الإسكندرية/ أحمد سليم:
تصوير عصام عبد المنعم:
للوهلة الأولى، حين تطأ قدمك هذا البيت السكندري، تظن أنك دخلت آلة زمنية هبطت بك في متحف للأنتيكات، الجدران هنا ليست مجرد حجارة، بل هي رفوف حية تحتضن مئات الأسطوانات النادرة وشرائط الكاسيت القديمة التي تفوح منها رائحة الزمن الجميل، هنا يعيش أسامة حلمي، ومعه تعيش آلاف الأصوات المنسية.
اقرأ أيضًا.. حكاية مستضيف النبي.. رحلة الـ 80 عاماً من بيت المدينة إلى أسوار القسطنطينية
بدأت حكاية أسامة قبل خمس سنوات؛ كشغف وعشق شخصي لجمع كل ما هو قديم، من أسطوانات وأشرطة، مروراً بأفيشات الأفلام وتذاكر السينما والحفلات، وحتى الصور الفوتوغرافية القديمة للفنانين وعائلاتهم، لكن بمرور الأيام، تحولت هذه الهواية في عقله إلى قضية أكبر؛ قضية إنقاذ تاريخ "الناس العاديين" من الضياع، ليولد من رحم هذا الشغف مشروعه المستقل "أوز أوز".

كنز متاح للجميع
تحول الأمر من مجرد هواية إلى مشروع كبير، لإتاحة هذا التراث للباحثين والدارسين، حيث يرى أسامة أن هناك عدة أشخاص لديهم هواية جمع الأشياء القديمة، ولكن المشكلة تكمن في أن ما يجمعونه يظل حبيس منازلهم ولا يستفيد منه أي شخص، لذلك قرر تدشين موقع إلكتروني ليكون قناة لربط هواة تجميع الأشياء القديمة مع الباحثين والمهتمين.
وأكد حلمي أن فكرة الإتاحة والتشبيك وتبادل هذا التراث أمر مهم بالنسبة لمشروعه، مبينًا أن التراث السمعي على وجه الخصوص يعد كنزًا كبيرًا ويحتاج إلى توثيق عبر باحثين، مشيرًا إلى أنه بدأ حياته فنانًا موسيقيًا وكان يجد صعوبة في الوصول إلى كثير من المواد الموسيقية القديمة، لذلك قرر توثيق مشروعه وإتاحته للباحثين والفنانين.

اللافت في مشروع حلمي هو حرصه على تجميع التسجيلات الصوتية للأشخاص العاديين، سواء عبر الأسطوانات أو ما كان يُعرف بشرائط "ريل تو ريل"، بالإضافة إلى أسطوانات حجرية تعود إلى بدايات القرن الماضي لفنانين مختلفين مثل سيد درويش ومنيرة المهدية.
يشير حلمي إلى أن التسجيلات تتضمن أشخاصًا عاديين كانوا خارج مصر أو حتى في محافظة أخرى وقاموا بتسجيل أصواتهم في العقود الماضية، لأنها كانت طريقة متعارفًا عليها داخل المجتمع المصري مثلها مثل الخطابات العادية.
لا يكتفي أسامة بتجميع التسجيلات أو حتى الأنتيكات، ولكن يقوم بأرشفتها بطريقة احترافية تمكنه من تحديد مكان كل قطعة أو تسجيل في منزله بسهولة، ولكي يسهل أيضًا البحث والاكتشاف في حال احتاج هذه التسجيلات أيٌّ من الدارسين والباحثين.

رصد التحوّلات
خلال رحلة بحث أسامة عن "أصوات الناس العاديين" اكتشف أشياء مثيرة، منها على سبيل المثال تسجيلات صوتية لرجل في سبعينيات القرن الماضي كان يقوم بتسجيل يومياته صوتيًا في رسائل إلى زوجته المتوفاة، حيث تنتهي التسجيلات بإخبار الرجل السكندري زوجته المتوفاة بخبر وفاة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
قرر أسامة أن ينتج عرضًا عن قصة هذا الرجل تحت عنوان "صدى"، وهو عبارة عن عرض حكي عن تجربة الفقد، وأشار إلى أنه مزج بين تجربة فقد الرجل لزوجته وتجربته الشخصية أيضًا في الفقد، مضيفًا: "قمت بتقديم هذه العروض في الإسكندرية والقاهرة بالإضافة إلى أكثر من دولة عربية وأوروبية".
هدف آخر يراه حلمي مهمًا في مشروعه هو اكتشاف تطور أنماط المجتمع خلال الحقب المتعاقبة، سواء عبر التسجيلات الصوتية أو حتى عبر الإعلانات الورقية للأفلام وألبومات الأغاني وطريقة كتابة هذه الإعلانات ونوعية الخط والألوان التي صُممت بها، لافتًا إلى أن التسجيلات الصوتية على سبيل المثال تطورت من الأسطوانات بأنواعها وصولًا إلى شرائط الكاسيت التي اندثرت حاليًا مع تطور التكنولوجيا.







