اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟  

صورة لأحد مكامير الفحم فى محافظة الغربية
صورة لأحد مكامير الفحم فى محافظة الغربية

 

 ماجدة شلبي 

بين سحب الدخان الأسود التي تخنق سماء قرى محافظة الغربية، تختبئ قصة صراع معقد بين لقمة العيش وحق المواطن في بيئة نظيفة، هنا حيث تعمل مكامير الفحم النباتي منذ عشرات السنين، تتقاطع ملايين الدولارات القادمة من التصدير مع شكاوى صحية وبيئية لا تتوقف في ملف بات من أخطر الملفات المسكوت عنها في دلتا مصر.


- صناعة تعيش في الظل

 


في مراكز "بسيون والسنطة وكفر الزيات وزفتي" تنتشر عشرات المكامير وسط الكتل السكنية والأراضي الزراعية، صناعة بدائية تعتمد على حرق الأخشاب ببطء، داخل أفران طينية لإنتاج الفحم النباتي، ورغم بساطة الأدوات، فإن العائد المادي ليس بسيطًا.

 

الحاج محمد السيد، أحد مصنعي الفحم، أكد أن الفحم المصري من أجود الأنواع في العالم، وتتنوع أنواع الفحم النباتي حسب نوع الخشب المستخدم في صناعته وجودة الاحتراق، ومن أبرزها "فحم الليمون" الذي يتميز بصلابته واحتراقه البطيء، ويُستخدم بكثرة في الشواء والشيشة، و "فحم البرتقال" المعروف بثبات حرارته وقلة دخانه، و "فحم الجازورين" المنتشر محليًا لانخفاض تكلفته وكفاءته الجيدة، و"فحم المانجروف" عالي الجودة والمخصص غالبًا للتصدير، و "فحم السنط" المستخدم في المطاعم إلى جانب الفحم المضغوط المصنوع من مخلفات الفحم ونشارة الخشب، والذي يُعد أكثر كفاءة وأقل تأثيرًا على البيئة.

وأضاف مصطفى علي، أحد أصحاب المكامير "المكمورة الواحدة، بتشغّل بيوت كاملة، عندي عمال نقل خشب وتعبئة لو قفلتها أنا مش الوحيد اللي هيتضر"
وأكد أن طن الخشب الواحد، ينتج قرابة 300 كيلو جرام من الفحم، تُباع محليًا أو تُجهز للتصدير، مشيرًا إلى أن دورة الإنتاج تستغرق نحو أسبوعين لكنها كفيلة بتوفير دخل ثابت في ظل غياب فرص العمل بالقرى، حيث تصل يومية العامل في الفحم إلى 200 جنيه.

 

اقرأ ايضاً:«مفتاح التنافسية ومواجهة الفقر».. تحليل يكشف مؤشرات تطوير التعليم


- دولارات الفحم الوجه المشرق

 


بحسب بيانات التجارة الخارجية، بلغت قيمة صادرات الفحم النباتي المصري نحو 15 مليون دولار، خلال عام 2025 متجهة إلى أسواق عربية وأوروبية، أبرزها "السعودية وتركيا وإيطاليا وليبيا". 

 

وفي السياق ذاته، يؤكد محسن عبد الرسول، أحد التجار أن الفحم المصري مطلوب لجودته وارتفاع درجة احتراقه "الفحم ده بيدخل عملة صعبة للبلد ليه محدش بيتكلم عن ده؟ إحنا مش مصانع سرية إحنا بنشتغل من سنين".


- لكن من يدفع الثمن؟

 


على بعد أمتار من هذه المكامير، يعيش الأهالي معاناة يومية دخان كثيف رائحة خانقة ومحاصيل زراعية متضررة، وتؤكد شكاوى الأهالي ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض الصدرية خاصة بين الأطفال وكبار السن.

 

في المقابل، أصحاب المكامير يردون بقوة: "إحنا مش مجرمين الدولة سابتنا سنين وبعدين افتكرت البيئة فجأة.. ادونا بديل ادونا تطوير لكن متقطعوش عيشنا"

من جانبه، كشف محمود السايح أحد مصنعي الفحم "المكمورة الصديقة للبيئة تكلفتها فوق طاقتنا لو الدولة عايزة تطوير لازم دعم حقيقي مش قرارات غلق"


- بين القانون والواقع

 


هناك عددًا كبيرًا من المكامير يعمل دون تراخيص رسمية أو خارج الاشتراطات البيئية، ما يضع الأجهزة التنفيذية في مواجهة مباشرة مع أصحابها قرارات الغلق تتكرر، لكن سرعان ما تعود المكامير للعمل في مشهد يعكس غياب حل جذري.

 


- حل مؤجل أم أزمة مستمرة؟

 


تطرح وزارة البيئة بدائل تعتمد على مكامير مطورة، تقلل الانبعاثات بنسبة كبيرة لكن تطبيقها على أرض الواقع ما زال محدودًا أصحاب المكامير يطالبون بقروض ميسرة ودعم فني بينما يطالب الأهالي بوقف "الموت البطيء" الذي يتنفسونه يوميًا.

 

فيما أكد جهاز شؤون البيئة بالغربية، استمرار حملاته بالتنسيق مع المحافظة للتصدي للمكامير غير المطورة والمخالفة لاشتراطات السلامة وتوقيع عقوبات رادعة سواء بالإزالة أو بتحرير غرامات تصل إلى 50 ألف جنيه.

ولم يعد ملف مكامير الفحم في الغربية، مجرد قضية محلية بل نموذج لصراع الدولة بين التنمية الاقتصادية وحماية الصحة العامة، وبين دخان يملأ السماء يبقى السؤال معلقًا: هل تتحول مكامير الفحم إلى صناعة نظيفة أم يستمر الصمت حتى تختنق القرى؟