كشفت دراسة علمية جديدة أن تأثير الكائنات الحية لا ينتهي بوفاتها، بل يمتد لسنوات طويلة داخل النظم البيئية المختلفة، فبقايا الأشجار والشعاب المرجانية والأعشاب البحرية تظل تؤثر في الكائنات الحية التي تأتي بعدها، سواء من خلال توفير الحماية والعناصر الغذائية أو عبر إعاقة النمو والتعافي، وتسلط النتائج الضوء على مفهوم «الذاكرة البيئية»، الذي يوضح كيف يظل الماضي حاضرا في تشكيل مستقبل الطبيعة.
وكشفت دراسة حديثة نشرت في مجلة «ساينس أدفانسز» العلمية، بقيادة عالم البيئة كاي كوبيكي، أن الكائنات النافقة لا تختفي آثارها بمجرد موتها، بل تستمر في التأثير على البيئة المحيطة بها لفترات طويلة، سواء من خلال دعم الحياة الجديدة أو إعاقتها.
الذاكرة البيئية
ويطلق علماء البيئة على هذه الظاهرة مصطلح "الذاكرة البيئية"، وهي فكرة تقوم على أن النظم البيئية لا تتشكل فقط بالكائنات الحية الموجودة حاليا، بل تتأثر أيضا بما كان موجوا في الماضي، وتوضح الدراسة أن ما يُعرف بـ «الأنواع الأساسية» مثل الأشجار والشعاب المرجانية والأعشاب البحرية والمحار، تترك وراءها آثارا مادية بعد موتها لا تختفي بسهولة، بل تظل جزءا من النظام البيئي وتؤثر في مسار تعافيه وتطوره.
لماذا تحارب الدولة طائر المينا الهندي؟.. قصة "الضيف الدخيل" الذي يهدد الطيور المحلية
عندما تصبح البقايا عائقًا أمام الحياة
وفي بعض الحالات، يمكن أن تؤدي بقايا الكائنات النافقة إلى إبطاء عملية التعافي الطبيعي، فعلى سبيل المثال تتعرض الغابات المطيرة الجبلية في بورتوريكو بشكل متكرر للأعاصير التي تقتلع الأغصان والأوراق من الأشجار وتلقي بها على أرض الغابة، وتشكل هذه المخلفات طبقة كثيفة تحجب أشعة الشمس عن الشتلات الصغيرة، ما يحد من قدرتها على النمو ويؤخر تجدد الغطاء النباتي.
كما رصد الباحثون ظاهرة مشابهة في الشعاب المرجانية حول جزيرة موريا الواقعة في جنوب المحيط الهادئ، حيث تؤدي موجات الحر البحرية إلى ابيضاض المرجان وموته، وبعد ذلك تتحول الهياكل العظمية المرجانية المتبقية إلى بيئة مناسبة لنمو الطحالب البحرية التي تستولي على المساحات الفارغة وتنافس المرجان الجديد على الموارد، ما يعرقل عملية التعافي ويحوّل الشعاب المرجانية المزدهرة إلى مناطق شبه مهجورة تحت الماء.
الموت قد يمنح الحياة دفعة جديدة
ورغم هذه التأثيرات السلبية، أوضحت الدراسة أن المواد الميتة يمكن أن تؤدي دورا إيجابيا في العديد من البيئات الطبيعية، ففي مستنقعات المانغروف بولاية فلوريدا الأمريكية، تتسبب الأعاصير في سقوط كميات كبيرة من الأوراق والأغصان. ومع تحلل هذه المواد واختلاطها بالجذور المتشابكة، تُطلق عناصر غذائية مهمة في التربة، ما يساهم في تسريع نمو النباتات الجديدة وتعزيز قدرة النظام البيئي على التعافي.
اقرأ أيضا| حيوانات نادرة تناضل من أجل البقاء.. الأنواع المهددة بالانقراض من الحياة البرية
كما سلطت الدراسة الضوء على غابات الشوكران في منطقة نيو إنجلاند الأمريكية، التي تعرضت لخسائر كبيرة بسبب حشرة غازية تُعرف باسم "المن الصوفي"، ورغم موت أعداد هائلة من الأشجار، فإن الجذوع الميتة المتبقية ساعدت على حماية الشتلات الصغيرة، حيث وفرت الظل وخفضت درجات حرارة التربة ومنحت النباتات الناشئة ظروفًا أفضل للبقاء والنمو.
دراسة شملت 10 نظم بيئية مختلفة
واعتمد الباحثون على بيانات طويلة الأمد جمعت من عشرة نظم بيئية متنوعة داخل الولايات المتحدة، شملت الشعاب المرجانية الاستوائية والغابات المعتدلة والغابات الشمالية القريبة من المناطق القطبية.
وأظهرت النتائج أن الأنواع الأساسية النافقة أثرت بشكل مباشر على الكائنات الحية في تسعة من أصل عشرة نظم بيئية تمت دراستها، بينما كانت غابات عشب البحر في ولاية كاليفورنيا الحالة الوحيدة التي لم يظهر فيها تأثير واضح لبقايا الكائنات النافقة، وتفاوتت قوة التأثير بشكل كبير بين المواقع المختلفة، حيث تسببت بعض البقايا في خفض معدلات النمو الجديد إلى النصف، بينما ساهمت في أماكن أخرى في زيادة النمو بما يصل إلى 12 ضعفًا.
تأثير الموتى في الطبيعة أكثر شيوعًا مما نعتقد
وقال كاي كوبيكي، المؤلف الرئيسي للدراسة، إن أبرز ما كشفت عنه النتائج هو مدى الانتشار الواسع للتأثيرات التي تتركها الكائنات النافقة على الكائنات الحية، مؤكدًا أن هذه الظاهرة ليست استثناءً نادرا، بل جزء أساسي من آليات عمل الطبيعة.
وأشار الباحثون إلى أن فهم دور الذاكرة البيئية قد يساعد العلماء وصناع القرار على تطوير استراتيجيات أكثر فاعلية لحماية النظم البيئية المتضررة واستعادة المناطق التي تعرضت للكوارث الطبيعية أو التغيرات المناخية.





