروبى أو الولايات المتحدة الأمريكية تستغرق وقتاً طويلا وهو ما يستلزم إقامة لفترات طويلة فى مصر.


وتابع انه حضر إلى مصر عقب الأحداث التى شهدتها اليمن وقرر أن يستكمل أعماله فى التجارة فوجد الطريق يسير لبدء إنشاء مصنع صغير لتغلفة الشاى وكانت مصر الخيار الأمثل للاستثمار».


مبادرات مجتمعية
ولجأ العديد من اليمنيين فى مصر إلى إنشاء والاشتراك فى روابط لتجميع أكبر قدر منهم من خلال صفحات التواص الاجتماعى أو من خلال اللقاءات التى تعقد بشكل مستمر وتجمع أبناء اليمن فى كافة المناطق، ومن هذه الروابط رابطة « يمنيون فى مصر» و»ابن اليمن» وائتلاف «أعيان اليمن فى مصر» وغيرها من الائتلافات والروابط التى تسعى إلى تقديم خدمات العون لأبناء الجاليات.

 

الليبيون.. شركاء النسب والجغرافيا
لم تكن الحدود المشتركة فقط هى الرابط الأكبر بين مصر وشقيقتها ليبيا ولكن التاريخ والنسب والصهر كان لها النصيب الأكبر فى خلق حالة من الترابط العميق بين الشعبين، مئات العائلات تربطها علاقة نسب بين ليبيين وآخرين مصريين جعل من هؤلاء سفراء حملوا لواء الترابط بين الدولتين.


فمنذ استقلال ليبيا عام 1951 كانت مصر خير سند للدولة لليبية وتقديم الدعم لتسهيل قيام الدولة الشقيقة بعد سنوات من المعاناة من الاستعمار، واستمرت العلاقات بين البلدين مستقرة ورغم توترها فى بعض الأوقات إلا أنها ظلت متماسكة لتقوى بشكل أكبر فى الأزمات، حيث استقبلت مصر الآلاف من أبناء دولة ليبيا عقب أحداث العنف التى تشهدها ليبيا منذ عام 2011، وكانت محافظة الإسكندرية المحطة الأولى والكبرى لاستقبال الليبيين الفارين من أهوال الحروب.


ويقول حمدين الهواري، ليبى يقيم بمدينة نصر، لا يمكن حصر عدد الليبيين فى مصر بشكل دقيق خاصة أن الآلاف منهم مقيم فى مصر منذ أكثر من 15 عاما، وتحظى محافظة الإسكندرية والمنصورة ومناطق مدينة نصر والتجمع والمهندسين بالعدد الأكبر من الليبيين المتواجدين فى مصر.


وأضاف أن مصر وليبيا دولة واحدة نحن من يومنا يحدثنا آباؤنا وأمهاتنا عن مصر أنها الجارة القريبة، وأضاف :» عائلتى لديها فرع فى مصر أكبر من ليبيا»، وأوضح ان علاقات النسب والتواصل بين العائلات الليبية والمصرية تجعل من الدولتين بلدا واحدا.


وأوضح أن لبيبا مازالت تعانى من العديد من المشاكل التى جعلت الآلاف من الليبيين المتواجدين فى مصر منذ عشر سنوات، يجدونها مكانا آمنا ومناسبا للاستقرار خاصة بعد استقرار تجارة الليبيين فى مصر وتوسعهم فيها بشكل كبير، وأكد انه يعمل فى مجال التسويق العقارى منذ 5 سنوات وهى تجارة رائجة فى مصر.


قاطعه على الزواري، قائلا :» بتحكى عن إيه علاقتنا مع مصر لا تحكى، مصر بلدى أنا ليبى بس مصرى زى كتير من المصريين ويمكن أكتر أنا حياتى الآن وشغلى سبب فيه جار لى مصرى «، وتابع أن مصر استضافته واستطاع أن يبدأ عملا من خلال مساعدة من أحد جيرانه بمنطقة مصر الجديدة.


