رافقت الحضارة.. حكاية «فاترينة» تاريخية تحمل ذاكرة 160 عامًا

فاترينة تاريخية
فاترينة تاريخية

عندما يزور السائح أو محب الآثار المتحف المصري بالقاهرة، تتجه الأنظار عادة إلى الكنوز الفرعونية النادرة المعروضة داخل القاعات، لكن في أحد أركان معرض «النيل: نبض الحضارة المصرية القديمة»، توجد قطعة استثنائية لا تقل أهمية عن المعروضات التي تحتضنها؛ إنها فاترينة عرض تاريخية تحولت بمرور الزمن إلى شاهد حي على رحلة المتحف المصري وتطور العمل المتحفي في مصر عبر أكثر من قرن ونصف.

يواصل المتحف المصري تقديم تجارب ثقافية فريدة لزواره، ليس فقط من خلال مقتنياته الأثرية النادرة، بل أيضاً عبر عناصر متحفية تحمل في طياتها تاريخ المؤسسة نفسها. ومن بين هذه العناصر تبرز الفاترينة رقم 8 بمعرض «النيل: نبض الحضارة المصرية القديمة»، التي لا تقتصر قيمتها على عرض القطع الأثرية، بل تُعد قطعة تاريخية قائمة بذاتها.

 

◄ بداية الحركة المتحفية في مصر

 

وعند انشغال الزائر بمشاهدة الآثار المعروضة داخلها، قد لا يدرك أن هذه الفاترينة الخشبية العتيقة عاصرت مراحل متعددة من تاريخ المتاحف المصرية، وانتقلت مع المجموعات الأثرية بين مقار المتحف المختلفة منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم.

وتعود قصة هذه الفاترينة إلى البدايات الأولى للحركة المتحفية في مصر، عندما أسس عالم الآثار الفرنسي أوجست مارييت متحف بولاق عام 1863، والذي يُعد أول متحف رسمي للآثار المصرية.

ومع انتقال المجموعات الأثرية لاحقاً إلى متحف الجيزة ثم إلى المبنى الحالي بميدان التحرير عام 1902، انتقلت معها بعض وسائل العرض المتحفي التي كانت مستخدمة آنذاك، لتصبح جزءاً من تاريخ المتحف نفسه.

 

◄ نموذج فريد يجمع بين التراث الأثري المتحفي

 

وتُعتبر هذه الفتارين الخشبية من النماذج النادرة المتبقية من الجيل الأول لأساليب العرض المتحفي في مصر، حيث صُممت في وقت كانت فيه علوم العرض والحفظ المتحفي لا تزال في مراحلها الأولى. وقد جمعت بين وظيفتين أساسيتين؛ حماية القطع الأثرية من العوامل الخارجية، وإتاحة مشاهدتها للجمهور بصورة منظمة وجذابة.

 

اقرأ ايضا| عربة عمرها 3 آلاف عام ما زالت تحير العلماء.. ما سر عربة يويا؟

 

وعلى الرغم من مرور أكثر من مائة عام على استخدامها، ما زالت هذه الفاترينة تؤدي دورها داخل قاعات المتحف، لتقدم نموذجاً فريداً يجمع بين التراث الأثري والتراث المتحفي في آن واحد، حيث تعرض آثاراً مصرية قديمة داخل قطعة متحفية أصبحت هي الأخرى جزءاً من التاريخ.

وتكشف هذه الفاترينة جانباً مهماً من تطور الفكر المتحفي في مصر، إذ تعكس كيف انتقلت طرق وأساليب العرض من البساطة التقليدية إلى النظم الحديثة المتبعة حالياً في المتاحف العالمية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على بعض النماذج التاريخية التي تمثل جزءاً من هوية المؤسسة المتحفية.

 

◄ شاهد صامت على مراحل تطور علم الآثار

 

كما تكتسب الفاترينة قيمة رمزية كبيرة، لأنها رافقت رحلة الآثار المصرية عبر ثلاثة مواقع رئيسية؛ بداية من متحف بولاق، مروراً بمتحف الجيزة، وصولاً إلى المتحف المصري الحالي بميدان التحرير، لتصبح شاهداً صامتاً على مراحل تطور علم الآثار والمتاحف في مصر.

ويمثل معرض «النيل: نبض الحضارة المصرية القديمة» فرصة للزوار لاكتشاف هذا الجانب غير المعروف من تاريخ المتحف، حيث لا تقتصر الحكاية على القطع المعروضة فقط، بل تمتد إلى وسائل العرض نفسها التي تحمل بين تفاصيلها ذكريات أجيال من علماء الآثار وأمناء المتاحف والزوار.

ولهذا، فإن زيارة المتحف المصري لا تقتصر على مشاهدة كنوز الحضارة المصرية القديمة فحسب، بل تتيح أيضاً التعرف على تاريخ المؤسسة التي حفظت هذه الكنوز لأكثر من قرن، لتبقى الفاترينة رقم 8 مثالاً نادراً على التقاء التاريخ الأثري بالتاريخ المتحفي في مشهد واحد يجذب عشاق الثقافة والتراث من مختلف أنحاء العالم.