وأكد «الزواري» أن القبائل والعائلات المصرية مرتبطة بالليبية أيضا تجد فى مصر الأطباق الليبية أصبحت أطباقا رئيسية على الموائد والمطاعم المصرية ومنها المكرونة «المبكبكة»، وأوضح أن هناك تواصلا كبيرا بين قبائل وعائلات مطروح وغرب الإسكندرية منذ الأزل.


تتعدد مصادر عمل الليبيين فى مصر وذلك طبقا لطبيعة عملهم، وتحظى تجارة العقارات والسيارات بالنصيب الأكبر لليبيين المقيمين فى مصر، بخلاف الاستثمارات التى بدأها الليبيون فى مصر والتى تضاعفت خلال السنوات الماضية ومشاركتهم فى العديد من الشركات الكبرى، كما يعمل العديد من الليبيين فى مجال شركات الاستيراد والتصدير وأيضا فى مجال العقارات بالإضافة إلى مجال السياحة.

 

من القاهرة.. هنا دمشق

آلاف السوريين لم يفكروا كثيرا قبل أن يحددوا وجهتهم إلى مصر النصف الثانى من الدولة العربية المتحدة، شريكة حرب أكتوبر وخطة الهجوم المشترك، وصوت القاهرة الذى انطلق من دمشق «هنا القاهرة»، حضروا إلى مصر وسط ترحاب من جميع المصريين حكومة وشعبا وجدوا تسهيلات فى تسجيل أطفالهم فى المدارس وتقدم رعاية صحية لهم فى المستشفيات المصرية.


اندمج السوريون بسرعة كبيرة رغم عددهم والذى يقدر طبقا لمساعد وزير الخارجية للشئون العربية، المندوب الدائم بجامعة الدول العربية، محمد البدرى، 137 ألفا من الضيوف السوريين المسجلين لدى الأمم المتحدة فى مصر، بينما يصل العدد الحقيقى غير المسجل لدى الأمم المتحدة يقدر بـ550 ألف سورى فى المجتمع المصرى وسكنوا فى شوارعها وحواريها بل اعتادوا على تناول طبق الفول صباح كل يوم، وفى المقابل أدخلوا عددا من الأطباق السورية بإضافة بعض التعديلات التى تناسب المصريين، لتنتشر وتصبح أحد المحال الرئيسية فى جميع محافظات مصر.


مجال العمل
محمد خيرو سورى حضر إلى مصر منذ 5 سنوات لم يكن يحمل الكثير من المال ولكنه كان يحمل طموحات وأحلاما كبيرة، استطاع خيرو أن ينشئ أكبر مجموعة صالونات حلاقة فى الإسكندرية يعمل داخلها عشرات المصريين والسوريين، بدأها بصالون صغير داخله مرآة مشروخة ولكن شرخها كان بداية لمداواه آلام الغربة عن الوطن الأم.


وأوضح خيرو أن مصر فرصة ذهبية لمن يحسن استغلالها فالسوق المصرى كبير ويسمح بالآلاف من الفرص التجارية، وأكد انه لم يجد عوائق فى التوسع وفتح مزيد من الأفرع لسلسلة الصالونات بعد أن بدأ منفردا فى محل صغير، وأكد خيرو أن عددا من زملائه والذين رافقوه فى بداية عمله هاجروا إلى دول أوربية بينما رفض هو السفر وقرر الاستمرار فى مصر، عادوا إلى مصر مرة أخرى بعد المشاكل التى واجهوها فى أوربا بعد أن وجد هو نفسه.


اللهجة المصرية
لم يختلف الحال عن أم محمد تلك السيدة السورية التى تمتلك احد المحال الخاصة بالأطعمة السورية التى حضرت إلى مصر منذ اندلاع الأحداث فى سوريا عام 2011، لا تستطيع أن تميز لهجتها إلا إذا دققت كثيرا فقد اكتسبت اللهجة المصرية عن جدارة، تقول حضرت إلى مصر برفقة زوجى وأولادى عمار وحلا وكنا قد فقدنا كل ما نملك فى سوريا ولم يتبقَ سوى القليل لكن لدينا أملا فى مصر وفى أهلها الذين أكرمونا وأحسنوا استقبالنا فى بيوتهم قبل توفير سكن مناسب لنا.